الحديث الحادي والخمسون والثاني والخمسون

الدرس ٤٠ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٦:٥٥

الحَمْدُ لله الدَّاعي إلى بابه، الموفِّقِ من شاء لصوابِهِ، أنعم بإنزالِ كتابِه، يَشتملُ على مُحكمٍ ومتشابه، فأما الَّذَينَ في قُلُوبهم زَيْغٌ فيتبعونَ ما تَشَابَه منه، وأمَّا الراسخون في العلم فيقولون ءامنا به، أحمده تعالى على الهدى وتَيسيرِ أسبابِه، وأشهد أنْ لا إِله إلَّا الله وحدَه لا شَريكَ له شهادةً أرْجو بها النجاةَ مِنْ عقابِه، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أكمَلُ النَّاس عَملًا في ذهابه وإيابه، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ أفْضل أصحَابه، وعَلَى عُمر الَّذِي أعَزَّ الله بِهِ الدِّيْنَ واسْتَقَامَتِ الدُّنْيَا بِهِ، وَعَلَى عثمانَ شهيدِ دارِهِ ومِحْرَابِه، وعَلى عليٍّ المشهورِ بحَلِّ المـُشْكِلِ من العلوم وكَشْفِ نِقابه، وَعَلَى ءالِهِ وأصحابه ومنْ كان أوْلَى بِهِ. أما بعد: 

الحديث الحادي والخمسون

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعَن ابْنِ مسْعُودٍ رضي اللَّه عنه أنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إِنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها، قَالُوا: يَا رسُولَ اللَّهِ فَما تَأمرُنا؟ قالَ: تُؤَدُّونَ الْحقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ وتَسْألونَ اللَّه الَّذِي لكُمْ” متفقٌ عَلَيهِ. “والأَثَرَةُ”: الانفرادُ بالشيْءِ عمَّنْ لَهُ فيهِ حقٌّ. 

الشرح

وعَن ابْنِ مسْعُودٍ رضي اللَّه عنه أنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إِنَّهَا سَتكُونُ (أي ستحصل) بَعْدِي (أي: بعد وفاتي بمدة كما يومىء إليه السين) أَثَرَةٌ (قال الأزهري: هو الاستئثار أي يُستأثرُ عليكم بأمور الدنيا ويُفَضَل عليكم غيرُكُم أي في إعطاء نصيبه من الفيء، وقال العيني: أَي: استبداد واختصاص بالأموال فِيمَا حَقهُ الِاشْتِرَاك.اهـ والمراد منها أن مناصبَ وأموالَ هذه الدنيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها يستأثر بها أناس غيرُ أصحابه عليه الصلاة والسلام ممن يكون أكثرهم ليسوا أَهْلًا لها، وهذا فيه إشارة إلى ظهور الفتن وانتشارها) وَأُمُورٌ (وستكون أمور أخرى من أمور الدين) تُنْكِرونَها (وهذا يدل على انتشار الفتن والمعاصي والمنكرات بعده صلى الله عليه وسلم وأنه أخبر بذلك)، قَالُوا: يَا رسُولَ اللَّهِ فَما تَأمرُنا؟ (أي أن نفعل إذا وقع ذلك) قالَ: تُؤَدُّونَ الْحقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ (أي تعطون الشيء الذي أوجبه الله عليكم من بذل المال الواجب في الزكاة والنفس في الخروج إلى الجهاد، وقيل: المُرَاد بِالْحَقِّ السّمع وَالطَّاعَة للأئمة وَلَا يخرج عَلَيْهِم) وتَسْألونَ اللَّه (عز وجل من فضله أن يوفي الحق) الَّذِي لكُمْ (من الغنيمة والفيء ونحوهما ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقكم بل وفوا إليهم حقهم من السمع والطاعة وحقوق الدين وكِلوا أمرَكم إلى الله تعالى، وهذا الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم فيه دعوة إلى التزام الجماعة مع وجود الفتن والمعاصي والمنكرات وانتشارها)” 

قال النووي: هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْإِخْبَارُ مُتَكَرِّرًا وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي ظَالِمًا عَسُوفًا فَيُعْطَى حَقَّهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ وَلَا يُخْلَعُ بَلْ يُتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَشْفِ أَذَاهُ وَدَفْعِ شَرِّهِ وَإِصْلَاحِهِ.اهـ 

قال ابن علان: وفي الحديث الصبر على المقدور، والرضا بالقضاء حلوه ومرّه، والتسليم لمراد الرب العليم الحكيم.اهـ وفيه إشارة إلى الصبر على الحق والثبات على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصا مع انتشار الفتن والمفاسد والبعد عن دين الله عز وجل، ولذلك أورده النووي في باب الصبر، واستدل به جماعة من الفقهاء على بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بالثبات على منهج النبوة ولا سيما في العقيدة والأحكام، ويبين هذا ما جاء فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ والْأُلْفَةِ وَكَرَاهِيَةِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ، فقد روى البيهقي عَنْ يَسِيرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْنَا: أَوْصِنَا قَالَ: ” عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاحُ مِنْ فَاجِرٍ “، وقالَ تعالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلَا تَفَرَّقُوْا﴾ وروَى الترمذيُّ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهمَا قالَ: خَطَبنَا عُمَرُ بالْجَابِيَةِ فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رسولِ اللهِ فِينَا فقالَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَماعَةَ». والجماعة التي ذكرها الرسول في هذا الحديث الجمهور، وجمهور المسلمين اليوم في العقيدة هم الأشاعرة والماتريدية، هؤلاء اليوم مئات الملايين من المسلمين. ومعنى بحبوحة الجنة أي في المكان الذي هو وسط الجنّة أي المكان الأحسن؛ الجنة لها أطراف تلي سورها، الوسط أفضلها، وله أعلى أفضل من غيره. وروَى الحاكمُ مِنْ حديثِ أبِي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ». وقدْ أوصَى الشرعُ الحنيفُ بالتزامِ مَا عليهِ جماعةُ المسلمينَ وحذَّرَ مِنْ مُخالَفَتِهِمْ فإنَّ فِي المخالفةِ لهمْ هلاكًا وضلالًا مبينًا، فينبغِي علَى مُريدِ رضَا اللهِ وسلامةِ دينِهِ أنْ يعرفَ مَا كانَ عليهِ سلفُ هذهِ الأمةِ فِي العقيدةِ والأحكامِ فيلتزمَهُ وبهذَا أوْصَى الصحابةُ أيضًا فقدْ روَى الدارِميُّ عنْ أَبِي قِلابةَ قالَ: قالَ ابنُ مسعودٍ: “عليكُمْ بالعلمِ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أنْ يُذْهَبَ بأصحابِهِ، عليكُمْ بالعلمِ فإنَّ أحَدكُمْ لا يدرِي متَى يُفْتَقَرُ إليهِ أوْ يُفْتَقرُ إلَى مَا عِنْدَهُ إنَّكمْ ستَجِدُونَ أقوامًا يزعُمُونَ أنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إلَى كتابِ اللَّهِ وقدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فعليكُمْ بالعلمِ وإيَّاكُمْ والتبدُّعَ(أي فِعْلَ البدعِ المخالفةِ للشرعِ) وإياكُمْ والتنطُّعَ(والمتنطعون: هُمُ المُتعَمِّقون المُغالون فِي الْكَلَامِ، المتكلِّمون بأقْصَى حُلوقِهم. مَأْخُوذٌ مِنَ النِّطَعِ، وَهُوَ الغارُ الأعْلى مِنَ الفَم، ثُمَّ استُعْمِل فِي كُلِّ تَعَمُّق، قَوْلًا وَفِعْلًا) وإياكُمْ والتعمُّقَ(أيِ التعمقَ فِي البدعِ علَى الوجهِ المخالفِ للصوابِ، وليسَ المرادُ ذمَّ الزيادةِ فِي طلبِ العلمِ الشرعيِّ فإنَّ ذلكَ ممدوحٌ كمَا أثبتَ ذلكَ كتابُ اللهِ تعالَى حيث قال تعالى لنبيه ﷺ: ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِيْ عِلْمًا))، وعليكُمْ بالعتيقِ”.اهـ والأمرُ العتيقُ هوَ مَا كانَ عليهِ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ الكرامُ البررةُ وسَلَفُ هذهِ الأمةِ رحمَهُمُ اللهُ تعالَى كالأئمةِ الأربعةِ ومَنْ سارَ علَى دربِهِمْ مِنْ ألوفِ الحفَّاظِ والفقهاءِ مِنْ شافعيةٍ ومالكيةٍ وحنفيةٍ وحنابلةٍ وغيرِهِمْ، وكل هؤلاء كانوا على عقيدة واحدة ولو اختلفوا في الفروع والأحكام الفقهية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى باتباع الجماعة. فهذه الأمة تكون على تلك العقيدة لكن يوجد فرق انحرفوا عنها فهؤلاء الذين انحرفوا هم هالكون. في أصل العقيدة من كان على عقيدة الصحابة ولم ينحرف عنها فهو على خير ولو كان مقصرًا في العبادات، فهو أفضل من الذي هو صورةً جادٌ في العبادة مجتهد وهو على غير تلك الطريقة في العقيدة. لا تزال فرقة باقية على عقيدة الرسول والصحابة إلى يوم القيامة في هذه الأمة والويل لمن انحرف. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “ستة لعنتهم ولعنهم  الله وكل نبي مجاب” فذكر في الستة من ترك سُنَتَهُ وفارق الجماعة، أي ترك ما كان عليه أصحابه من الاعتقاد وانحرف عنهم إلى غير ما كانوا عليه فقال “والتارك لسنتي المفارق للجماعة” أي سنة الرسول، أي الاعتقاد الذي كان عليه، هو عَلَّمَهُ الصحابةَ ليُعَلِّمُوا غيرهُم وغيرهُم ليُعَلِّمُوا من بَعدَهُم وهكذا إلى نهاية الدنيا. 

وأهل السنة والجماعة هم السواد الأعظم الفرقة الناجية وقد حدث بعد سنة مائتين وستين للهجرة انتشار بدعة المعتزلة والمشبهة وغيرهما فقيض الله إمامين جليلين أبا الحسن الاشعري المتوفى سنة 324 هـ وأبا منصور الماتريدي المتوفى سنة 333 هـ رضي الله عنهما فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شبه المعتزلة والمشبهة وغيرهمافنسب إليهما أهل السنة فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون. قال الإمام البيهقي [إن أبا الحسن الأشعري رحمه الله لم يحدث في دين الله حَدَثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصرها بزيادة وشرح وتبيين]. وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة. ويقول تاج الدين السبكي [وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه الله]. ثم يقول [وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة]. قال الحافظ مرتضى الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين: الفصل الثاني [إذا اطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية]. وقال الفقيه الحنفي ابن عابدين في حاشيته [أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية]. وهذا هو دين الله الذي كان عليه السلف الصالح وتلقاه عنهم الخلف الصالح، وطريقة الأشعري والماتريدي في أصول العقائد متحدة. فالمذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح هو ما عليه الأشعرية والماتريدية وهم مئات الملايين من المسلمين فكيف يكون هؤلاء السواد الأعظم على ضلال، وتكون شرذمة على الحق، والصواب أن الرسول عليه السلام أخبر بأن جمهور أمته لا يضلون وذلك من خصائص هذه الأمة، ويدل على ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما [إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة] وعند ابن ماجه زيادة [فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم]. ويقوي هذا الحديث الحديث الموقوف على أبي مسعود البدري [وعليكم بالجماعة فإن الله لا يَجمع هذه الأمة على ضلالة] قال الحافظ ابن حجر [وإسناده حسن]، والحديث الموقوف على عبد الله بن مسعود وهو أيضًا ثابت عنه [ما رءاه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح]، قال الحافظ ابن حجر [هذا موقوف حسن].

وعقيدة الأشاعرة والماتريدية رحمهم الله التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة كل الأمة الإسلامية سلفًا وخلفًا، وهي المرجع الذي تُعْرض عليه عقائدُ الناس، فمن خالفها أو كذبها لا يكونُ من المسلمينَ، وهي ميزان الحقِّ الذي يَكْشِفُ زيْفَ الباطلِ وزيغَهُ، فكان لا بُدَّ من هذا البيان المهمِّ لخصوصِ الغَرضِ وعمومِ النَّفْعِ وهي قولهم نصرهم الله وأعلى رايتهم: اعلم أرشدَنا اللهُ وإياكَ أنهُ يجبُ على كلِّ مكلفٍ أن يعلمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ واحدٌ في ملكِهِ، خلقَ العالمَ بأسرِهِ العلويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسمـٰواتِ والأرضَ وما فيهمَا وما بينهُمَا. جميعُ الخلائِقِ مقهورونَ بقدرتِهِ، لا تتحرَكُ ذرةٌ إلا بإذنِهِ، ليس معهُ مُدَبّرٌ في الخلقِ ولا شريكٌ في الملكِ، حي قيومٌ لا تأخذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، عالمُ الغيبِ والشهادةِ لا يخفى عليه شىء في الأرضِ ولا في السماءِ، يعلمُ ما في البرّ والبحرِ، وما تسقطُ من ورقةٍ إلا يعلمُهَا، ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبينٍ. أحاطَ بكلِ شىء علمًا وأحصَى كلّ شىءٍ عددًا، فعالٌ لما يريدُ، قادرٌ على ما يشاءُ، له الملكُ وله الغِنى، وله العِزُّ والبقاءُ، وله الحكمُ والقضاءُ، وله الأسماءُ الحسنى، لا دافعَ لما قضَى، ولا مانعَ لما أعطَى، يَفْعَلُ في ملكِهِ ما يريدُ، ويَحْكُمُ في خَلْقِهِ بما يشاءُ، لا يَرجُو ثوابًا ولا يخافُ عقابًا، ليس عليهِ حقٌ يلزَمُهُ ولا عليهِ حُكْمٌ، وكلُّ نِعْمةٍ منْهُ فَضْلٌ وكل نِقْمةٍ منه عَدْلٌ، لا يُسألُ عمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألونَ. مَوجودٌ قبلَ الخَلْقِ، ليسَ لهُ قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ ولا بعضٌ، ولا يقالُ متَى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كانَ ولا مكانَ، كوَّنَ الأكوانَ، ودبَّرَ الزمانَ، لا يتقَيَّدُ بالزمانِ، ولا يتخصَّصُ بالمكانِ، ولا يشغَلُهُ شأْنٌ عن شأْنٍ، ولا يلحقُهُ وهمٌ ولا يكتنِفُهُ عقلٌ، ولا يتخصَّصُ بالذّهنِ، ولا يتمثَّلُ في النفسِ، ولا يُتَصَورُ في الوهمِ، ولا يتكيفُ في العقلِ، لا تَلْحَقُهُ الأوهامُ والأفكارُ، ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)). نقولُ جازمين معتقدِين صادِقين مخلِصين، بأنّا نشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، الواحدُ الأحدُ، الفردُ الصّمدُ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، الذي لم يتخذْ صاحبةً وليس له والدٌ ولا والدةٌ، الأولُ القديمُ الذي لا يُشبِه مخلوقَاته بوجهٍ من الوجوه، لا شبيهَ ولا نظيرَ له، ولا وزيرَ ولا مُشيرَ له، ولا مُعينَ ولا ءامِرَ له، ولا ضِدَّ ولا مُغالِبَ ولا مُكْرِهَ له، ولا نِدَّ ولا مِثلَ له، ولا صورةَ ولا أعضاءَ ولا جوارحَ ولا أَدواتَ ولا أَركانَ له، ولا كيفيةَ ولا كميةَ صغيرةً ولا كبيرةً له فلا حَجْمَ له، ولا مِقدارَ ولا مِقياسَ ولا مِساحةَ ولا مَسافةَ له، ولا امتدادَ ولا اتِّساعَ له، ولا جهةَ ولا حَيِّزَ له، ولا أَينَ ولا مكانَ له، كان الله ولا مكان وهو الآنَ بلا مكان على ما عليهِ كانَ. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما دخل في الوجود من أجسامٍ وأجرامٍ وأعمالٍ وحركاتٍ وسكناتٍ ونوايا وخواطر وحياة وموت وصحة ومرض ولذّة وألم وفرح وحزن وانزعاج وانبساط وحرارة وبرودة وليونة وخشونة وحلاوة ومرارة وإيمانٍ وكفر وطاعة ومعصية وفوز وخسران وتوفيق وخذلان وتحركات وسكنات الإنس والجن والملائكة والبهائم وقطرات المياه والبحار والأنهار والآبار وأوراق الشجر وحبات الرمال والحصى في السهول والجبال والقفار فهو بخلق الله، بتقديره وعلمه الأزلي، فالإنس والجن والملائكة والبهائم لا يخلقون شيئًا من أعمالهم، وهم وأعمالهم خلق لله، ((والله خلقكم وما تعملون))، ومن كذَّبَ بالقدر فقد كفر. ونشهد أن سَيِّدَنا ونبيَّنا وعظيمنا وقائدَنا وقُرَّة أعينِنا وغوثنا ووسيلتنا ومعلمنا وهادينا ومرشدنا وشفيعنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، مَن أرسَلَه اللهُ رحمةً للعالمين، جاءنا بدين الإسلام ككُلِّ الأنبياء والمرسلين، هاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه قمرًا وهَّاجًا وسِراجًا مُنيرًا، فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين، فعَلَّمَ وأرشدَ ونصحَ وهدى إلى طريق الحقِّ والجنَّة، صلى الله عليه وسَلَّم وعلى كلِّ رسولٍ أرسَلَه، ورضي الله عن ساداتنا وأئمتنا وقدوتنا وملاذنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر العشرة المبشرين بالجنة الأتقياء البررة وعن أمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات النقيات، وعن أهل البيت الأصفياء الأجلاء وعن سائر الأولياء وعباد الله الصالحين. نسأل الله أن يثبتنا على ما عليه جماعة المسلمين وأن يجنبنا الشذوذ عنهم. ولله الفضل والمِنَّة أن هدانا لهذا الحق الذي عليه الأشاعرة والماتريدية وكل الأمة الإسلامية، والحمد لله رب العالمين. 

الحديث الثاني والخمسون

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وَعن أبي يحْيَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رضي اللَّهُ عنهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتْعْملتَ فُلانًا؟ فَقَالَ:”إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدي أَثَرَةً فاصْبِرُوا حَتَّى تلقَوْنِي علَى الْحوْضِ” متفقٌ عَلَيهِ. “وأُسَيْدٌ”بِضَمِّ الْهمْزةِ.” وحُضَيْرٌ”بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ مضمُومَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ مفْتُوحةٍ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

ترجمة راوي الحديث

هو أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ بنِ سِمَاكِ بنِ عَتِيْكٍ الأَنْصَارِيُّ ابْنِ نَافِعِ بنِ امْرِئِ القَيْسِ بنِ زَيْدِ بنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ. الإِمَامُ أَبُو يَحْيَى – وَقِيْلَ: أَبُو عَتِيْكٍ – وَكَانَ يُكْنَى أَيْضًا أَبَا الْحُضَيْرِ. الأَنْصَارِيُّ، الأَوْسِيُّ، الأَشْهَلِيُّ. وَكَانَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ بَعْدَ أَبِيهِ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الإِسْلامِ يُعَدُّ مِنْ عُقَلائِهِمْ وَذَوِي رَأْيِهِمْ. وَكَانَ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وكانت الكتابة في العرب قليلا. وكان يحسن الْعَوْمَ وَالرَّمْيَ. وَكَانَ يُسَمَّى مَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْكَامِلَ وَكَانَتْ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي أُسَيْدٍ، أَسْلَمَ قَدِيْماً. كَانَ إِسْلامُ أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَبْدَرِيِّ في يوم واحد. فَسبق أُسَيْدٌ سَعْدًا فِي الإِسْلامِ بِسَاعَةٍ. وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قَدْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ السَّبْعِينَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الآخِرَةِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ وَيُعَلِّمَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وشهد أُسَيْدٌ الْعَقَبَةَ الآخِرَةَ مَعَ السَّبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ في روايتهم جميعا. وكان أحد النقباء الأثني عَشَرَ. فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَيْنَ أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَلَمْ يَشْهَدْ أُسَيْدٌ بَدْرًا وَتَخَلَّفَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ النُّقَبَاءِ وَغَيْرِهِمْ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَلْقَى بِهَا كَيْدًا وَلا قِتَالا وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ومن معه يتعرضون لِعِيرِ قُرَيْشٍ حِينَ رَجَعَتْ مِنَ الشَّامِ فَبَلَغَ أَهْلَ الْعِيرِ ذَلِكَ فَبَعَثُوا إِلَى مَكَّةَ مَنْ يُخْبِرُ قُرَيْشًا بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِمْ وَسَاحَلُوا بِالْعِيرِ فَأَفْلَتَتْ. وَخَرَجَ نفير قريش من مكة يمنعون عيرهم فَالْتَقَوْا هُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَنْ مَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ بِبَدْرٍ. لَقِيَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ أَقْبَلَ مِنْ بَدْرٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْفَرَكَ وَأَقَرَّ عَيْنَكَ. وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ تَخَلُّفِي عَنْ بَدْرٍ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَلْقَى عَدُوًّا وَلَكِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا الْعِيرُ. وَلَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ عَدُوٌّ مَا تَخَلَّفْتُ. فقال رسول الله. صلى الله عليه وسلم: صَدَقْتَ، وَكَانَ أُسَيْدٌ يُعَدُّ مِنْ عُقَلاَءِ الأَشْرَافِ، وَذَوِي الرَّأْيِ. وَلَهُ رِوَايَةُ أَحَادِيْثَ. رَوَتْ عَنْهُ: عَائِشَةُ، وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ، وغيرهم، روي له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثمانية عشر حديثاً، اتفقا منها على حديث واحد وهو هذا، وانفرد البخاري عنه بحديث آخر أخرجه تعليقاً. قَدِمَ الجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ، وَكَانَ مُقَدَّماً عَلَى رُبُعِ الأَنْصَارِ، وَشَهِدَ أُسَيْدٌ أُحُدًا وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ سَبْعَ جِرَاحَاتٍ. وَثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حين انْكَشَفَ النَّاسُ. وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وكان مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ) . أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ. وروي عَن أنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حِنْدِسٍ فَتَحَدَّثَا عِنْدَهُ حَتَّى إِذَا خَرَجَا أَضَاءَتْ لَهُمَا عَصَا أَحَدِهِمَا فَمَشَيَا فِي ضَوْئِهَا. فَلَمَّا تَفَرَّقَ لَهُمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَصَاهُ فَمَشَى فِي ضَوْئِهَا. وَرُوِيَ أَنَّ أُسَيْداً كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتاً بِالقُرْآنِ. 

فعنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَيْنَمَا أَقْرَأُ اللَّيْلَةَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، إذْ سَمِعْتُ وَجْبَةً مِنْ خَلْفِي فَظَنَنْتُ أَنَّ فَرَسِي انْطَلَقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: اقْرَأْ يَا أَبَا عَتِيك! قَالَ : فَالْتَفَتُّ فَإذَا مِثْلُ المِصْبَاحِ مُدَلّى بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْضِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ نَزَلَتْ لِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَمَا! إنَّكَ لَوْ مَضَيْتَ لَرَأَيْتَ الْعَجَائِبَ»

تُوُفِّيَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ عِشْرِينَ فَحَمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ حَتَّى وَضَعَهُ بِالْبَقِيعِ وَصَلَّى عليه بِالْبَقِيعِ.

الشرح

وَعن أبي يحْيَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رضي اللَّهُ عنهُ (في رواية لهذا الحديث أخرجها الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ إِلَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ بَيْتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَمَرَ لِكُلِّ بَيْتٍ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ وَشَطْرٍ مِنْ شَعِيرٍ فَقَالَ أُسَيْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا فَقَالَ وَأَنْتُمْ فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَإِنَّكُمْ لَأَعِفَّةٌ صُبُرٌ وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فاصْبِرُوا حَتَّى تلقَوْنِي علَى الْحوْضِ) أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ (قال ابن حجر: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَته فَخَلا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الشيخ زكريا: قيل هو أسيدبن حضير الراوي) قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ أَلا (بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض) تَسْتَعْمِلُني (أَيْ تَجْعَلُنِي عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ عَلَى بَلَدٍ) كَمَا اسْتْعْملتَ فُلانًا؟ (قال ابن حجر في شرح هذا الموضع: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ لَكِنْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدَّمَةِ أَنَّ السَّائِلَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَالْمُسْتَعْمَلُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَلَا أَدْرِي الْآنَ مِنْ أَيْنَ نَقَلْتُهُ، وقال ابن علان: هو: عمروبن العاص) فَقَالَ:”إِنَّكُمْ (أي يا معشر الأنصار) سَتَلْقَوْنَ بَعْدي أَثَرَةً (وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ فِي غَيْرِهِمْ فَيَخْتَصُّونَ دُونَهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ فَوَقَعَ كَمَا قَالَ) فاصْبِرُوا (على استئثارهم عليكم بما تستحقونه) حَتَّى تلقَوْنِي علَى الْحوْضِ (أي: إلى الموت الكائن بعد البعث منه لقاؤهم له على الحوض. قال ابن علان: فإن قلت: ما وجه المناسبة بين قوله: «إنكم ستلقون الخ» وما سأله من العمل. قلت: لعله أن من شأن العامل الاستئثار إلا من عصمه الله، فأشفق عليه من أن يقع فيما يقع فيه بعض من يأتي بعده من الملوك فيستأثر على ذوي الحقوق ويمنعهم منه، وهذا من جملة معجزاته فقد وقع كما أخبر وفي الحديث إيماء إلى أن الخلافة بعده لا تكون في الأنصار؛ وقد أوصى عليهم)” 

وفي الحديث إثبات الحوض وأنه يَجِبُ الإيمانُ بحوضِ نبينا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُعْطَاهُ فِي الآخِرَةِ كَمَا يُعْطَى كُلُّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَأَكْبَرُ الأَحْوَاضِ حَوْضُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللهُ فِيْهِ شَرَابًا لأَهْلِ الجَنَّةِ، يَشْرَبُونَ مِنْهُ قَبْلَ دُخُوْلِ الجَنَّةِ وَبَعْدَ مُجَاوَزَةِ الصِّرَاطِ، فَلِنَبِيِّنَا حَوْضٌ تَرِدُهُ أُمَّتُهُ فَقَطْ وَلَا تَرِدُهُ أُمَمُ غَيْرهِ، طُوْلُهُ مَسِيْرَةُ شَهْرٍ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ، ءَانِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَشَرابُه أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ وَأَطْيَبُ مِنْ رِيْحِ الْمِسْكِ.

فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيْحِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا“، فَيَكُوْنُ شَرَابُ الْمُؤْمِنِيْنَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الجَنَّةِ تَلَذُّذًا لَا ظَمَأً. يَتَنَاوَلُ الشَّرَابَ مِنْ ذَلِكَ الحَوْضِ الْمُؤْمِنُوْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ويُمْنَعُ وَيُحْرَمُ مِنَ الشُّرْبِ مِنَ الحَوْضِ الكُفَّارُ الَّذِيْنَ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا كَافِرِيْنَ بِرَبِّهِم، فَهُم فِي الآخِرَةِ مِنَ النَّعِيْمِ مَحْرُوْمُوْنَ، وَعَنْ وُرُوْدِ الحَوْضِ مَمْنُوْعُوْنَ، وَفِي جَهَنَّمَ مُسْتَقِرُّوْنَ، فَلَا رَحْمَةَ لَهُم بَلْ فِي العَذَابِ الشَّدِيْدِ يَتَقَلَّبُوْنَ، وَهُم كَمَا أَخْبَرَ رَبُّهُم: ((تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)).