نبي الله إدريس عليه السلام

نبي الله إدريس عليه السلام

قال الله تعالى

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا

سورة مريم

نبوتُه ورِسالتُه

سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام أحد الأنبياء والرسل الكرام الذين أخبر الله تعالى عنهم في القرءان الكريم، وقد ذكره الله تعالى في بِضعَة مَوَاطِن مِن سُوَر القرءَان، وهُو مَمَّن يَجب الإيمان والاعتقاد بِنبوتِه ورسالتِه على سبيلِ القطعِ والجزم، وقد وصفه الله تعالى في القرءان الكريم بالنُّبوة والصِّدِّيقِيَّة.

نسبهُ عليه الصلاة والسلام

اختُلِف في نسبِه عليه الصلاةُ والسلامُ وأشهر ما قيل فيه: هو نبي الله إدريس، ويسمى أيضًا أخنوخ، بنُ يَرْد بن مَهْلَايِيل بن نبي الله شيث بن نبي الله ءادم عليهم الصلاة والسلام.

وقيل سمي إدريس عليه الصلاة والسلام بهذا الاسم لأنه مشتق من الدراسة، وذلك لكثرة دَرسِهِ الصُحُفَ التي أُنزلت على سيدنا ءادم وابنِه شيث عليهما الصلاة والسلام.

ما جاء في وصفه عليه السلام

وأمَّا ما جاء في وصفه عليه الصلاة والسلام فقد روى الحاكم في المستدرك عن سَمُرة بن جندب قال: كان إدريس أبيض طويلاً، ضخم البطن، عريض الصدر، قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت في صدره نُكتة بيضاء من غير بَرَص، فلما حصل من أهل الأرض الجَورُ والاعتداء في أمر الله رفعه الله إلى السماء فهو حيث يقول: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [سورة مريم].

ومعنى ضخم البطن أي لم يكن بطنه لاصِقًا بظهره بل كان تامًّا حَسَنًا وفي الجملة كل ما خلق الله عز وجل في الأنبياء عليهم السلام مِن الصُّوَر حسن مَلِيح لأنه ابتعثهم لتميل إليهم النفوس وتقبلهم القلوب.

وقيل إن إدريس هو أول من خَطَّ بَعد ءادمَ عليه السلام وقطع الثياب وخَاطها، ويُنسب إلى هذا النبي الكريم أشياء كثيرة مما هي كذب وافتراء. وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يا أبا ذر أربعة سُريانيون: ءادمُ، وشيثٌ، وأخَنوخُ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم، ونوحٌ”.

مولده ونشأته عليه السلام

سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام هو ثالث الأنبياء بعد ءادم وشيث عليهما السلام، وقد اختلف العلماء في مولده ونشأته فقال بعضهم إن إدريس ولد بِبَابِل مدينة في العراق، وقال ءاخرون إنه ولد بمصر والصحيح أنه ولد بالعراق في مدينة بابل.

وقد أخَذَ إدريس عليه السلام في أول عمره بعِلمِ شِيث بن ءادم عليهما السلام ولما كَبِر ءاتاه الله النبوة والرسالة وأنزل الله عليه ثلاثين صَحِيفة كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي رواه ابن حبان، فصار عليه السلام يدعو إلى تطبيق شريعة الله المَبنِيَّة على دين الإسلام الذي أساسه إفراد الله تعالى بالعبادة واعتقاد أنه لا أحد يستحقُّ العبادة إلا الله، وأن الله خالق كل شيء ومالك كل شيء وقادر على كل شيء، وأن كل شيء في هذا العالم يحصل بمشيئة الله وإرادته، وأن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئًا من مخلوقاته ولا يشبهُه شيء من خلقه.

دعوته عليه السلام إلى تطبيق شريعة الله

عاش سيدنا إدريس عليه السلام يُعَلِّم الناس شريعة الإسلام وأحكامَ دين الله، مع أنَّ الناس الذين كانوا في زمانه كانوا مسلمين مؤمنين يَعبُدون الله تعالى وحده ولا يُشركون به شيئًا، واستمرَّ الأمر على هذه الحال إلى أن ظهر إبليس اللَّعين للنَّاس في صورة إنسَانٍ ليَفتِنَهم عن دِين الإسلام، وأمرهم أن يَعمَلوا صُوَرًا وتَماثِيل لخَمسَة من الصالحين كانوا معروفين بين قومِهم بالمنزلة والقدر والصلاح، فعَمِلوا لهم صُوَرًا وتماثيل، ثم لما طالت الأيام ظهر لهم مرة أخرى في وقت كَثُر فيه الجهل والفساد في الأرض، وأمرهم أن يعبدوا هذه التماثيل والأصنام الخمسة فأطَاعُوه وعَبَدُوهم واتَّخَذُوهم ءالهة من دون الله وصارُوا كافرين مشركين، وكان ذلك بعد وفاة نبي الله إدريس عليه السلام بمدَّة ولم يكن في ذلك الوقت نبيٌّ، قال الله تعالى حكاية عن هؤلاء الذين عبدوا هؤلاء التماثيل التي كانت صُوَرًا لخمسةٍ من الصالحين: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [سورة نوح]. فسيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام عاش تِتِمَّة الألفِ سنة بعد سيدنا ءادم على الإسلام هُوَ ومَن اتَّبعه ومَن كان معه، يدعو المسلمين الذين كانوا في زمانه إلى تطبيق شريعة الله وأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وأخذ يَنهى عن مخالفة شريعة الإسلام، فأطاعه بعضهم وخالفه بعض، فنوى أن يَرحَل فأمَر مَن معه أن يرحَلُوا معه عَن وطنِهم العراق فثَقُل على هؤلاء الرحيلُ عن وطنِهم، فقالوا له: وأينَ نجِد مِثلَ بَابِل إذَا رحلنا؟ وبَابِل بالسُريَانِيَّة النهرُ، كأنَّهم عَنَوا بذلك دِجلَة والفُرات، فقال لهم: إذا هاجرنَا لله رُزِقنَا غيرَه – أي بلدًا غيره- فلما خرج سيدنا إدريس عليه السلام ومن معه من العراق سَارُوا إلى أن وافَوا هذا الإقليم الذي يُسَمَّى بَابِليُون فرأوا النيل ورأوا واديًا خاليًا فَوقَف سيدنا إدريس على النيل وأخذ يتفكر في عظيم قدرة الله سبحانه ويُسَبِّح الله سبحانه وتعالى.

أقام سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام ومن معه في مصر يدعو الناس للالتزام بشريعة الله وكانت مدة إقامته في الأرض كما قيل اثنتين وثمانين سنة ثم رفعه الله إلى السماء ثم توفاه على هذه الأرض، وكون وفاته على الأرض هو الصحيح.

ومواعظه وءادابه عليه السلام

لسيدنا إدريس عليه السلام مَوَاعِظ وءادَاب اشتَهَر بها بينَ قومِه وأهلِ مِلَّتِه، فقَد دعَا سيِّدُنَا إدريس عليه السلام إلى دين الله وإخلاص العبادة له، وإلى الالتزام بالشريعة وإلى تَخلِيص النفوس من العَذاب فِي الآخرة بالعمَل الصالِح، وحَضَّ عَلى الزُّهد في هذه الدنيا الفَانِيَة الزائِلة والعَمَل بالعَدلِ وعدم الظلم، وأمرهم بالصلاة وبيَّنَها لهُم، وأمرهم بصِيَامِ أيام معينة مِن كل شهر، وأمرهم بزكاةِ الأموال مَعُونَة للفقراء، وشدّد عليهم في الطهارة مِن الجَنابَة، وحرّم عليهم الخَمر والمُسكِر من كل شيء مِن المشروبات وشدّد فيه تَشدِيدًا عظيمًا، وقيل جعل لقومِه أعيَادًا كثيرة في أوقاتٍ معروفَة، وقيل كان في زمانِه اثنان وسبعون لغةً يتكلم الناس بها وقد علَّمه الله تعالى لُغَاتِهم جميعَها ليُعَلِّم كلَّ فرقة من قومِه بلغتِهم كمَا قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ } [سورة إبراهيم].

وقيل إنه علّم قومه العلوم، وإنه أول من استخرج الحِكمَة وعلم النجوم فإن الله سبحانه وتعالى أفهَمَه أسرَارَ الفَلَكِ وتَركِيبِه، وأفهمَه عَدَدَ السنين والحِساب، وقيل إنه أول مَن نَظَر في علم الطِبِّ، وأول من أنذَر بالطُّوفَان، وأول مَن رسَم لقومِه قواعد تَمدِينِ المُدُن. وأقامَ للأمَمِ فِي زمانِه سُنَنًا فِي كل إقلِيم سنّةً تليق بأهله.

رَفْعُ إدريس عليه السلام إلى السماء ومكان موته

أقام سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام في العراق وفي مصر يدعو إلى دين الإسلام، وصَبَر في الدعوة إلى الله الصبرَ الجَمِيل، وتحمَّل مِن قومِه الكثير وهو يدعُوهم إلى الالتزامِ بالشَّريعَة وبِطاعَة المولى سبحانه وتعالى وعدَم مَعصِيتِه. ثم رفعه الله تبارك وتعالى إلى السماء كما قال الله تعالى في حق إدريس عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [سورة مريم].

وقد اختلف العلماء في السماء التي رُفِع إليها سيدنا إدريس عليه السلام، فقد روي عن ابنِ عباس أنه قال في تفسير الآية: إن الله رفعه إلى السماء السادسة فمَاتَ بها، ورُوِي عن مُجاهد في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} قال السماء الرابعة، والذي عليه العلماء أنه عليه الصلاة والسلام مات على هذه الأرض كما تقدم، وأما أنَّه لم يَزَل في السماء السادسة فَغَير معتمد، وذلك لِقَول الله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} فأخبر أن الإنسان خُلِق من هذه الأرض وتَكُون نِهايَتُه بَعد المَمَات إليها ومِنهَا يُبعث يَوم القيامة.

خطبة الجمعة الغضب وءاثاره السلبية على الفرد والمجتمع

الغضب وءاثاره السلبية على الفرد والمجتمع

  الحمد للهِ الذي أحسَنَ خَلْقَ الإنسانِ وعدَلَه، وألهمَهُ نورَ الإيمانِ فزيَّنهُ به وجمَّلَهُ، وعلَّمَهُ البيانَ فقدَّمَهُ بهِ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share