بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
سورة الأحزاب: 21
قال رسول الله ﷺ
إِنَّ اللهَ اصطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ وَاصطَفَى قُرَيشًا مِن كِنَانَةَ وَاصطَفَى مِن قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصطَفَانِي مِن بَنِي هَاشِمٍ
رواه مسلم
فَنَبِيُّنَا خِيَارٌ مِن خِيَارٍ مِن خِيَارٍ مِن خِيَارٍ فَهُوَ سَيِّدُ المُرسَلِينَ وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، أَفضَلُ مَن وَطِئَ الثَّرَى وَعَلَا فَوقَ النُّجُومِ، إِنَّه سَيِّدُنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ ﷺ.
نسبه الشريف ﷺ
هُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلَابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إِلْيَاسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزَارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنَانَ ﷺ.
أسماؤه ﷺ
مِن أَسمَائِهِ ﷺ:
- مُحَمَّدٌ
- وَأَحْمَدُ
- وَالْحَاشِرُ
- وَالْمُقَفِّي
- وَالْمَاحِي
- وَالْخَاتِمُ
- وَالْعَاقِبُ
- وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ
- وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ.
ولادته ونشأته ﷺ
لَمَّا حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنتُ وَهبٍ قَالَتْ: مَا وَجَدْتُ لَهُ ثِقَلًا وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِاثنَتَي عَشرَةَ لَيلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَلَى القَولِ المَشهُورِ.
فَلَمَّا ظَهَرَ خَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغرِبِ، وَعِندَ وِلَادَتِهِ اهتَزَّ إِيوَانُ كِسرَى وَانطَفَأَت نَارُ المَجُوسِ.
فَكَانَت وِلَادَةُ أَعظَمِ مَخلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى، وُلِدَ سَيِّدُ المُرسَلِينَ وَسَيِّدُ وَلَدِ ءَادَمَ أَجمَعِينَ ﷺ.
حياته قبل البعثة ﷺ
تُوُفِّيَ أَبُوهُ ﷺ وَهُوَ حَمْلٌ، فَخَلَفَ لَهُ خَمْسَةَ أَجْمَالٍ وَقِطْعَةَ غَنَمٍ، وأَرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أَبِي لَهَبٍ أَيَّامًا، وَأَرضَعَتهُ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنتُ وَهبٍ، ثُمَّ قَدِمَت حَلِيمَةُ فَأَكمَلَت رَضَاعَتَهُ.
ومَاتَتْ أُمُّهُ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ كَفِلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ وَأَوْصَى عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ عَلَيهِ.
وَكَانَ يُسَمَّى فِي صِغَرِهِ وشَبَابِهِ الأَمِينَ، وَكَانَتْ عَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ تَظْهَرُ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ﷺ.
زواجه قبل البعثة ﷺ
تَزَوَّجَ ﷺ مِن خَدِيجَةَ وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَفَاطِمَةَ وَالْقَاسِمَ وَالطَّاهِرَ وَالطَّيِّبَ، وَقِيلَ وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بَعدَ البِعثَةِ، فَلُقِّبَ بِالطَّاهِرِ وَالطَّيِّبِ.
بعثته ﷺ
بُعِثَ نَبِيُّنَا ﷺ وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَنَزَلَ الْمَلَكُ عَلَيْهِ بِغَارِ حِرَاءٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى مَا قَالَ بَعضُ أَهلِ السِّيَرِ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ اشتَدَّ عَلَيهِ وَعَرِقَ جَبِينُهُ.
الدعوة في مكة ﷺ
بَقِيَ ثَلَاثَ سِنِينَ يُبَلِّغُ النَّاسَ سِرًّا (يَعنِي لَم يَكُن يَأتِيهِم إِلَى مَوَاضِعِ تَجَمُّعِهِم، لَكِن كَانَ مَشهُورًا عِندَهُم أَنَّهُ بُعِثَ نَبِيٌّ وَكَانَ يُبَلِّغُهُم جَمِيعًا)، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرُ﴾، فَأَعْلَنَ الدُّعَاءَ.
وَلَقِيَ الشَّدَائِدَ مِنْ قَوْمِهِ وَهُوَ صَابِرٌ، ثُمَ أَمَرَ أَصحَابَهُ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَخَرَجُوا.
وَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ بَعْدَهُ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ، وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ يَخْرُجُ فَيَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ.
ثُمَّ أُسْرِيَ بِهِ فِي سَنَةِ ثِنتَي عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْعَقَبَةِ، وَهاجَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
الهجرة إلى المدينة
خَرَجَ المُسلِمُونَ قَبلَ النَّبِيِّ ﷺ فُرَادَى وَجَمَاعَاتٍ، سِرًّا وَجَهرًا، حَتَّى استَقَرَّ عَدَدٌ مِنهُم فِي المَدِينَةِ.
ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى وَصَلَا إِلَى غَارِ ثَورٍ فَأَقَامَا فِيهِ ثَلاثًا وَعَمِيَ أَمْرُهُمْ عَلَى قُرَيْشٍ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا بِالرَّحْبِ وَالسَّعَةِ، وَبَنَى مَسْجِدَهُ وَمَنْزِلَهُ فِيهَا.
غزواته ﷺ
غَزَا نَبِيُّنَا ﷺ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزوَةً، قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعٍ: بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْمُرَيْسِيعِ وَالْخَنْدَقِ وَقُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَالْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَبَعَثَ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَرِيَّةً.
معجزاته ﷺ
مَا زَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ يَلْطُفُ بِالْخَلْقِ وَيُرِيهِمُ الْمُعْجِزَاتِ رَغمَ كُلِّ الأَذَى الَّذِي تَحَمَّلَهُ فِي دَعوَتِهِم إِلَى التَّوحِيدِ، فَانْشَقَّ لَهُ الْقَمَرُ، وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَحَنَّ إِلَيهِ الجِذعُ، وَأَخبَرَ بِكَثِيرٍ مَمَّا سَيَحصُلُ بَعدَهُ فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَأُسرِيَ بِهِ مِنَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى، وَفُضِّلَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ فَصَلَّى بِهِمْ فِيه إِمَامًا، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ تَكرِيمًا وَتَشرِيفًا لَهُ لَا لِيَكُونَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ تَوَاضُعًا، وَلَهُ غَيرُ ذَلِكَ مِنَ المُعجِزَاتِ البَاهِرَةِ الَّتِي وَصَلَ عَدُدَهَا إِلَى الأَلفِ كَمَا قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ.
زهده ﷺ
كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ زَاهِدًا بِحَالِهِ وَمَقَالِهِ.
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ
مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.
رواه البخاري ومسلم
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَخبَرَ أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا جَاءَتْ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ
“مَا هَذِهِ” قَالَتْ: قُرْصٌ خَبَزْتُهُ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُكَ بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ. فَقَالَ: “أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ”
رواه الطبراني
وفاته ﷺ
بَعْدَ أَن أَكْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَدَاءَ الرِّسَالَةِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِبْلَاغِهَا، وَنَصَحَ أُمَّتَهُ، وَدَلَّهُمْ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَحَذَّرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، اسْتَهَلَّتْ السَّنَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْزَّكِيَّةِ وَقَد رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَوَقَعَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُورٌ عِظَامٌ، مِنْ أَعْظَمِهَا خَطْبًا وَفَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ ﷺ نَقَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ إِلَى النَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ رَفِيعَةٍ، وَدَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا أَعْلَى مِنْهَا وَلَا أَسْنَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [سورة الضحى: 4،5]، فَكَانَت وَفَاتُهُ ﷺ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ.
المصادر
هَذِهِ السِّيرَةُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- التَّبصِرَةِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
- الرَّوضِ الأُنُفِ لِأَبِي القَاسِمِ السُّهَيلِيِّ.
- السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَأَخبَارِ الخُلَفَاءِ لِابنِ حِبَّانَ.
- سِيرَةِ ابنِ هِشَامٍ.
- خُلَاصَةِ سِيَرِ سَيِّدِ البَشَرِ لِلطَّبَرِيِّ.
- عُيُونِ الأَثَرِ لِابنِ سَيِّدِ النَّاسِ.