قصة الأبرص والأقرع والأعمى وشكر النعمة | رياض الصالحين (65)

الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذي العفوِ الواسع والعقاب الشديد، مَن هداه فهو السعيد السديد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، ومن أرشده إلى سبيل النجاة ووفقه فهو الرشيد، يَعلَم ما ظهر وما بطن وما خَفِيَ وما عَلَنَ وهو أقرب إلى كل مُريدٍ من حبل الوريد، فسبحان من قسم عباده قسمين وجعلهم فريقين فمنهم شقي وسعيد، ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد﴾ وأصلي وأسلم على رسول الهدى محمد الداعي إلى التوحيد، الساعي بالنصح للقريب والبعيد، وعلى صاحبه أبي بكر ذي الرأي الرشيد، وعلى عمر الذي جاء وصفه في التوراة قرن حديد أمير شديد، وعلى عثمان ذي النورين البطل الشهيد، وعلى علي صاحب العلم والقول السديد. أما بعد: فإن هذا الحديث الذي وصلنا إليه من هذا الكتاب المبارك يحوي فوائدَ كثيرةً ومنافعَ عديدةً سنذكره كاملا إن شاء الله ثم نشرح منه ما يتيسر لنا في هذه الحلقة ونكمل بإذن الله تعالى الحلقة القادمة وسنذكر العِبَرَ التي تُسْتَخْلَصُ منه لتكون لنا نافعة ومفيدة إن شاء الله رب العالمين. 

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: السَّادِسُ: عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللَّه عنه أَنَّهُ سمِع النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: “إِنَّ ثَلاَثَةً مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ: أَبْرَصَ، وأَقْرَعَ، وأَعْمَى، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَليَهُمْ فَبَعث إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَىْءٍ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حسنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، ويَذْهَبُ عنِّي الَّذي قَدْ قَذِرنِي النَّاسُ، فَمَسَحهُ فذَهَب عنهُ قذرهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسنًا. قَالَ: فَأَيُّ الْمالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبلُ – أَوْ قَالَ الْبَقَرُ- شَكَّ الرَّاوِي -فأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بارَك اللَّهُ لَكَ فِيها. فأَتَى الأَقْرعَ فَقَالَ: أَيُّ شَىْءٍ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حسنٌ، ويَذْهبُ عنِّي هَذَا الَّذي قَذِرَني النَّاسُ، فَمسحهُ فَذَهَبَ عنْهُ. وأُعْطِيَ شَعرًا حَسَنًا. قالَ فَأَيُّ الْمَالِ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقرُ، فأُعِطيَ بَقَرَةً حامِلًا، وقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَىْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَري فَأُبْصِرَ النَّاسَ فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: الْغنمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً والِدًا فَأَنْتجَ هذَانِ وَولَّدَ هَذا، فكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، ولَهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلَهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَم. ثُمَّ إِنَّهُ أتَى الأْبرص في صورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ قدِ انقَطعتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، والْجِلْدَ الْحَسَنَ، والْمَالَ، بَعيِرًا أَتبلَّغُ بِهِ في سفَرِي، فقالَ: الحقُوقُ كَثِيرةٌ. فَقَالَ: كَأَنِّي أَعْرفُكُ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقيرًا، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فقالَ: إِنَّما وَرثْتُ هَذا المالَ كَابرًا عَنْ كابِرٍ، فقالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّركَ اللَّهُ إِلى مَا كُنْتَ. وأَتَى الأَقْرَع في صورتهِ وهيئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لهذَا، وَرَدَّ عَلَيْه مِثْلَ مَاردَّ هَذَّا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلى مَاكُنْتَ. وأَتَى الأَعْمَى في صُورتِهِ وهَيْئَتِهِ، فقالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ وابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِي اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذي رَدَّ عَلَيْكَ بصرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفَرِي؟ فقالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصري، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدعْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشْىْءٍ أَخَذْتَهُ للَّهِ عزَّ وجلَّ. فقالَ: أَمْسِكْ مالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رضيَ اللَّهُ عنك، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ” متفقٌ عَلَيهِ.

الشرح

“وَالنَّاقةُ الْعُشَرَاءُ” بِضم العينِ وبالمدِّ: هِيَ الحامِلُ. قولُهُ: “أَنْتجَ” وفي روايةٍ: “فَنَتَجَ” معْنَاهُ: تَوَلَّى نِتَاجَهَا، والنَّاتجُ للنَّاقةِ كالْقَابِلَةِ لَلْمَرْأَةِ. وقولُهُ: “ولَّدَ هَذا” هُوَ بِتشْدِيدِ اللام: أَيْ: تَولَّى وِلادَتهَا، وهُوَ بمَعْنَى نَتَجَ في النَّاقَةِ. فالمْوَلِّدُ، والناتجُ، والقَابِلَةُ بمَعْنًى، لَكِنْ هَذا للْحَيَوانِ وذاكَ لِغَيْرِهِ. وقولُهُ: “انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبالُ” هُوَ بالحاءِ المهملةِ والباءِ الموحدة: أَي الأَسْبَابُ. وقولُه: “لا أَجْهَدُكَ” معناهُ: لا أَشَقُّ عليْكَ في رَدِّ شَىْءٍ تَأْخُذُهُ أَوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي. وفي رواية البخاري: “لا أَحْمَدُكَ” بالحاءِ المهملة والميمِ، ومعناهُ: لا أَحْمَدُكَ بِتَرْك شَىْءٍ تَحتاجُ إِلَيْهِ، كما قالُوا: لَيْسَ عَلَى طُولِ الحياةِ نَدَمٌ أَيْ عَلَى فَوَاتِ طُولِهَا.

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: السَّادِسُ (أي السادس من باب المراقبة والخامس والستون من كتاب رياض الصالحين): عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي اللَّه عنه أَنَّهُ سمِع النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (أي سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ (وأتي به مضارعاً بعد سمع الماضي، إما حكاية لحال وقت السماع أو لإحضار ذلك في ذهن السامع): “إِنَّ ثَلاَثَةً مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ (أي: أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم، فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، قال تعالى في سورة آل عمران: ((كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)) فإسرائيل هو نبي الله يعقوب عليه السلام أُرْسِلَ كباقي الأنبياء بدين واحد هو دين الإسلام وأوصى أبناءه بالثبات على الإسلام ولكن منهم من كفر بعد ذلك وبدَّل والعياذ بالله تعالى، قال تعالى في سورة البقرة: ((وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))، وأبناء إسرائيل المذكورون في هذا الحديث ليسوا أبناءَه المباشرين وإنما من ذريته عليه السلام): أَبْرَصَ (أي: به وَضَحٌ، وهو بالنصب بدل من ثلاثة وخبر إن محذوف: أي: أقصّ عليكم شأنهم)، وأَقْرَعَ (أي: من ذهب شعر رأسه من آفة)، وأَعْمَى (قيل: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرًا)، أَرَادَ اللَّهُ (أي شاء الله بمشيئته الأزلية، فكل شيء يحصل في هذا العالم من الخير والشر والبلاء والرخاء هو بمشيئة الله عز وجل، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ليس معه مدبر في الخلق ولا شريك في الملك، وليس عليه حق يلزمه ولا شريك يطاوله ولا ند له ولا نظير ولا مانع لنفاذ مشيئته، بل هو الغالب على أمره وليس بمغلوب، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم فما شاء لهم كان وحصل وما لم يشأ لهم لم يكن ولم يوجد) أَنْ يَبْتَليَهُمْ (أي: يعاملهم معاملة المبتلِي المختبر، وإلا فعلمه أزليّ شامل للموجود والمعدوم قبل وجوده، وقد ورد لفظ البلاء في القرآن على ثلاثة أوجه: الأَوّل: بمعنى النعمة: {وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً} أَىْ وليُنْعِم. الثانى: بمعنى الاختبار والامتحان: {هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون}، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} . الثالث: بمعنى المكروه: {وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أَى مِحْنة، وبَلِى الثَّوب بِلاً، وبَلاءً: خَلُق.. وقرئ {هُنَالِكَ تَبْلوا كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ} أَي تعرِف حقيقة ما عملت. وسُمّى الغمّ بلاءً؛ من حيث إِنَّه يُبلىِ الجسم. وسُمّى التكليف بلاءً؛ لأَنَّ التكاليف مَشَاقُّ على الأَبدان، أَوْ لأَنَّها اختبارات. ولهذا قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ}، والمعنى حتى نُعْلِمَكُمْ، وإلا فعلم الله أزلي أبدي، شامل لجميع المعلومات، وقيل: اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسارّ ليشكروا، وتارة بالمضارّ ليصبروا. فصار المِنحة والمحنة جميعاً بلاءً. فالمِحْنة مقتَضِية للصّبر، والمِنحة مقتضية للشكر، والقيامُ بحقوق الصّبر أَيسر من القيام بحقوق الشكر. فصارت المِنْحة أَعظم البلاءَين. وقال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً} . وقوله: {بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} راجع إِلى المحنة التى فى قوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ}، وإِلى المنحة الَّتى أَنجاهم.) فَبَعث (أي أرسلَ) إِلَيْهِمْ (أي لهؤلاء الثلاثة المذكورين أي الأبرص والأقرع والأعمى) مَلَكًا (والملائكة كما نعلم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ليسوا ذكورا وليسوا إناثا وإنما يتشكلون على صورة الذكور دون آلة الذكورية وفتحة الدبر، لهم وظائف عديدة، منهم من هو موكل بالرياح ومنهم موكل بالمطر ومنهم موكل بقبض الأرواح ومنهم موكَّل بكتابة أعمال العباد، ومنهم موكل بأن يوصل الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم عندما تصلي وتسلم عليه ولو كنت في مشرق الأرض أو مغربها، ومنهم من جعله الله عند رأس كل واحد منا فإذا دعوت لأخيك المسلم في ظهر الغيب يقول هذا الملك: ولك بالمثل، ومنهم الحَفَظَةُ الذين جعلهم الله تعالى ليحفظونا من أذى الجن ولولاهم لتلاعبت بنا الجن تلاعبا، وهذا من فضل الله علينا فهو خير الحافظين)، فأَتَى (الْمَلَكُ) الأَبْرَصَ (أي أتى إليه، وبدأ به ثم بالأقرع اهتماماً بالتسجيل عليهما وتعجيلاً للانتقام، وقدم الأبرص لأن داءه أقبح وأشنع ولونه أعظم) فَقَالَ (أي قال الملكُ للأبرص): أَيُّ شَىْءٍ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ (أي أيُّ شيء من هذه الدنيا تتمناه وأنت في حالتك تلك، وهذا السؤال يشير لنا إلى أمور منها: فيه إشارة إلى نعمة الله على أي واحد فينا، فكثير من النِّعم لا يُحِسُّ الناس بها، كنعمة النَّفَسِ مثلا، لا يشعر بها كثير من الناس أي لا يشعرون بأنها نعمة مهمة لنا، فلا يستحضرون أهميتها، ونعمة السلامة من كثير من الأمراض، أنظر إلى لون جلدك، كثير من الناس ذهب لون جلدهم كهذا الأبرص، بعضهم انسلخ جلده بسبب مرض أو حرق أو غيره، ويشير لنا هذا السؤال أن المبتلى أول ما تسأله ماذا تتمنى يقول لك: أتمنى زوال البلاء الذي أصابني) قَالَ (أي هذا الأبرص): لَوْنٌ حسنٌ (أي أن يصير لون جلدي حسنا حتى لا ينفِر الناس مني)، وَجِلْدٌ حَسَنٌ (أي أن يصير جلدي حنَ المنظر فلا ينفِر الناس مني لهذا الداء الذي أصاب جلدي، ولم يقتصر على طلب اللون الحسن، لأن جلد البرص يحصل له من التقلص والتشنج والخشونة ما يزيد به قبح صاحبه وعاره، فلم يكف طلب حسن اللون عن طلب حسن الجلد)، ويَذْهَبُ عنِّي (أي أن يذهب عني هذا البلاء الذي أنا فيه) الَّذي قَدْ قَذِرنِي (أي تباعد عني وكرهني، قال ابن حجر: أَيِ اشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ قَذِرُونِي النَّاسُ وَهِيَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ .اهـ) النَّاسُ (أي قذرني الناس بسببه، فالعائد محذوف ويقدَّر تقديرا لوضوحه)، فَمَسَحهُ (الملك أي أمرّ يده عليه) فذَهَب عنهُ قذرهُ (أي: سبب قذره وهو البرص الذي كان به) وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسنًا وَجِلْدًا حَسَنًا (أي أُعطي الذي كان يتمنى). قَالَ (أي الملك): فَأَيُّ الْمالِ (قال ابن الأثير: الْمَالُ فِي الْأَصْلِ: مَا يُمْلَكُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَا يُقْتَنَى وَيُمْلَكُ مِنَ الْأَعْيَانِ. وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ المَالُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى الْإِبِلِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِمْ. ومَالَ الرّجلُ وتَمَوَّلَ، إِذَا صَارَ ذَا مَالٍ. وَقَدْ مَوَّلَهُ غَيْرُهُ. وَيُقَالُ: رَجُلُ مَالٌ: أَيْ كَثِيرُ الْمَالِ، كَأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَالًا، وَحَقِيقَتُهُ: ذُو مَالٍ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «مَا جَاءَكَ مِنْهُ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ عَلَيْهِ فَخُذْهُ وتَمَوَّلْهُ» أَيِ اجْعَلْهُ لَكَ مَالًا. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «المَالِ» عَلَى اخْتِلَافِ مُسَمَّيَاتِهِ فِي الْحَدِيثِ. وَيُفْرَقُ فِيهَا بِالْقَرَائِنِ. وجاء في الحديث: «نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ» قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْحَيَوَانَ: أَيْ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَلَا يُهْمَلُ. وَقِيلَ: إِضَاعَتُهُ: إِنْفَاقُهُ فِي الْحَرَامِ، وَالْمَعَاصِي وَمَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ التَّبْذِيرَ وَالْإِسْرَافَ، وَإِنْ كَانَ فِي حلالٍ مُبَاحٍ) أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ (أي ما تميل نفسك إليه أكثر) قَالَ: الإِبلُ (قال ابن علان: الإبل: أي الجمال: اسم يقع على الواحد والجمع وليس بجمع ولا اسم جمع، كذا قال ابن سيده. وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها أدخلتها التاء فقلت أبيلة وغنيمة ونحو ذلك) – أَوْ قَالَ الْبَقَرُ (ورد في الحديث: «نَهى عَنِ التَّبَقُّر فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» هُوَ الكَثْرة والسّعَة. والبَقْر: الشَّق والتَّوسعة. وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ فِتْنَة بَاقِرَة تَدَع الْحَلِيمَ حَيْران» أَيْ وَاسِعَةٌ عَظِيمَةٌ. وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ حِينَ أقْبَلَت الفِتنةُ بَعْدَ مَقْتل عُثْمَانَ «إِنَّ هَذِهِ لفِتنةٌ بَاقِرَة كَدَاءِ البَطْن لَا يُدْرَى أنَّى يُؤْتَى لَهُ» أَيْ أَنَّهَا مُفْسِدة للدِّين مُفَرّقة لِلنَّاسِ. وشبَّهها بِدَاء البَطْن لِأَنَّهُ لَا يُدرَى مَا هاجَه وَكَيْفَ يُداوَى ويُتَأنَّى لَهُ. وَفِي حَدِيثِ حُذَيفة «فَمَا بالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُون بُيوتنا» أَيْ يَفْتَحونها ويُوَسِّعونها. وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِفْكِ «فَبَقَرَتْ لَهَا الْحَدِيثَ» أَيْ فتَحَتْه وكَشَفَتْه. وَحَدِيثُ أُمِّ سُليم «إِنْ دَنَا مِنِّي أحدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بطنَه» . وَفِي حَدِيثِ هُدْهُد سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «فَبَقَرَ الأرضَ» أَيْ نَظرَ مَوْضِعَ الْمَاءِ فَرَآهُ تَحْتَ الْأَرْضِ.) – شَكَّ الرَّاوِي – (وهذا يدل على أمانة الرواة رحمهم الله تعالى، فإن الراوي إذا شك في لفظ نقل الاثنين مع بيان أنه شك، حتى لا يضيع شيئا من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على أمانة الناقل، واسم الراوي إسحاق بن عبد الله، أي شك هل سمع الإبل أو البقر، والمرجح الإبل لكونه اقتصر عليها في قوله: «فأعطي ناقة عشراء» ويؤيده الاقتصار في الأقرع على البقر لا غير فتعين الإبل للأبرص.) فأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ (العُشَرَاء بِالضَّمِّ وَفَتْحِ الشِّينِ وَالْمَدِّ: الَّتِي أتَى عَلَى حَمْلها عَشْرَة أشُهُر، ثُمَّ اتُّسع فِيهِ فَقِيل لكلِّ حامِل: عُشَرَاء. وأكثرُ مَا يُطْلَق عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.)، فَقَالَ: بارَك اللَّهُ لَكَ فِيها (أي أوقع لك فيها البركة، وهو يحتمل أن يكون دعاء منه له بذلك، وأن يكون إخباراً به، وهنا نذكر فائدة مهمة في معنى البركة: فمعنى البركة من حيث اللغة والشرع: قال ابن منظور: البَرَكَةُ: النَّماء والزيادة. وقال الفراء في قوله تعالى: ((رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ))، قال: البركات السعادة. لأن من أسعده الله بما أسعد به النبي ﷺ فقد نال السعادة المباركة الدائمة، قال الأزهري: وكذلك الذي في التشهد. والتبريك: الدعاء بها نقله الجوهري للإنسان وغيره يقال برَّكت عليه تبريكا: أي قلت له: بارك الله عليك. ونقول تبارك الله: أي تقدس وتنزه وتعالى وتعاظم، صفة خاصة بالله تعالى لا تكون لغيره. والتبرك هو طلب البركة أي الخير، وأما اصطلاحا فهو: طلب الحصول على الخير على وجه السبب، فإذا أراد مسلم أن يتبرك بآثار الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين كما هو ثابت في الكتاب والسنة، فإن معناه أنا أريد من الله أن يجعل لي البركة من أجل الرسول أو الولي، وليس المراد أن يخلق الرسول أو الولي البركة، لأن عقيدة المسلمين أن الأنبياء والأولياء لا يخلقون شيئا بل هم أسباب والله يخلق البركة، والله تعالى هو خالق كل شيء وهو خالق الأسباب والمسببات، ولا يخلق أحد غير الله شيئا من هذا العالم.اهـ وقد ثبت في كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه شواهد على البركة والتبرك، فقد قال عز وجل عن الكعبة المشرفة: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)) فهذا بناء من حجارة قال عنه ربنا عز وجل (مُبَارَكًا) أي أنه خصه ببركة عظيمة، وقد قال الزركشي في إعلام الساجد بأحكام المساجد: فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه قاله النووي في الروضة من زوائده. ورأيته منقولا عن النبي ﷺ قال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر.اهـ  والحجر الأسود أصله من الجنة وأُهبِطَ مع آدم من الجنة وقال السيوطي في الدر المنثور: وَأخرج الْأَزْرَقِيّ والجندي عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لَوْلَا مَا طبع من الرُّكْن من أنجاس الْجَاهِلِيَّة وأرجاسها وأيدي الظلمَة لاستُشفي بِهِ من كل عاهة.اهـ  وأخرج الحاكم وابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي. فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ هـاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ)). وفي البخاري أيضا عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنه عنِ النبيِّ ﷺ قال: «اللهم اجْعَلْ بالمدينةِ ضِعْفَيْ ما جعَلْتَ بمكةَ منَ البرَكة». وقال ابن حجر في الفتح: (وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ سَائِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمَحَبَّتِهِ فِي النَّبِيِّ ﷺ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيع الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ وَفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعيِهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجده وَالتَّبَرُّكُ بِمُشَاهَدَةِ آثَارِهِ وَآثَارِ أَصْحَابِهِ).اهـ وقد جرت عادة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم من سلف هذه الأمة وخلفها على التبرك بآثار النبي ﷺ حيا كان أو ميتا أمامه وعلى مشاهدة منه وفي غيابه وكان لا ينكر ذلك ﷺ، فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم عن بعض الأحاديث التي فيها أن الصحابة كانوا يتبركون بما لامسه النبي ﷺ بعد موته ما نصه: (هَذَا فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وما مسه أو لبسه أو كان مِنْهُ فِيهِ سَبَبٌ وَهَذَا نَحْوُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَأَطْبَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ وَدُخُولِ الْغَارِ الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ لِيَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعْطَاؤُهُ ﷺ حِقْوَةً لِتُكَفَّنَ فِيهِ بِنْتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَجَعْلَهُ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ وَجَمَعَتْ بِنْتُ مِلْحَانِ عَرَقَهُ ﷺ وَتَمَسَّحُوا بِوُضُوئِهِ ﷺ وَدَلَّكُوا وُجُوهَهُمْ بِنُخَامَتِهِ ﷺ وَأَشْبَاهُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فى الصحيح وكل ذلك واضح لا شك فِيهِ.اهـ  وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ أَتَى مِنًى. فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا. ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ. ثُمَّ قَالَ لِلْحَلاَّقِ: «خُذْ » وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. يقول النووي في ذكر الفوائد التي في هذا الحديث: فيه التبرك بشعره ﷺ وجواز اقتنائه للتبرك. قال العيني في شرح البخاري: النوع الخامس: فيه التبرك بشعره ﷺ، وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو، وقد روى أحمد في مسنده بسنده إلى ابن سيرين أنه قال: فحدثنيه عَبيدةُ السَلْمَانِيُ ـ يريد: هذا الحديث الذي فيه تقسيم الشعر ـ فقال: لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض. وفي بطنها، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، كان في قلنسوته شعرات من شعره ﷺ، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلاَّ فتح له، ويؤيد ذلك ما ذكره الملا في (السيرة): أن خالدا سأل أبا طلحة حين فرق شعره ﷺ بين الناس أن يعطيه شعر ناصيته، فأعطاه إياه، فكان مقدم ناصيته مناسبا لفتح كل ما أقدم عليه. وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ علَى فِرَاشِهَا. فَأُتِيتْ فَقِيلَ لَهَا: هذَا النَّبِيُّ نَامَ فِي بَيْتِكِ، عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ، وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ علَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ، عَلَى الْفِرَاشِ. فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ (أي استيقظ) فَقَالَ: «مَا تصْنَعِينَ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: «أَصَبْتِ». ولم يقل النبي ﷺ لها أشركت فلو كان شركا لنهاها عنه. وأورد ابن حجر في المطالب العالية بابًا سماه بابَ التبرك بآثار الصالحين: وروى فيه عن ابْنِ سِيرين قال: “استَوْهَبْتُ من أم سُليم رضي الله عنها من المسك التي كَانَتْ تَعْجِنُهُ بِعَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَهَبَتْ لِي مِنْهُ”. فَلَمَّا مَاتَ محمَّد بن سيرين، حنط بذلك المسك.اهـ وقد جاء في البخاري أن الصحابة كانوا يقتتلون على وَضوء النبي ﷺ والذي يدرك شيئا من الماء يتمسح به ومن لا يدرك يمسح يد صاحبه ممن تبرك بماء وضوء النبي ﷺ وإذا كانوا بعيدي الموطن عن النبي ﷺ يأخذون من ماء وضوئه معهم إلى ديارهم. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها.اهـ قال النووي في شرحه لمسلم: وفيها صبره ﷺ على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين وإجابته من سأله حاجة أو تبريكًا بمس يده وإدخالها في الماء كما ذكروا، وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره ﷺ وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية وتبركهم بشعره الكريم وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل سبق إليه.اهـ وروى البخاري عن عيسى بن طهمانَ قال: «أخرج إلينا أنسٌ نَعلين جَرْداوَينِ لهما قِبالانِ، [ والقبالان هما الزمام الذي يكون بين الإصبع الوسطى والتي تليها] فحدَّثني ثابتٌ البُنانيّ بعدُ عن أنسٍ أنَّهما نَعلا النبيِّ ﷺ»، 

نسأل الله العظيم أن ينفعنا ببركة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، ونكمل الكلام فيما جرى في هذا الحديث الشريف مع هؤلاء الثلاثة الحلقة القادمة بإذن الله تعالى، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله الذي أعزَّنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيِّه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل السعادة في خشيته وتقواه، وجعل العزة والكرامة لمن خافه واتَّقاه، وأشهد أن سيدنا وحبيب قلوبنا محمدًا رسولُ الله، وحبيبه من خلقه ورضيُّه ومصطفاه، فاز وربح من اتبع سنتَه وهُداه، وخاب وخسر من خالف منهجه وعَصاه. اللهم صلِّ عليه وعلى ءاله وصحابته، صلاة تَزيد في رفعته، وتظلنا تحت لوائه في أعز زمرته، وتجعلنا من رُوَّاد حوضه وأهل شفاعته. أما بعد: فقد وصلنا إلى الحديث الخامس والستين والذي يتكلم عن قصة الأبرص والأقرع والأعمى وشرحنا جزء منه الدرس الماضي ونكمل فيه بإذن الله تعالى:

وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: فأَتَى الأَقْرعَ (أي: عقب تمام ما يتعلق بالأبرص) فَقَالَ: أَيُّ شَىْءٍ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حسنٌ، ويَذْهبُ عنِّي هَذَا (الداء أي القرع) الَّذي قَذِرَني النَّاسُ (أي بسببه)، فَمسحهُ (الملك، يحتمل أن يكون مسح محل الداء فقط وهو الأقرب، وأن يكون مسح جميع بدنه لتعمه بركته) فَذَهَبَ عنْهُ (أي القرع). وأُعْطِيَ شَعرًا حَسَنًا. قالَ (أي الملك) فَأَيُّ الْمَالِ أَحبُّ إِلَيْكَ؟ (أي: من جميع الأموال، أي: أيها تحب أن يكون لك منها؟) قَالَ: الْبَقرُ (اسم جنس يقع على الذكر والأنثى وإنما دخلته الهاء للوحدة والجمع بقرات. قال الله تعالى: سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ*، قال المبرد في الكامل: إذا أردت التمييز قلت: هذا بقرة للذكر وهذه بقرة للأنثى كما تقول: هذا بطة للذكر وهذه بطة للأنثى. والبقير والبقران والباقر جماعة البقر. مع رعاتها. والبيقور الجماعة. وأهل اليمن يسمون البقرة باقورة. كتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كتاب الصدقة: «في كل ثلاثين باقورة بقرة» واشتق هذا الاسم من بقر إذا شق لأنها تشق الأرض بالحراثة ومنه قيل لمحمد بن علي زين العابدين بن الحسين الباقر، لأنه بقر العلم أي شقه ودخل فيه مدخلا بليغا. وفي الحديث «أنه عليه الصلاة والسلام ذكر فتنة كوجوه البقر». أي يشبه بعضها بعضا ذهبوا إلى قوله تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا، والبقر حيوان شديد القوة كثير المنفعة، خلقه الله ذلولا ولم يخلق له سلاحا شديدا كما للسباع، لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه ضرر عدوه فلو كان له سلاح لصعب على الإنسان ضبطه. والبقر الأجم يعلم أن سلاحه في رأسه فيستعمله في محل القرن كما يرى في العجاجيل قبل نبات قرونها، تنطح برؤوسها تفعل ذلك طبعا وهي أجناس: فمنها الجواميس وهي أكثرها ألبانا وأعظمها أجساما، قال الجاحظ: الجواميس ضأن البقر وهذا يقتضي أنها أطيب وأفضل من العراب، حتى إنها تكون مقدمة عليها في الأضحية، كما يقدم الضأن فيها على المعز)، فأُعِطيَ بَقَرَةً حامِلًا (لم يقل حاملة لاختصاص هذا الوصف بالمؤنث كحائض وطالق وإنما يحتاج إليها للفرق في نحو قائم وقائمة)، وقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا (أي: في هذه البقرة). فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَىْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَري (أي: القوّة المودعة في العينين التي بها تدرك المبصرات) فَأُبْصِرَ النَّاسَ (أي: القوّة المودعة في العينين التي بها تدرك المبصرات) فَمَسَحَهُ (أي: أمرّ يده على عينيه، ويحتمل على جميع بدنه) فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بصَرَهُ (أي: القوّة المدركة المذكورة). قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: الْغنمُ (قال الدميري في حياة الحيوان: الغنم: الشاء لا واحد له من لفظه، والجمع أغنام وغنوم وأغانم وغنم مغنمة أي كثيرة، هذه عبارة المحكم. وقال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا، وإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، يقال: له خمس من الغنم ذكور فتؤنث العدد، وإن عنيت الكباش إذا كان يليه من الغنم ذكور لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ، لا على المعنى، وقد أجاد الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث يقول: 

سَأَكْتُم عِلْمِي عَنْ ذَوِي الجَهْلِ طَاقَتِي
وَلاَ أَنْثُرُ الدُّرَ النَّفِيْسَ عَلَى الْغَنَمْ

فإنْ يَسَّرَ اللَّهُ الكريمُ بلُطْفِهِ
وَصَادَفْتُ أَهْلًا لِلْعُلُوْمِ وَلِلْحِكَمْ

بَثَثْتُ عُلُومِي واسْتَنَفَدْتُ عُلُومَهُم
وإِلَّا فَمَخْزُوْنٌ لَدَيَّ وَمُكْتَتَمْ

وفي البخاري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «الفَخْرُ، وَالخُيَلاَءُ فِي الفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»، وهذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل وأغلبه)، فَأُعْطِيَ شَاةً والِدًا (أي: ذات ولد، وقيل حاملاً. وفي «جامع الأصول»: هي التي قد عرف منها كثرة الولد والنتاج) فَأَنْتجَ (جاء هذا الفعل بالبناء للفاعل لكن في «الصحاح»: للعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول وإن كان بمعنى الفاعل مثل قولهم: زهى الرجل وعنى بالأمر ونتجت الناقة والشاة وأشباهها اهـ والمشار إليهما صاحبا الإبل والبقر) هذَانِ (أي صاحب الإبل والبقر) وَولَّدَ هَذا (أي صاحب الغنم)، فكَانَ لِهَذَا وَادٍ (أي ملْءُ وادٍ) مِنَ الإِبِلِ، ولَهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلَهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَم. ثُمَّ إِنَّهُ (أي الملك) أتَى الأْبرصَ (أي أتاه متصورا) في صورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ (أَيْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَصُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ)، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ (من المسكنة: الحاجة أي أنا رجل محتاج) قدِ انقَطعتْ بِيَ الْحِبَالُ (وَالْحِبَالُ جَمْعُ حَبْلٍ أَيِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَقِيلَ الْعَقَبَاتُ وَقِيلَ الْحَبْلُ هُوَ الْمُسْتَطِيلُ مِنَ الرَّمْلِ وَلِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ الْحِيَالُ جَمْعُ حِيلَةٍ أَيْ لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ) في سَفَرِي (قال ابن حجر: قَالَ ابن التِّينِ قَوْلُ الْمَلَكِ لَهُ رَجُلٌ مِسْكِينٌ إِلَخْ أَرَادَ أَنَّكَ كُنْتَ هَكَذَا وَهُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ وَالْمُرَادُ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَتَيَقَّظَ الْمُخَاطَبُ، وقال ابن علان: وهذا من الملك من المعاريض التي يقصد بها التوصل إلى إفهام المقصود من غير أن يراد حقيقتها كما في قول إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم: هذا ربي، وهذه أختي) (هذا فيه مجاز وهو من باب التمثيل)، فَلا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ (البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب: أي لا وصول لي لما أريده) إِلَّا باللَّهِ (أي بإيجاده تعالى وتيسيره) ثُمَّ بِكَ (لكونك مظهراً للخير يجري على يديك، وثم هي هنا للترتيب في التنزل، ولم يقل وبك دفعاً لإيهام التشريك، ولذا كان الإتيان بثم هو الأدب المتأكد)، أَسْأَلُكَ (أي أقسم عليك مستعطفا) بِالَّذي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، والْجِلْدَ الْحَسَنَ (أي بعد الابتلاء في اللون والجلد)، والْمَالَ (أي: بعد الابتلاء بالفقر)، بَعيِرًا (سمي بعيرا لأنه يبعر، يقال: بعر البعير بفتح العين فيهما بعرا بإسكان العين كذبح يذبح ذبحا، قاله ابن السكيت وهو اسم على الذكر والأنثى وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، فالجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والقعود بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، وحكي عن بعض العرب: صرعتني بعيري، أي ناقتي، وشربت من لبن بعيري. وإنما يقال له بعيرا إذا أجذع، والجمع أبعرة وأباعر وبعران. قال مجاهد في قوله تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ، أراد بالبعير الحمار، لأن بعض العرب يقول للحمار بعير، وهذا شاذ) أَتبلَّغُ (أي من البلغة: وهي الكفاية، وَالْمَعْنَى أَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِي) بِهِ (هذه الرواية في البخاري وعند غيره في «عليه» أي بعيراً أكتفى به أو حال كوني عليه) في سفَرِي، فقالَ (أي الذي كان أبرص وشفي): الحقُوقُ كَثِيرةٌ (أي: علىّ فلا فاضل عن الحاجة لأعطيك إياه فانظر غيري). فَقَالَ (الملك): كَأَنِّي أَعْرفُكُ (قال ابن علان: الظاهر أن كأنّ فيه للتحقيق وهو معنى أثبته الكوفيون وذكره ابن هشام في «المغني»، قال العلوي: وهو التحقيق، وأنشدوا عليه:

وأصبح بطن مكة مقشعراً
كأن الأرض ليس بها هشام

أي: لأن الأرض؛ وقال ابن السيد في «شر شواهد الجمل»: جرت عادة النحويين أن يجعلوا كأن للتشبيه حيث وقعت، وليس ذلك بصحيح إنما تكون تشبيهاً محضاً إذا وقع في الخبر اسم ممثل به اسمها ويكون الخبر أرفع من الاسم أو أحط منه نحو: كأن زيداً ملك، أو كأن عمراً حمار. أما إذا كان خبرها فعلاً أو ظرفاً أو مجروراً أو صفة من صفات اسمها فإنها يدخلها حينئذٍ معنى الظن والحسبان نحو: كأن زيداً قائم أو في الدار، فلست تشبه زيداً بشيء هاهنا، وإنما تظن أنه قائم أو في الدار انتهى بلفظه. لكن الذي صححه ابن مالك وأبو حيان والرضي وغيرهم ما ذهب إليه الجمهور من أن التشبيه لا يفارقها، وأن ما أوهم خلافه مؤول) أَلَمْ (استفهام تقريري) تَكُنْ أَبْرصَ يَقْذَرُكَ (أي: يكرهك) النَّاسُ (أي: فعافاك الله)، فَقيرًا (أي: محتاجاً)، فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فقالَ: إِنَّما وَرِثْتُ هَذا المالَ كَابرًا عَنْ كابِرٍ (أي: كبيراً عن كبير في العزّ والشرف: أي: ورثته عن أبي وجدي، وحاصله إنكار تلك الحال ودعوى أنه نشأ في تلك الأحوال فهي غير متجددة عليه، وهذا من إنكار النعم وكفر المنعم، حمله عليه البخل، وحق العبد ألا يزال لنعم مولاه شاكراً ولأحواله التي كان عليها وآل إليها ذاكراً. وفي الحوض المورود للشيخ عبد الوهاب الشعراني: أخذ علينا العهود إذا حصل لنا ضخامة وقيام ناموس بين الناس ألا ننسى صفتنا التي كنا عليها قبل من الثياب الخلقة وخدمة الناس وضيق المعيشة ونحو ذلك، وذلك لنعرف الله بالنعم، فإن من نسي حاله أيام صغره قلّ شكره، وربما قال: نحن بحمد الله نشأنا في الضخامة أباً عن جدّ ليوهم من لم يعرفه أن حاله لم يزل كذلك. وقد دخل شخص على معن بن زائدة فقال له: 

أتذكر إذ قميصك جلد شاة
وإذ نعلاك من جلد البعير 

فقال معن: أذكر والحمد رب العالمين. فقال: 

فقد جلّ الذي أعطاك ملكاً
وعلمك الجلوس على السرير

فقال: جل ربي وعز. فقال: 

فجد لي يا ابن ناقصة بمال
فإني قد عزمت على المسير

فأمر له بمال جزيل وشكر له تذكيره الحالة التي لعله نسيها اهـ. وقال القرطبي: حمل هذا القائل بخله على نسيان منة الله تعالى وجحد نعمه وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخطه الدائم وذلك بشؤم البخل، واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بشكر النعم، وسخت نفسه بما ثبتها الله عليه وشكر فعله رضي الله عنه كما يأتي)، فقالَ (أي الملك): إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا (وأتى بأن الموضوعة للشك في الشرط مع أنه جازم به مماشاة ومساجلة، أو أنّ «إن» فيه بمعنى إذ) فَصَيَّركَ اللَّهُ إِلى مَا كُنْتَ (أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ). وأَتَى الأَقْرَع في صورتهِ (التي يقذرها الناس) وهيئَتِهِ (التي يحقرونها لرثاثتها، قال ابن علان: قال ابن حجر: لم يقل عند ذكر الأبرص “وهيئته” اختصاراً أو إشارة إلى شدة لؤم الأبرص وغباوته، فإنه مع كونه أتى له في صورته وهيئته التي أتاه عليها أولاً وحصل له منه ما حصل من الشفاء والغنى أنكر معرفته وتجاهل به وتفاخر عليه بأنه إنما جاءه المال من أبيه، فضم إلى كذبه قبائح تنبئ عن أنه انتهى في اللؤم والحمق إلى غاية لم يصلها غيره)، فَقَالَ لَهُ (الملك) مِثْلَ مَا قَالَ لهذَا (أي الأبرص)، وَرَدَّ (الأقرع) عَلَيْه مِثْلَ مَاردَّ هَذَّا (الأبرص)، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِليَ مَاكُنْتَ (عليه من القرع والفقر: قال). وأَتَى الأَعْمَى (متشكلا) في صُورتِهِ (أي: في صورة آدمي أعمى) وهَيْئَتِهِ، فقالَ (الملك): رَجُلٌ (أي: صورة، إذ الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة) مِسْكينٌ وابْنُ سَبِيلٍ (أي: مسافر سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريق، ويحتمل أنه أراد أنه ضيف وسمي به لأن السبيل تظهر به) انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فَلا بَلاغَ لِي اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذي رَدَّ عَلَيْكَ بصرَكَ (أي: القوة الباصرة المدرك بها المبصرات) شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفَرِي؟ فقالَ (ذلك الرجل متذكراً نعم الله تعالى عليه وحسن حاله بعد بؤسه): قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصري، فَخُذْ مَا شِئْتَ (أي: من المال) وَدعْ مَا شِئْتَ (منه) فَوَاللَّهِ لا أَجْهَدُكَ (بفتح الهاء وهذه رواية مسلم) الْيَوْمَ بِشْىْءٍ (أي: في ردّ شيء) أَخَذْتَهُ (علة لعدم الإجهاد: أي: لا أشق عليك الله أو للأخذ، وشتان ما بين هذا وقول ذينك «الحقوق أي الموانع من الإعطاء كثيرة» فلا يمكن أن أعطيك شيئاً وإن قل) للَّهِ عزَّ وجلَّ. فقالَ (الملك): أَمْسِكْ مالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ (أي: امتحنتم: أي: عاملكم الله العالم بجميع الأمور معاملة المبتلى المختبر ليترتب على عملكم أثره إذ الجزاء إنما جعله الله مرتباً على ما يبدو في عالم الشهادة لا على ما سبق في علمه) فَقَدْ رضيَ اللَّهُ عنك، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ (قال ابن علان: والرضا والسخط المراد بهما في حقه تعالى لازمهما مجازاً مرسلاً إما عن إرادة الإثابة والتعذيب فيكونان صفتي ذات، أو التعذيب والإثابة نفسهما فيكونان صفتي فعل) (قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ كَانَ مِزَاجُ الْأَعْمَى أَصَحُّ مِنْ مِزَاجِ رَفِيقَيْهِ لِأَنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ فَسَادِ الْمِزَاجِ وَخَلَلِ الطَّبِيعَةِ وَكَذَلِكَ الْقَرَعُ بِخِلَافِ الْعَمَى فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ فَلِهَذَا حَسُنَتْ طِبَاعُ الْأَعْمَى وَسَاءَتْ طِبَاعُ الْآخَرَيْنِ)” متفقٌ عَلَيهِ (وانفرد به الشيخان عن باقي أصحاب الكتب الستة). 

“وَالنَّاقةُ الْعُشَرَاءُ” بِضم العينِ وبالمدِّ: هِيَ الحامِلُ (كذا أطلقه النووي وهو قول، وقيل: الحامل التي أتي عليها من حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل وهي من أنفس الإبل. وفي «مختصر القاموس»: والعشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، وهي كالنفساء من النساء جمعه عشروات وعشار اهـ ). قولُهُ: “أَنْتجَ” (بالبناء للفاعل، هو شاذ قليل لأنه لم يسمع من هذه المادة إلا نتج مبني للمفعول، والنتاج: الأولاد، والنتج والإنتاج: تولى الولادة) وفي روايةٍ: “فَنَتَجَ” معْنَاهُ: تَوَلَّى نِتَاجَهَا (الأقرب أن معناه ولد الإبل والبقر، ومعنى ولد الغنم: أي: صيرها والدة أي منسوبة للولادة نحو فسقت الرجل نسبته للفسق)، والنَّاتجُ للنَّاقةِ كالْقَابِلَةِ لَلْمَرْأَةِ. وقولُهُ: “ولَّدَ هَذا” هُوَ بِتشْدِيدِ اللام: أَيْ: تَولَّى وِلادَتهَا، وهُوَ بمَعْنَى نَتَجَ في النَّاقَةِ. فالمْوَلِّدُ، والناتجُ، والقَابِلَةُ بمَعْنًى (وهي المتولية للولادة)، لَكِنْ هَذا للْحَيَوانِ (أي خص هذا للحيوان أي للإبل والبقر) وذاكَ (أي المولد) لِغَيْرِهِ (أي: الغنم والقابلة لبني آدم). وقولُهُ: “انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبالُ” هُوَ بالحاءِ المهملةِ والباءِ الموحدة: أَي الأَسْبَابُ. وقولُه: “لا أَجْهَدُكَ” معناهُ: لا أَشَقُّ عليْكَ في رَدِّ شَىْءٍ تَأْخُذُهُ أَوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي (قال الفيروزأبادي: الجهد بالفتح والضم: وهو الطَّاقة والمَشَقَّة. ‌وقيل ‌بالفتح: ‌المشقَّة، ‌وبالضمّ ‌الْوُسْع. وقيل: الجهد: ما يَجْهَد الإِنسان. قوله تعالى {لَا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ} {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَى حَلفوا واجتهدوا فى الحلفِ أَن يأْتوا به على أَبلغ ما فى وُسْعهم. والاجتهاد: أَخْذ النَّفس ببذل الطَّاقة، وتحمّل المشقَّة فى العبادة. يقال جَهَدت رأْيى واجتهدت: أَتعبته بالفكر. والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوُسْع فى مدافعة العدُوِّ. قال صلَّى الله عليه وسلَّم “المجاهِد مَن جاهد نفسه فى طاعة الله” وكان إِذا رجع من الغَزْو يقول: “رجعنا من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر” وقال “أَفضل الجهادِ مجاهدة النَّفس” وقال للنِّساءِ “لكنَّ أَفضل الجهاد: حجّ مبرور” وسأَله رجل عن الخروج إِلى الغَزْو فقال “أَوالدَِاك فى الأَحياءِ؟ قال: بلى. قال: ففيهما فجاهِدْ”. قال الشاعر:

يا من يجاهد غازيا أَعداءَ دين الله
يرجو أَن يعان ويُنْصرا

هلَاّ غشِيت النفس غزواً إِنها
أَعدى عدوّك كى تفوز وتظفرا

مهما عنَيت جهادها وعنادها
فلقد تعاطيت الجهاد الأَكبرا 

وقال آخر فى الجهد ومعنييه:

تعاليت عن قدر المدائح صاعداً
فسيّان عفو القول عندك والجَهْد

وإِنى لأَدرى أَنَّ وصفك زائد
على منطقى لكن على الواصف الجُهْد

وإِنّ قليل القول يكثر وَقْعُه
إِذا عُرِفت فيه الموالاة والودّ

وورد فى القرآن على معان: الأَول: مجاهدة الكفَّار والمنافقين بالبرهان والحجّة {جَاهِدِ الكفار والمنافقين} {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً} الثانى: جهاد أَهل الضَّلالة بالسّيف والقتال {وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين} {هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله} . الثالث: مجاهدة مع النفس {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} . الرابع: مجاهدة مع الشيطان بالمخالفة طمعاً فى الهداية {والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} . الخامس: جهاد مع القلب لنيل الوصْل والقُرب {وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجتباكم} . والحقّ أَن يقال: المجاهدة ثلاثة أَضرب: مجاهدة العدوّ الظَّاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النَّفْس. ويدخل الأَضرب الثلاثة فى {وَجَاهِدُوا فى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} وفى الحديث: “جاهدوا أَهواءَكم كما تجاهدون أَعداءَكم” والمجاهدة تكون باليد واللِّسان. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: “جاهدوا الكفَّار بأَيديكم وأَلسنتكم” ). وفي رواية البخاري: “لا أَحْمَدُكَ” بالحاءِ المهملة والميمِ، ومعناهُ: لا أَحْمَدُكَ بِتَرْك شَىْءٍ تَحتاجُ إِلَيْهِ، كما قالُوا: لَيْسَ عَلَى طُولِ الحياةِ نَدَمٌ أَيْ عَلَى فَوَاتِ طُولِهَا. 

(قال ابن علان: قال الشاعر:

أتوب إليك يا مولاي مما
عليّ به تواترت الذنوب

وأما عن هوى ليلى وتركي
زيادتها فإني لا أتوب

أي: وعدم تركي زيارتها. قال الكرماني في «شرح البخاري»: أو أنه من قولهم فلان بتحمد أي يمتن. يقال من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به على الناس. قال: وروي «لأحمدك» باللام فقط قبل المضارع من الحمد). 

قال ابن حجر بعد شرح هذا الحديث: وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ ذِكْرِ مَا اتَّفَقَ لِمَنْ مَضَى لِيَتَّعِظَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غِيبَةً فِيهِمْ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ تَسْمِيَتِهِمْ وَلَمْ يُفْصِحْ بِمَا اتَّفَقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمْ وَقَعَ كَمَا قَالَ الْمَلَكُ وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَالتَّرْغِيبُ فِي شُكْرِهَا وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا وَفِيهِ فَضْلُ الصَّدَقَةِ وَالْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامُهُمْ وَتَبْلِيغُهُمْ مَآرِبَهُمْ وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْبُخْلِ لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبَهُ عَلَى الْكَذِبِ وَعَلَى جَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.اهـ 

وقال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامِهِمْ وَتَبْلِيغِهِمْ مَا يَطْلُبُونَ مِمَّا يُمْكِنُ وَالْحَذَرُ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِهِمْ وَاحْتِقَارِهِمْ وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَمُّ جَحْدِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.اهـ 

وفي الحديث الحث على عدم رد السائل المحتاج فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ “، وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَا تَرُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ “، وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي فَلَاةٍ إِذْ سَمِعَ رَعْدًا فِي سَحَابٍ فَسَمِعَ فِيهِ كَلَامًا، اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ بِاسْمِهِ، فَجَاءَ ذَلِكَ السَّحَابُ إِلَى حَرَّةٍ فَأَفْرَغَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى ذَنَابِ شَرْجٍ فَانْتَهَى إِلَى شَرْجَةٍ فَاسْتَوْعَبَتِ الْمَاءَ، وَمَشَى الرَّجُلُ مَعَ السَّحَابَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَجُلٍ قَائِمٍ فِي حَدِيقَتِهِ يَسْقِيهَا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ فِي سَحَابٍ هَذَا مَاؤُهُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ بِاسْمِكَ، وَمَا تَصْنَعُ فِيهَا إِذَا صَرَمْتَها، قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَجْعَلُهَا ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ: أجْعَلُ ثُلُثًا لِي وَلِأَهْلِي، وَأَرُدُّ ثُلُثَا فِيهَا، وَاجْعَلُ ثُلُثَا فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ “. وقال عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ: ” قَامَ سَائِلٌ فَقَالَ: نَقَصَ الْكَيْلُ، وَعَجَفَتِ الْخَيْلُ، وَقَلَّ النِّيلُ وَسَعَتْ، وُشَاةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي فُلَانٍ، فَلَا يَنْفُخُ فِي وَضَعٍ وَنَحْنُ عِيَالٌ جَذْبَةٌ فَمَنْ يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَسْئَلِ الْقَرْضَ مِنْ عَدَمٍ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ الْأَخْيَارَ وَيُجْزَئ بالْأَعْمَالُ “. وقال الشافعي: وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ رَحِمَكَ اللهُ إنَّهُ مَرَّتْ بِنَا سِنُونَ ثَلَاثَةٌ، أَمَّا إِحْدَاهَا فَأَهْلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَأَنْضَتِ اللَّحْمَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَخَلُصَتْ إِلَى الْعَظْمِ وَعِنْدَكَ مَالٌ، فَإِنْ يَكُ لِلَّهِ فَأَعْطِ عِبَادَ اللهِ، وَإِنْ يَكُ لَكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهِ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، قَالَ: فَأَعْطَاهُ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: ” لَوْ أَنَّ النَّاسَ يُحْسِنُونَ أَنْ يَسْأَلُوا هَكَذَا مَا حَرَمْنَا أَحَدًا “. وروي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إِلَّا وَكَانَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ نِدَاءً يَسْمَعُهُ مَا خَلَقَ اللهُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، إِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا آبَتِ الشَّمْسُ إِلَّا وَكَانَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ نِدَاءً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللهِ كُلُّهُمْ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ قُرْآنًا فِي قَوْلِ الْمَلَكَيْنِ: {هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ} فِي سُورَةِ يُونُسَ: {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25]، وَأَنْزَلَ فِي قَوْلِهِمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [الليل: 2] إِلَى قَوْلِهِ {لِلْعُسْرَى} [الليل: 10] “. 

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتصدقين في الليل والنها سرا وعلانية وأن يتقبل منا بجاه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين