رياض الصالحين (194-195) | كلمة عدل عند سلطان جائر

الدرس ١٩٤ من ١٩٩نزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ١:٠٣:١٤

الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعِزِّ وَالْجَلَالِ، وَالْمِنَّةِ وَالْإِفْضَالِ، وَالطَّوْلِ وَالْكَمَالِ، الْقَادِرِ الْغَافِرِ الظَّاهِرِ، الْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ يُضَاهِيهِ، وَلَا وَزِيرٌ يُوَالِيهِ، جَلَّ جَلَالُهُ، وَتَعَاظَمَتْ أَفْعَالُهُ، لَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، إِذْ أَخْرَجَنَا فِي خَيْرِ الْأُمَمِ، وَهَدَانَا بِخَاتِمِ أَنْبِيَائِهِ، وَهَادِي أَوْلِيَائِهِ، النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي خَتَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ، وَاسْتَفْتَحَ بِهِ خُرُوجَ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ، وَجَعَلَهُ فِي الْمَحَلِّ أَعْلَى مِنَ الْجَوْزَاءِ، وَفِي الْمَقَامِ شَفِيعًا يَوْمَ يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَى الشُّفَعَاءِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الَّذِي جَعَلَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا مُبِينًا، وَحَرَّمَ فِيهِ حَرَامَهُ، وَأَبَاحَ فِيهِ حَلَالَهُ، وَأَنَارَ بِهِ أَعْلَامَهُ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَحْكَامَهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي بِالْفَضْلِ حَبَانَا، وَلِلْإِسْلَامِ هَدَانَا، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِتَوْفِيقِهِ وَإِرْشَادِهِ وَمَعُونَتِهِ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ. أَمَّا بَعْدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِنَا لِهٰذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ إِلَى الحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالتِّسعِينَ بَعدَ المِائَةِ، يَذكُرُهُ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا البَابِ وَهُوَ بَابُ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ.اهـ نَقرَؤُهُ كَامِلًا وَنَشرَحُهُ إِن شَاءَ اللهُ.

قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

الحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».

الشَّرْحُ

الحَادِيَ عَشَرَ:

(أَيِ الحَدِيثُ الحَادِيَ عَشَرَ مِن بَابِ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَهُوَ الحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالتِّسعُونَ بَعدَ المِائَةِ مِن كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ)

(وَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ أُبَيِّنَ أُمُورًا بَعْدَ أَنْ قَرَأْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَقَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ بِشَرْحِهِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مِنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ سَنَشْرَحُهُمَا مَعًا لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنْ أَوَّلًا لِنَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَنْ يَفْهَمُ مَعْنَاهَا هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَسَنُبَيِّنُ الْمَعْنَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ ضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ مِنَ التَّارِيخِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ شَخْصٌ أَوْ تَأْتِيَ بَعْضُ الْجَمَاعَاتِ التَّكْفِيرِيَّةِ فَيُورِدُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِدَعْوَى تَكْفِيرِ الْحُكَّامِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَيَسْتَعْطِفُونَ بِذَلِكَ وَبِإِيرَادِهَا الْعَوَامَّ وَالْجُهَّالَ مِنَ النَّاسِ لِيَتَّبِعُوهُمْ، يَأْتِي الْبَعْضُ فَلَا يُعْجِبُهُ أَمْرٌ مِنْ بَعْضِ الْحُكَّامِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ فَيُكَفِّرُهُمْ وَيَقُولُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَنْ يُنْزِلُهَا فِي مَنْزِلَتِهَا مَعَ فَهْمِ مَعْنَاهَا؟ أَهْلُ الْعِلْمِ كَمَا سَنُبَيِّنُ، فَلَا يَأْتِي شَخْصٌ يَقُولُ: الْحُكَّامُ لِأَنَّهُمْ لَا يَحْكُمُونَ بِالشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَهُمْ كُفَّارٌ، هُوَ فِعْلُهُمْ هَذَا وَحُكْمُهُمْ هَذَا لَا يَجُوزُ، لَكِنْ لَيْسَ مُجَرَّدُهُ كُفْرًا مُوجِبًا لِلْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ، وَلَيسَ فِي هذه الأحاديث تَكفِيرُ الحَاكِمِ المُسلِمِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِغَيرِ الشَّرْعِ، فَلَا يَجُوزُ تَكفِيرُ المُسلِمِ الَّذِي يَحكُمُ بِغَيرِ شَرْعِ اللهِ مِن غَيرِ أَنْ يَجْحَدَ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي قَلبِهِ أَو بِلِسَانِهِ، أَو يُفَضِّلَ حُكْمَ القَانُونِ عَلَى حُكْمِ القُرءَانِ، أَو يَستَحِلَّ تَركَ العَمَلِ، بِحُكْمِ القُرءَانِ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِهَذِهِ الأَحكَامِ العُرْفِيَّةِ الَّتِي تَعَارَفَهَا النَّاسُ فِيمَا بَينَهُم لِكَونِهَا مُوَافِقَةً لِأَهوَاءِ بَعضِ النَّاسِ مُتَدَاوَلَةً بَينَ الدُّوَلِ، وَهُوَ غَيرُ مُعْتَرِفٍ بِصِحَّتِهَا عَلَى الحَقِيقَةِ وَلَا هُوَ مُعْتَقِدٌ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يَقُولُهُ إِنَّهُ حُكْمٌ بِالقَانُونِ.. فَإِنَّ تَكفِيرَ المُسلِمِ أَيِ اعتِبَارَهُ خَارِجًا مِنَ الإِسلَامِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ حَكَمَ بِالقَانُونِ بِلَا تَفصِيلٍ خَطَأٌ كَبِيرٌ.

 يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنَشْرَحُهَا وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾: “إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ”، أَيْ ذَنْبٌ كَبِيرٌ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ ثَابِتٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَصَحَّحَهُ. وَمِنْ عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُسْلِمٌ بِذَنْبٍ إِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ تَكْفِيرَ مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ شَرْعِ اللهِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا بِلَا تَفْصِيلٍ لَا يُوَافِقُ مَذْهَبًا مِنَ الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَاعِدَتُهُمْ تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ. فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ) وَكِتَابِهِ (تَفْسِيرُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) أَنَّ صِنْفًا مِنَ الطَّائِفَةِ الْبَيْهَسِيَّةِ مِنَ الْخَوَارِجِ كَانَتْ تُكَفِّرُ السُّلْطَانَ إِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ وَتُكَفِّرُ الرَّعَايَا مَنْ تَابَعَهُ وَمَنْ لَمْ يُتَابِعْهُ كَانُوا يَقُولُونَ أَيْ طَائفَةٌ مِنْهُمْ إِذَا كَفَرَ الْإِمَامُ كَفَرَتِ الرَّعِيَّةُ)

معنى «أفضل الجهاد» وأن الجهاد لا يختص بالقتال فقط

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَفضَلُ

(أَحْيَانًا تَرِدُ كَلِمَةُ أَفْضَلَ وَالْمُرَادُ مَنْ أَفْضَلِ، وَأَحْيَانًا تَجِدُهَا مُتَكَرِّرَةً فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ، فَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ كَثِيرًا هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ، مِنْهَا: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَهَذَا السُّؤَالُ تَكَرَّرَ فِي عَدَدٍ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَاختَلَفَ جَوَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حَسَبِ السَّائِلِ، وَمِمَّا قَالُوا فِي مَعنَاهُ أحيانا: مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ كَذَا)

الجِهَادِ

(هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْجِهَادَ لَا يُطْلَقُ فَقَطْ عَلَى الْقِتَالِ بِالسَّيْفِ وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْهَا: جِهَادُ النَّفْسِ وَالْهَوَى، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، هُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ.اهـ وَهُوَ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، هُوَ تَوْحِيدُ اللهِ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ فِعْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبِهِ تَقُومُ كَلِمَةُ الدِّينِ، وَالْعَمَلُ لِنَشْرِهِ هُوَ أَوْلَى الْأَعْمَالِ وَمَا يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِهِ تَسْتَقِيمُ أُمُورُ النَّاسِ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، لِأَجْلِهِ جَاهَدَ الْمُجَاهِدُونَ وَبِهِ قَامَتْ دَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِ اسْتَقَامَ حَالُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَهَذَا عَمَلٌ لَا يُغْفَلُ وَأَمْرٌ لَا يُؤَخَّرُ، بَلْ إِنَّ كُلَّ مَا يُعِينُ فِي نَشْرِهِ وَتَقْوِيَتِهِ هُوَ مِنْ أَفْرَضِ الْفُرُوضِ هَذِهِ الْأَيَّامَ، أَهَمُّ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ بَذْلُ الْجُهْدِ لِنَشْرِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْأَحْكَامِ الضَّرُورِيَّةِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْبِرِّ وَأَفْضَلِهِ التَّعَاوُنَ فِي نَشْرِ عَقِيدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّـنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي تَنَاقَلَهَا الْمُسْلِمُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، جِيلًا عَنْ جِيلٍ. هذهِ العَقِيدَةُ بِمَا أَنَّهَا هِيَ أصلُ الدِّينِ الَّتِي لَا يَحصُلُ النجاةُ فِي الآخِرَةِ إِلَّا بِهَا، التَّعَاونُ علَيْهَا أَعْظَمُ الْمُهِمَّاتِ، وَنَحْنُ وَالْحَمْدُ للهِ دُعاةٌ إِلَيْهَا، نُدَافِعُ عَنْهَا بِالبَيَانِ والأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ أَيْ القُرْآنِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ، وهذَا مِنْ أَفْرَضِ الفُرُوضِ. قَالَ الفُقَهَاءُ: يَجِبُ أَنْ يُوجَدَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُومُ بِهَذَا مِنْ بَابِ فَرْضِ الكِفَايَةِ).

كَلِمَةُ عَدْلٍ

(أَيْ قَوْلُ حَقٍّ وَلَوْ كَانَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَالْحَقُّ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ لَا غَيْرُ، فَلَا يَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ فَيَقُولُ بِكَلَامٍ يَظُنُّهُ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ وَيُسَمِّيهِ حَقًّا فَيُهْلِكَ النَّاسَ، هَذَا الْحَقُّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلْمٍ، بِلَا عِلْمٍ لَنْ يَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ وَلَنْ يُعْرَفَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، بَلْ إِنَّ الْجَاهِلَ يُهْلِكُ الْمُسْلِمِينَ وَيَظُنُّ الْحَقَّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي مَوْضِعِ سُلْطَةٍ وَهُوَ جَاهِلٌ يُهْلِكُ النَّاسَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ، لِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا)

عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».

(أَيْ صَاحِبِ جَوْرٍ وَظُلْمٍ).

ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أصحاب السلطة، ومراتبه عند أهل العلم

(قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: قَدْ ذَكَرْنَا دَرَجَاتِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّ أَوَّلَهُ التَّعْرِيفُ وَثَانِيَهُ الْوَعْظُ وَثَالِثَهُ التَّخْشِينُ فِي الْقَوْلِ وَرَابِعَهُ الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِّ بِالضَّرْبِ وَالْعُقُوبَةِ، وَالْجَائِزُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَعَ السَّلَاطِينِ الرُّتْبَتَانِ الْأُولَيَانِ وَهُمَا التَّعْرِيفُ وَالْوَعْظُ، وَأَمَّا الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ مَعَ السُّلْطَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحَرِّكُ الْفِتْنَةَ وَيُهَيِّجُ الشَّرَّ وَيَكُونُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْمَحْذُورِ أَكْثَرَ وَأَمَّا التَّخْشِينُ فِي الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ يَا ظَالِمُ يَا مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَذَلِكَ إِنْ كَانَ يُحَرِّكُ فِتْنَةً يَتَعَدَّى شَرُّهَا إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ).

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ».

مثال ثبات النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه في بدء الدعوة أمام أذى قريش

(يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا الْجُرْأَةُ فِي قَوْلِ الْحَقِّ أَمَامَ مَنْ يَخْشَى النَّاسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا أَمَامَهُ كَسُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ صَاحِبِ سُلْطَةٍ أَوْ شَوْكَةٍ وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ عَلَيْهِ وَالثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ وَلَوْ أَدَّى هَذَا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَذَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ضَوَابِطِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّتِي تَكَلَّمْنَا عَنْهَا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَدْءِ الدَّعْوَةِ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ قَالَ: حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا: قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي، حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ، غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ مَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ، فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: «تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ»، فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاة -الوَصَاةُ: الوَصِيَّةُ، يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيُوصُونَ بِإِيذَائِهِ- قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ -أَيْ: يُسَكِّنَهُ وَيَرفِقَ بِهِ- بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، انْصَرِفْ رَاشِدًا، فَوَاللهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا، قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ! فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ، إِذْ طَلَعَ عليهم رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ»، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ، قَالَ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دُونَهُ، يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ.اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾».اهـ).

-الوَصَاةُ: الوَصِيَّةُ، يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيُوصُونَ بِإِيذَائِهِ- قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ -أَيْ: يُسَكِّنَهُ وَيَرفِقَ بِهِ- بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، انْصَرِفْ رَاشِدًا، فَوَاللهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا، قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ، اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ! فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ، إِذْ طَلَعَ عليهم رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ»، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ، قَالَ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دُونَهُ، يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ.اهـ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾».اهـ).

الحديث الذي بعده:

الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي عَبدِ اللهِ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ البَجَلِيِّ الأَحْمَسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ: أَيُّ الجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ».

رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.

«الغَرْزُ» بِغَينٍ مُعجَمَةٍ مَفتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ: وَهُوَ رِكَابُ كَوْرِ الجَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ جِلدٍ أَوْ خَشَبٍ وَقِيلَ: لَا يَختَصُّ بِجِلدٍ وَخَشَبٍ.

الشَّرْحُ

ترجمة طارق بن شهاب رضي الله عنه ومعنى «الغرز» في الحديث

الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي عَبدِ اللهِ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ البَجَلِيِّ الأَحْمَسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ:

(هو طَارِقُ بنُ شِهَابِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ سَلَمَةَ الأَحْمَسِيُّ البَجَلِيُّ، الكُوْفِيُّ. رَأَى النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: أَدْرَكَ الجَاهِلِيَّةَ وَصِحِبَ النَّبِيَّ ﷺ، وَغَزَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَرْسَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَرَوَى عَنِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وعلي، وَروَى عَنْ بِلَالٍ، وَخَالِدِ بنِ الوَلِيْدِ، وَابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعِدَّةٍ. حَدَّثَ عَنْهُ: قَيْسُ بنُ مُسْلِمٍ، وَسِمَاكُ بنُ حَرْبٍ، وَعَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ، وَسُلَيمَانُ بنُ مَيْسَرَةَ، وَطَائِفَةٌ. قَالَ قَيْسُ بنُ مُسْلِمٍ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: «رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَغَزَوتُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِضْعًا وَثَلَاثِيْنَ -أَوْ قَالَ: بِضْعًا وَأَرْبَعِيْنَ – مِنْ بَيْنِ غَزْوَةٍ وَسَرِيَّةٍ. وَمَعَ كَثْرَةِ جِهَادِهِ، كَانَ مَعْدُوْدًا مِنَ العُلَمَاءِ. مَاتَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ. وَقِيْلَ: بَلْ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ)

أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ:

(الغَرْزُ: «أَيِ الرِّكَابِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ.اهـ وَكُلُّ مَا كَانَ مِسَاكًا لِلرِّجْلَينِ فِي المَرْكَبِ غَرْزٌ)

أَيُّ الجِهَادِ أَفْضَلُ؟

(قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا صَارَتْ كَلِمَةُ الْحَقِّ عِنْدَ الْإِمَامِ الْجَائِرِ مِنْ أَمْرِكَ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِكَ عَنِ الْمُنْكَرِ أَفْضَلَ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ مُجَاهَدَةَ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَنُصْرَةِ دِينِ اللهِ فَيُقَاوِمُهُمْ مَعَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُجَاهِدِينَ لَكَ وَالْمَدَدِ، وَتَأْمِيلِ الْغَلَبَةِ عَلَيْهِم وَلَمْ يَتَيَقَّنْ تَسَلُّطَهُمْ عَلَيْهِمْ وَقَهْرَهُمْ، وَهَذَا الْجِهَادُ غَالِبًا أَيْسَرُ وَأَهْوَنُ مِنْ جِهَادِكَ الْأَمِيرَ الْجَائِرَ فِي أَمْرِكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِكَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَرَدِّهِ عَنْ جَوْرِهِ. مَعَ وَحْدَتِكَ وَقِلَّةِ عَدَدِكَ وَعَدَمِ مُسَاعَدَتِكَ وَرُؤْيَتِكَ تَسَلُّطَهُ عَلَيْكَ وَغَلَبَتَهُ وَاسْتِشْعَارِكَ فَتْكَهُ بِكَ وَسَطْوَتَهُ، فَمِحْنَتُكَ أَبْلَغُ وَأَتَمُّ، وَجِهَادُكَ أَصْعَبُ وَأَعْظَمُ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ جِهَادٍ وَأَبْلَغَ، لِأَنَّ خَوْفَ سَطْوَتِهِ وَرَجَاءَ بِرِّهِ وَصِلَتِهِ يَمْنَعَانِ النَّفْسَ عَنْ إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْحَقِّ لَهُ فَيَعْظُمُ جِهَادُهَا).

قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ

(وَفِي نُسْخَةٍ «كَلِمَةُ عَدْلٍ» أَيْ: مَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ رَدَّ عَنْ مُحْتَرَمٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ)

عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ. «الغَرْزُ» بِغَينٍ مُعجَمَةٍ مَفتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ: وَهُوَ رِكَابُ كَوْرِ الجَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ جِلدٍ أَوْ خَشَبٍ وَقِيلَ: لَا يَختَصُّ بِجِلدٍ وَخَشَبٍ.

أمثلة من ثبات أهل العلم

(وَالْأَمْثِلَةُ فِي هَذَا الْأَمْرِ فِي التَّارِيخِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَمِنْهَا فِي عَصْرِ السَّلَفِ:

  • قِصَّةُ الْوَلِيِّ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ أَبِي نُعْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

رُوِيَ: أَنَّهُ أَنْكَر عَلَى الحَجَّاجِ كَثْرَةَ القَتْلِ، فَهَمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاجُ: مَنْ فِي بَطْنِهَا أَكْثَرُ مِمَّنْ عَلَى ظَهْرِهَا. هُوَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ أَبِي نُعْم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ حَبَسَهُ الْحَجَّاجُ بنُ يُوسُفَ وَضَعَهُ فِي السِّجْنِ لِيَمُوتَ بِالْجُوعِ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِالْجُوعِ وَشَدَّدَ حِرَاسَةَ السِّجْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ أَنْ يُدْخَلَ إِلَيْهِ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ. بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فُتِحَ السِّجْنُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَوَجَدُوهُ قَائِمًا يُصَلِّي، اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَاهُ لَذَّةً بِدُونِ أَكْلٍ وَبِدُونِ شَرَابٍ، خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ظَلَّ يَتَطَوَّعُ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْعِبَادَةِ. فَلَمَّا أُخْبِرَ الْحَجَّاجُ بِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ قَائِمًا يُصَلِّي هُوَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَأَنَّهُ يَكُونُ صَارَ جِيفَةً أَيْ أَنْتَنَ وَانْتَفَخَ، كَأَغْلَبِ النَّاسِ إِذَا مَاتُوا بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَنْتَفِخُونَ تَتَفَسَّخُ أَبْدَانُهُمْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ تَكُونُ رَائِحَةُ الْمَيِّتِ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ مُنْتِنَةً مُنْتِنَةً جِدًّا، هَذَا لَمَّا وَجَدُوهُ عَلَى خِلافِ مَا ظَنَّ هُوَ هَذَا الْحَجَّاجُ الظَّالِمُ دَخَلَ قَلْبَهُ شَىْءٌ فَأَعْفَاهُ مِنَ الْقَتْلِ، مَا عَاقَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، تَرَكَهُ أَخْلَى سَبِيلَهُ، هَذَا الْوَلِيُّ يُسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بنَ أَبِي نُعْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.اهـ

  • قِصَّةُ سَعِيدِ بنِ الجُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَ الحَجَّاجِ:

وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالذَّهَبِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْحَجَّاجَ بَعَثَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَأَصَابَهُ الرَّسُولُ بِمَكَّةَ فَلَمَّا سَارَ بِهِ الرَّسُولُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ رَآهُ الرَّسُولُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الْقَتْلِ فَاذْهَبْ أَيَّ الطَّرِيقِ شِئْتَ فَقَالَ سَعِيدٌ إِنَّهُ سَيَبْلُغُ الْحَجَّاجَ أَنَّكَ أَخَذْتَنِي فَإِنْ خَلَّيْتَ عَنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْتُلَكَ وَلَكِنْ أَذْهَبُ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ مَا اسْمُكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ كَذَبْتَ أَنْتَ ‌شَقِيُّ ‌بْنُ ‌كُسَيْرٍ قَالَ أُمِّي سَمَّتْنِي قَالَ شَقِيتَ وَشَقِيَتْ أُمُّكَ قَالَ الْغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَارًا تَلَظَّى قَالَ مَا تَقول فِي رَسُول الله النَّبِي الْمُصْطَفى ﷺ قَالَ خَيْرُ الْبَاقِينَ وَخَيْرُ الْمَاضِينَ قَالَ مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ قَالَ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَجَمَّعَ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عُمَرَ قَالَ الْفَارُوقُ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ قَالَ الْمُجَهِّزُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ الْمُشْتَرِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ قَالَ مِنْ أَوَّلهمْ إِسْلامًا وَأَقْدَمِهِمْ هِجْرَةً وَأَعْظَمِهِمْ فَضْلًا زَوَّجَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبَّ بَنَاتِهِ إِلَيْهِ. قَالَ مَا تَقُولُ فِيَّ قَالَ أَنْتَ وَنَفْسُكَ أَعْلَمُ قَالَ بُثَّ فِي عِلْمِكَ قَالَ إِذًا أَسُوؤُكَ وَلا أَسُرُّكَ قَالَ فَبُثَّ قَالَ قَدْ ظَهَرَ مِنْكَ جَوْرٌ فِي حُكْمِ اللهِ وَجُرْأَةٌ عَلَى مَعَاصِي اللهِ قَالَ وَاللهِ لأُقَطِّعَنَّكَ أَعْضَاءً قَالَ إِذًا تُفْسِدُ عَلَيَّ دُنْيَايَ وَأُفْسِدُ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ وَالْقِصَاصُ أَمَامَكَ قَالَ الْوَيْلُ لَكَ قَالَ الْوَيْلُ لِمَنْ زُحْزِحَ عَنِ الْجَنَّةِ وَأُدْخِلَ النَّارَ قَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاقْتُلُوهُ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا حَجَّاجُ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ حَتَّى أَلْقَاكَ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ تَبَسَّمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقَالَ رُدُّوهُ فَلَمَّا رَدُّوهُ قَالَ مِمَّ ضَحِكْتَ قَالَ تَعَجَّبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ وَحِلْمِ اللهِ عَنْكَ قَالَ اسْحَبُوهُ فَلَمَّا سَحَبُوهُ قَالَ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 79]، قَالَ اصْرِفُوا وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَالَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [سورة البقرة:الآية 115]، قَالَ كُبُّوهُ لِوَجْهِه مَا أَنْزَعَهُ لآيِ الْقُرْآنِ فَقَالَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه/ الآية 55]، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ اللَّهُمَّ قَاصِمَ الْجَبَابِرَةِ اقْصِمِ الْحَجَّاجَ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا حَتَّى وَقَعَ فِي جَوْفِهِ الدُّودُ وَأَصَابَهُ الكُزَازُ. وَالكُزَازُ هُوَ حَالَةٌ خَطِيرَةٌ تُسَبِّبُهَا سُمُومٌ مِنَ البَكتِيريَا الَّتِي تَدخُلُ فِي الجُرحِ وَتُؤَثِّرُ عَلَى الجِهَازِ العَصَبِيِّ.اهـ

  • قِصَّةُ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَ بَعْضِ الأُمَرَاءِ:

سُئِلَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن مَسأَلَةٍ فِي الفِقهِ وَهِيَ حُكمُ طَلَاقِ المُكرَهِ، فَأَفتَى بِهَا عَلَى الصَّوَابِ أَنَّ طَلَاقَ المُكرَهِ لَا يَقَعُ، وَهَذِهِ الفَتوَى لَم يُرِدِ الكَلَامَ بِهَا بَعضُ الأُمَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِاعتِبَارَاتٍ عِندَهُم، وَلَكِنَّ الإِمَامَ مَالِكًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَجَابَ بِهَا عَلَى الصَّوَابِ غَاضًّا الطَّرفَ عَن رِضَاهُم أَو عَدَمِ رِضَاهُم، فَبَعَثَ أَمِيرُ المَدِينَةِ لِمَالِكٍ يَنهَاهُ عَنِ التَّحدِيثِ بِهَذِهِ المَسأَلَةِ وَأَن لَا يُجِيبَ عَلَيهَا أَحَدًا، لَكِنْ مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَفتَى بِهَا فَكَلَامُهُ حَقٌّ وَهُوَ أَنَّ طَلَاقَ المُكرَهِ لَا يَقَعُ.

قَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرٍ: كَانَ مَالِكٌ قَد ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ.اهـ قَالَ مُطَرِّفٌ: جَلَدَ جَعفَرُ بنُ سُلَيمَانَ أَمِيرُ المَدِينَةِ مَالِكًا ثَمَانِينَ سَوطًا. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: فَرَأَيتُ آثَارَ السِّيَاطِ فِي ظَهرِهِ قَد شَرَّحَتهُ تَشرِيحًا. وَكَانَ حِينَ مَدُّوهُ فِي الحَبلِ بَينَ يَدَيهِ خَلَعُوا كَتِفَيهِ حَتَّى كَانَ مَا يَستَطِيعُ أَن يُسَوِّيَ رِدَاءَهُ.اهـ وَقَالَ ابنُ سَعدٍ: حَدَّثَنَا الوَاقِدِيُّ قَالَ: لَمَّا دُعِيَ مَالِكٌ وَسُمِعَ مِنهُ وَقُبِلَ قَولُهُ حُسِدَ وَبَغَوهُ بِكُلِّ شَيءٍ، فَلَمَّا وَلِيَ جَعفَرُ بنُ سُلَيمَانَ المَدِينَةَ سَعَوا بِهِ إِلَيهِ وَكَثَّرُوا عَلَيهِ عِندَهُ، وَهُوَ يَأخُذُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَن ثَابِتِ بنِ الأَحنَفِ فِي طَلَاقِ المُكرَهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِندَهُ -أَي لَا يَقَعُ-. قَالَ: فَغَضِبَ جَعفَرٌ فَدَعَا بِمَالِكٍ، فَاحتَجَّ عَلَيهِ بِمَا رُفِعَ إِلَيهِ عَنهُ، فَأَمَرَ بِتَجرِيدِه وَضَربِهِ بِالسِّيَاطِ وَانْخَلَعَتْ يَدُهُ حَتَّى انخَلَعَت مِن كَتِفِهِ وَارتُكِبَ مِنهُ أَمرٌ عَظِيمٌ، فَوَاللهِ مَا زَالَ بَعدَ ذَلِكَ الضَّربِ فِي رِفعَةٍ عِندَ النَّاسِ وَعُلُوٍّ مِن أَمرِهِ وَإِعِظَامِ النَّاسِ لَهُ. وَكَأَنَّمَا كَانَت تِلكَ السِّيَاطُ الَّتِي ضَرَبَهَا حُلِيًّا حُلِيَّ بِهَا.اهـ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ بنِ رَاشِدٍ: سَمِعتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: حَكَى لِي بَعضُ أَصحَابِ ابنِ وَهبٍ عَنهُ: أَنَّ مَالِكًا لَمَّا ضُرِبَ حُلِقَ وَحُمِلَ عَلَى بَعِيرٍ -وَقِيلَ عَلَى حِمَارٍ- فَقِيلَ لَهُ: نَادِ عَلَى نَفسِكَ. فَقَالَ: أَلَا مَن عَرَفَنِي فَقَد عَرَفَنِي وَمَن لَم يَعرِفنِي فَأَنَا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ أَقُولُ: طَلَاقُ المُكرَهِ لَيسَ بِشَيءٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ جَعفَرَ بنَ سُلَيمَانَ الأَمِيرَ فَقَالَ: أَدرِكُوهُ أَنزِلُوهُ.اهـ قَالَ القَرَوِيُّ وَالعَمرِيُّ وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الآخَرِ: لَمَّا ضُرِبَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَنِيلَ مِنهُ حُمِلَ مَغشِيًّا عَلَيهِ فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيهِ فَأَفَاقَ فَقَالَ: أُشهِدُكُم أَنِّي جَعَلتُ ضَارِبِي فِي حِلٍّ. فَعُدنَاهُ فِي اليَومِ الثَّانِي، قُلنَا لَهُ مَا سَمِعنَا مِنهُ وَقُلنَا لَهُ قَد نَالَ مِنكَ. فَقَالَ: تَخَوَّفتُ أَن أَمُوتَ أَمسِ فَأَلقَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَستَحِي مِنهُ أَن يَدخُلَ بَعضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي فَمَا كَانَ إِلَّا مُدَّةً حَتَّى غَضِبَ المَنصُورُ عَلَى ضَارِبِهِ وَضَرَبَه وَنَالَهُ مِنهُ أَمرٌ شَدِيدٌ.اهـ قَالَ أَبُو الوَلِيدِ البَاجِيُّ: وَلَمَّا حَجَّ المَنصُورُ أَقَادَ مَالِكًا مِن جَعفَرَ بنِ سُلَيمَانَ وَأَرسَلَهُ إِلَيهِ لِيَقتَصَّ مِنهُ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ؟ وَاللهِ مَا ارتَفَعَ مِنهَا سَوطٌ عَن جِسمِي إِلَّا وَأَنَا أَجعَلُهُ فِي حِلٍّ مِن ذَلِكَ الوَقتِ لِقَرَابَتِهِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَالِ الدَّرَاوَردِيُّ: سَمِعتُهُ يَقُولُ حِينَ ضَرَبَهُ: اللهم اغفِر لَهُم فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ.اهـ وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: ضُرِبتُ فِيمَا ضُرِبَ فِيهِ مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ وَرَبِيعَةُ وَابنُ المُسَيَّبِ. وَيَذكُرُ قَولَ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَا أَغبِطُ أَحَدًا لَم يُصِبهُ فِي هَذَا الأَمرِ أَذًى.اهـ لَقَدْ جَلَدُوهُ لِيُذِلُّوهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَرَفَعَهُ اللهُ، وَهَذِه ثَمَرَةُ المِحنَةِ المَحمُودَةِ، أَنَّهَا تَرفَعُ العَبدَ عِندَ المُؤمِنِينَ، يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُصَب مِنهُ»، فَالمُؤمِنُ إِذَا امتُحِنَ صَبَرَ وَاتَّعَظَ وَاستَغفَرَ، وَلَم يَتَشَاغَل بِذَمِّ مَنِ انتَقَمَ مِنهُ، فَاللهُ حَكَمٌ مُقسِطٌ، ثُمَّ يَحمَدُ اللهَ عَلَى سَلَامَةِ دِينِهِ، وَيَعلَمُ أَنَّ عُقُوبَةَ الدُّنيَا أَهوَنُ وَخَيرٌ لَهُ.اهـ

  • قِصَّةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَل رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَ الخُلَفَاءِ:

مِن أَشهَرِ القِصَصِ الَّتِي مَرَّت فِي التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ فِي عَصرِ السَّلَفِ مَا جَرَى مَعَ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أُلَخِّصُ مَضمُونَ هَذِهِ الفِتنَةِ الَّتِي جَرَت فِي زَمَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ رَحِمَهُ اللهُ وَكَيفَ تَكَلَّمَ بِالحَقِّ وَأَدَّى هَذَا إِلَى سَجنِهِ وَجَلدِهِ شُهُورًا طَوِيلَةً، ظَهَرَتِ المُعتَزِلَةُ فِي آخِرِ زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَبَدَؤُوا يَتَكَلَّمُونَ بِخَلقِ القُرآنِ كَمَا سَأُبَيِّنُ فِي عَصرِ الرَّشِيدِ لَكِنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ كَانَ شَدِيدًا عَلَى المُعتَزِلَةِ، فَقَد رَوَى أَحمَدُ بنُ إِبرَاهِيمَ الدَّورَقِيُّ عَن مُحَمَّدِ بنِ نُوحٍ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ بِشرَ بنَ غِيَاثٍ المَرِيسِيَّ يَقُولُ: القُرآنُ مَخلُوقٌ، فَلِلهِ عَلَيَّ إِن أَظفَرَنِي بِهِ لَأَقتُلَنَّهُ. قَالَ الدَّورَقِيُّ: وَكَانَ مُتَوَارِيًا أَيَّامَ الرَّشِيدِ فَلَمَّا مَاتَ الرَّشِيدُ ظَهَرَ وَدَعَا إِلَى الضَّلَالَةِ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَهُ المَأمُونَ نَظَرَ فِي الكَلامِ -أَي كَلَامِ الفَلَاسِفَةِ- وَنَاظَرَ وَبَقِيَ مُتَوَقِّفًا فِي الدُّعَاءِ إِلَى بِدعَتِهِ. قَالَ أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوزِيِّ: خَالَطَهُ قَومٌ مِنَ المُعتَزِلَةِ فَحَسَّنُوا لَهُ القَولَ بِخَلقِ القُرآنِ وَكَانَ يَتَرَدَّدُ وَيُرَاقِبُ بَقَايَا الشُّيُوخِ ثُمَّ قَوِيَ عَزمُهُ وَامتَحَنَ النَّاسَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ. وَقَالَ ابنُ أَكثَمَ: قَالَ لَنَا المَأمُونُ: لَولَا مَكَانُ يَزِيدَ بنِ هَارُونَ لأَظهَرتُ أَنَّ القُرآنَ مَخلُوقٌ. فَقَالَ بَعضُ جُلَسَائِه: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ وَمَن يَزِيدُ حَتَّى يُتَّقَى؟ فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنِّي أَخَافُ إِن أَظهَرتُهُ فَيَرُدُّ عَلَيَّ يَختلِفُ النَّاسُ وَتَكُونُ فِتنَةٌ، وَأَنَا أَكرَهُ الفِتنَةَ. قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: سَمِعتُ أَبِي يَقُولُ: لَمَّا دَخَلنَا عَلَى إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ لِلمِحنَةِ قَرَأَ عَلَينَا كِتَابَ الَّذِي صَارَ إِلَى طَرَسُوسَ – يَعنِي: المَأمُونَ – فَكَانَ فِيمَا قُرِئَ عَلَينَا: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ – المُعتَزِلَةُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِصِفَةِ الكَلَامِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ -المُعتَزِلَةُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ خَالِقُ القَرآنِ فَإِذًا بِزَعمِهِم: القُرآنُ مَخلُوقٌ-. قَالَ أَحمَدُ: فَقُلتُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ -أَي أَنَا أُثبِتُ لَهُ الصِّفَةَ اللَّائِقَةَ بِهِ كَمَا أَثبَتَهَا فَي القُرآنِ الكَرِيمِ-. قَالَ صَالِحٌ: ثُمَّ امتُحِنَ القَومُ، وَوُجِّهَ بِمَنِ امتَنَعَ إِلَى الحَبسِ، فَأَجَابَ القَومُ جَمِيعًا غَيرَ أَربَعَةٍ: أَبِي وَمُحَمَّدِ بنِ نُوحٍ وَالقَوَارِيرِيِّ وَالحَسَنِ بنِ حَمَّادٍ سَجَّادَةَ. ثُمَّ أَجَابَ هَذَانِ وَبَقِيَ أَبِي وَمُحَمَّدٌ فِي الحَبسِ أَيَّامًا ثُمَّ جَاءَ كِتَابٌ مِن طَرَسُوسَ بِحَملِهِمَا مُقَيَّدَينِ زَمِيلَينِ. قَالَ أَبُو مَعمَرٍ القَطِيعِيُّ: لَمَّا أُحضِرنَا إِلَى دَارِ السُّلطَانِ أَيَّامَ المِحنَةِ، وَكَانَ أَحمَدُ ابنُ حَنبَلٍ قَد أُحضِرَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ يُجِيبُونَ وَكَانَ رَجُلًا لَيِّنًا فَانتَفَخَت أَودَاجُهُ وَاحمَرَّت عَينَاهُ وَذَهَبَ ذَلِكَ اللِّينُ. فَقُلتُ: إِنَّهُ قَد غَضِبَ للهِ فَقُلتُ: أَبشِر فَقَد رُوِيَ عَن أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَن إِذَا أُرِيدَ عَلَى شَيءٍ مِن أَمرِ دِينِهِ رَأَيتَ حَمَالِيقَ عَينَيهِ فِي رَأسِهِ تَدُورُ كَأنَّهُ مَجنُونٌ. وَقَالَ ابنُ أَبِي أُسَامَةَ: حُكِيَ لَنَا أَنَّ أَحمَدَ قِيلَ لَهُ أَيَّامَ المِحنَةِ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ أَوَلَا تَرَى الحَقَّ كَيفَ ظَهَرَ عَلَيهِ البَاطِلُ؟ قَالَ: كَلَّا، إِنَّ ظُهُورَ البَاطِلِ عَلَى الحَقِّ أَن تَنتَقِلَ القُلُوبُ مِنَ الهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ وَقُلُوبُنَا بَعدُ لَازِمَةٌ لِلحَقِّ. وَقَالَ أَبُو جَعفَرٍ الأَنبَارِيُّ: لَمَّا حُمِلَ أَحمَدُ إِلَى المَأمُونِ أُخبِرتُ فَعَبَرتُ الفُرَاتَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي الخَانِ – وَالخَانُ مَا يَنزِلُهُ المُسَافِرُونَ وَالجَمعُ خَانَاتٌ – فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَقَالَ: يَا أَبَا جَعفَرٍ تَعَنَّيتَ – أَي أَتعَبتَ نَفسَكَ-. فَقُلتُ: يَا هَذَا أَنتَ اليَومَ رَأسٌ وَالنَّاسُ يَقتَدُونَ بِكَ فَوَ اللهِ لَئِن أَجَبتَ إِلَى خَلقِ القُرآنِ لَيُجِيبَنَّ خَلقٌ وَإِنْ أَنتَ لَم تُجِب لَيَمتَنِعَنَّ خَلقٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الرَّجُلَ إِن لَم يَقتُلكَ فَإِنَّكَ تَمُوتُ، لَا بُدَّ مِنَ المَوتِ فَاتَّقِ اللهَ وَلَا تُجِب. فَجَعَلَ أَحمَدُ يَبكِي وَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا جَعفَرٍ أَعِد عَلَيَّ. فَأَعَدتُ عَلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ: مَا شَاءَ اللهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِبرَاهِيمَ البُوشَنجِيُّ: جَعَلُوا يُذَاكِرُونَ أَبَا عَبدِ اللهِ بِالرَّقَّةِ فِي التَّقِيَّةِ – أَي أَن يَقُولَ لَهُم مَا يُرِيدُونَ وَيَقصِدُ مَعنًى آخَرَ غَيرَ الَّذِي يُرِيدُونَهُ اِتِّقَاءً لِشَرِّهِم وَإِبعَادًا لَهُم عَنهُ-. فَقَالَ: كَيفَ تَصنَعُونَ بِحَدِيثِ خَبَّابٍ: «إِنَّ مَن كَانَ قَبلَكُم كَانَ يُنشَرُ أَحَدُهُم بِالمِنشَارِ، لَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ»، فَأَيِسنَا مِنهُ. وَقَالَ: لَستُ أُبالِي بِالحَبسِ، مَا هُوَ وَمَنزِلِي إِلَّا وَاحِدٌ، وَلَا قَتلًا بِالسَّيفِ، إِنَّمَا أَخَافُ فِتنَةَ السَّوطِ. فَسَمِعَهُ بَعضُ أَهلِ الحَبسِ فَقَالَ: لَا عَلَيكَ يَا أَبَا عَبدِ اللهِ فَمَا هُوَ إِلَّا سَوطَانِ ثُمَّ لَا تَدرِي أَينَ يَقَعُ البَاقِي، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي مَن أَثِقُ بِهِ عَن مُحَمَّدِ بنِ إِبرَاهِيمَ بنِ مُصعَبٍ، وَهُوَ يَومَئِذٍ صَاحِبُ شُرطَةِ المُعتَصِمِ خِلَافَةً لأَخِيهِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ قَالَ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا لَم يُدَاخِلِ السُّلطَانَ، وَلَا خَالَطَ المُلُوكَ كَانَ أَثبَتَ قَلبًا مِن أَحمَدَ يَومَئِذٍ، مَا نَحنُ فِي عَينِهِ إِلَّا كَأَمثَالِ الذُّبَابِ. قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ: حُمِلَ أَبِي وَمُحَمَّدُ بنُ نُوحٍ مِن بَغدَادَ مُقَيَّدَينِ. فَسَأَلَ أَبُو بَكرٍ الأَحوَلُ أَبِي: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ إِن عُرِضتَ عَلَى السَّيفِ تُجِيبُ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ سُيِّرَا، فَسَمِعتُ أَبِي يَقُولُ: صِرنَا إِلَى الرَّحبَةِ -وَهِيَ بَلدَةٌ عَلَى شَاطِئِ الفُرَاتِ-، وَرَحَلنَا مِنهَا فِي جَوفِ اللَّيلِ فَعَرَضَ لَنَا رَجُلٌ فَقَالَ: أَيُّكُم أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا. فَقَالَ لِلجَمَّالِ: عَلَى رِسلِكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا هَذَا، مَا عَلَيكَ أَن تُقتَلَ هَا هُنَا، وَتَدخُلَ الجَنَّةَ؟ ثُمَّ قَالَ: أَستَودِعُكَ اللهَ وَمَضَى. قَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: مَا سَمِعتُ كَلِمَةً مُنذُ وَقَعتُ فِي هَذَا الأَمرِ أَقوَى مِن كَلِمَةِ أَعرَابِيٍّ كَلَّمَنِي بِهَا فِي رَحبَةِ طَوقٍ. قَالَ: يَا أَحمَدُ إِن يَقتُلكَ الحَقُّ مُتَّ شَهِيدًا، وَإِن عِشتَ عِشتَ حَمِيدًا، فَقَوَّى قَلبِي. قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ: قَالَ أَبِي:فَلَمَّا صِرنَا إِلَى أَذَنَةَ -وَهِيَ بِلَادٌ فِي أَطرَافِ الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ، قَرِيبَةٌ مِنَ الرَّقَّةِ-، وَرَحَلنَا مِنهَا فِي جَوفِ اللَّيلِ وَفُتِحَ لَنَا بَابُهَا إِذَا رَجُلٌ قَد دَخَلَ فَقَالَ: البُشرَىَ، قَد مَاتَ الرَّجُلُ -يَعنِي: المَأمُونَ- قَالَ أَبِي: وَكُنتُ أَدعُو اللهَ أَن لَا أَرَاهُ. قَالَ صَالِحٌ: لَمَّا صَدَرَ أَبِي وَمُحَمَّدُ بنُ نُوحٍ إِلَى طَرَسُوسَ، رُدَّا فِي أَقيَادِهِمَا. فَلَمَّا صَارَ إِلَى الرَّقَّةِ حُمِلَا فِي سَفِينَةٍ فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى عَانَةَ -وَهِيَ بِلَادٌ فِي أَطرَافِ الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ، قَرِيبَةٌ مِنَ الرَّقَّةِ- تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ وَفُكَّ قَيدُهُ وَصَلَّى عَلَيهِ أَبِي. وَقَالَ حَنبَلٌ: قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا عَلَى حدَاثَةِ سِنِّهِ وَقدرِ عِلمِهِ أَقوَمَ بِأَمرِ اللهِ مِن مُحَمَّدِ بنِ نُوحٍ، إِنِّي لَأَرجُو أَن يَكُونَ قَد خُتِمَ لَهُ بِخَيرٍ. قَالَ لِي ذَاتَ يَومٍ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، اللهَ اللهَ، إِنَّكَ لَستَ مِثلِي أَنتَ رَجُلٌ يُقتَدَى بِكَ. قَد مَدَّ الخَلقُ أَعنَاقَهُم إِلَيكَ لِمَا يَكُونُ مِنكَ فَاتَّقِ اللهَ وَاثبُت لِأَمرِ اللهِ فَمَاتَ وَصَلَّيتُ عَلَيهِ وَدَفَنتُهُ. قَالَ لَهُم: قُومُوا ثُمَّ حُبِسَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ إِسحَاقَ فَخَلَا بِي وَبِعَبدِ الرَّحمَنِ، وَحُمِلَ الإِمَامُ أَحمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى بَغدَادَ مُقَيَّدًا وَفِي الطَّرِيقِ لِبَغدَادَ كَانَ كُلَّمَا نَزَلُوا فِي بَلَدٍ وُضِعَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي السِّجنِ وَكَانَ يَقُولُ: كُنتُ أُصَلِّي بِأَهلِ السِّجنِ وَأَنَا مُقَيَّدٌ. وَقَالَ أَيضًا عَن حَالِهِ فِي السُّجُونِ: كُنتُ مُقَيَّدًا بِقَيدٍ وَاحِدٍ يُوَجَّهُ إِلَيَّ فِي كُلِّ يَومٍ رَجُلَانِ وَهُمَا أَحمَدُ بنُ رَبَاحٍ وَأَبُو شُعَيبٍ الحَجَّاجُ يُكَلِّمَانِي وَيُنَاظِرَانِي فَإِذَا أَرَادَا الِانصِرَافَ دَعَوا بِقَيدٍ فَقُيِّدتُ بِهِ، فَمَكَثتُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَارَ فِي رِجلِي أَربَعَةُ أَقيَادٍ، فَقَالَ لِي أَحَدُهُمَا فِي بَعضِ الأَيَّامِ فِي كَلَامٍ دَارَ بَينَنَا وَسَأَلتُهُ عَن عِلمِ اللهِ فَقَالَ: عِلمُ اللهِ مَخلُوقٌ. فَقُلتُ لَهُ: أَنتَ رَجُلٌ كَافِرٌ -هَذَا الشَّخصُ أَنكَرَ عِلمَ اللهِ لِلأَشيَاءِ فَقَد نَسَبَ الجَهلَ للهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ كَفَّرَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِأَنَّ مَن أَنكَرَ صِفَةً ثَابِتَةً للهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أَجمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى وَصفِهِ بِهَا فَقَد كَذَّبَ القُرآنَ فَلَا يَكُونُ مِنَ المُسلِمِينَ، وَالمُعتَزِلَةُ كَانُوا يَنفُونَ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِذَلِكَ بَدَأَ أَحمَدُ مَعَهُ فِي الكَلَامِ بِذِكرِ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا سِيَّمَا عِلمُهُ فَمَن نَفَى كَونَ اللهِ عَالِمًا فَقَد نَسَبَ الجَهلَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- فَقَالَ لِي السَّجَّانُ: هَذَا رَسُولُ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: إِنَّ هَذَا زَعَمَ أَنَّ عِلمَ اللهِ مَخلُوقٌ، قَالَ أَحمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَن زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِ اللهِ مَخلُوقَةٌ فَقَد كَفَر -لِأَنَّهُ مَن كَانَت صِفَاتُهُ مَخلُوقَةً فَهُوَ مَخلُوقٌ وَنِسبَةُ ذَلِكَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ تَكذِيبٌ لِلقُرآنِ وَخُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ-. وَأَرسَلَ لَهُ الخَلِيفَةُ شَخصًا آخَرَ اسمُهُ إِسحَاقُ بنُ إِبرَاهِيمَ هُوَ مِنَ المُعتَزِلَةِ لِيُنَاظِرَهُ فَقَالَ لِأَحمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا أَحمَدُ إِنَّهَا وَاللهِ نَفسُكَ إِنَّهُ حَلَفَ أَن لَا يَقتُلَكَ بِالسَّيفِ وَأَن يَضرِبَكَ ضَربًا بَعدَ ضَربٍ وَأَن يُلقِيَكَ فِي مَوضِعٍ لَا تَرَى فِيهِ الشَّمسَ -أَي إِنَّهُ يُهَدِّدُهُ بِعَذَابِ الخَلِيفَةِ لَهُ-، فَنَاظَرَهُ وَلَم يَغلِبهُ فَقَالَ: اذهَبُوا بِهِ، وحُمِلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي طَرِيقِهِ لِبَغدَادَ فَأُنزِلَ فِي دَارٍ حُبِسَ فِيهَا وَقَالَ: فَلَمَّا صِرنَا إِلَى تِلكَ البَلَدِ كُنتُ أَكَادُ أَخِرُّ عَلَى وَجهِي وَفِي الصَّبَاحِ جَاءَ المُعتَزِلَةُ لِيُنَاظِرُوهُ وَكَانَ الخَلِيفَةُ المُعتَصِمُ مَعَهُم، قَالَ أَحمَدُ فَلَمَّا أَصبَحتُ جَاءَنِي الرَّسُولُ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدخَلَنِي الدَّارَ وَإِذَا الخَلِيفَةُ جَالِسٌ وَابنُ أَبِي دُؤَادٍ حَاضِرٌ قَد جَمَعَ أَصحَابَهُ وَالدَّارُ غَاصَّةٌ بِأَهلِهَا، فَلَمَّا دَنَوتُ سَلَّمتُ، فَقَالَ لِي: ادنُ فَلَم يَزَل يُدنِينِي حَتَّى قَرُبتُ مِنهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: اجلِس فَجَلَستُ وَقَد أَثقَلَتنِي الأَقيَادُ، فَلَمَّا مَكَثتُ هُنَيهَةً قُلتُ: تَأذَنُ فِي الكَلَامِ، فَقَالَ: تَكَلَّم، فَقُلتُ: إِلَامَ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: قُلتُ: أَنَا أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. ثُمَّ قُلتُ لِلخَلِيفَةِ: إِنَّ جَدَّكَ ابنَ عَبَّاسٍ يَحكِي أَنَّ وَفدَ عَبدِ القَيسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَهُم بِالإِيمَانِ بِاللهِ قَالَ: «أَتَدرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَومُ رَمَضَانَ، وَأَن تُعطُوا الخُمُسَ مِنَ الغُنمِ». قَالَ أَحمَدُ: فَقَالَ لِي عِندَ ذَلِكَ: لَولَا أَن وَجَدتُكَ فِي يَدِ مَن كَانَ قَبلِي مَا تَعَرَّضتُ لَكَ، ثُمَّ التَفَتَ إِلَى بَعضِ حَاشِيَتِهِ وَقَالَ: أَلَم آمُركَ أَن تَرفَعَ المِحنَةَ؟ قَالَ أَحمَدُ: فَقُلتُ فِي نَفسِي: اللهُ أَكبَرُ إِنَّ فِي هَذَا فَرَجًا لِلمُسلِمِينَ -ظَنَّ أَنَّ الفِتنَةَ سَتَزُولُ هُنَا عِندَمَا سَمِعَ هَذَا الكَلَامَ مِنَ الخَلِيفَةِ-. قَالَ أَحمَدُ: ثُمَّ قَالَ الخَلِيفَةُ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوهُ ثُمَّ قَالَ لِبَعضِ حَاشِيَتِهِ وَاسمُهُ عَبدُ الرَّحمَنِ: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ كَلِّمهُ، قَالَ أَحمَدُ: فَقَالَ لِي عَبدُ الرَّحمَنِ: مَا تَقُولُ فِي القُرآنِ؟ -هُم يُرِيدُونَ مِنهُ أَن يَقُولَ إِنَّ القُرآنَ مَخلُوقٌ وَهُوَ لَم يَقُلهَا، فَالقُرآنُ إِن أُرِيدَ بِهِ صِفَةَ اللهِ تَعَالَى فَمَن قَالَ إِنَّهُ مَخلُوقٌ فَقَد كَذَّبَ الدِّينَ، وَإِن أُرِيدَ بِالقُرآنِ اللَّفظُ المُنَزَّلُ فَهُوَ مَخلُوقٌ لَهُ بِدَايَةٌ وَلَهُ نِهَايَةٌ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالمُشَاهَدَةِ، وَلَكِنَّ الإِمَامَ أَحمَدَ لَم يَرضَ أَن يَقُولَهَا حَتَّى لَا يَتَوَهَّمَ العَوَامُّ أَنَّ صِفَةً مِن صِفَاتِ اللهِ مَخلُوقَةٌ- قَالَ أَحمَدُ: قُلتُ: مَا تَقُولُ فِي عِلمِ اللهِ؟ فَسَكَتَ. قَالَ أَحمَدُ: فَجَعَلَ يُكَلِّمُنِي هَذَا وَهَذَا فَأَرُدُّ عَلَى هَذَا وَأُكَلِّمُ هَذَا ثُمَّ أَقُولُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ أَعطُونِي شَيئًا مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقُولُ بِهِ، ثمَّ قَالَ: فَقَالَ ابنُ أَبِي دُؤَادٍ: هُوَ وَاللهِ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبتَدِعٌ وَهَؤُلَاءِ قُضَاتُكَ وَالفُقَهَاءُ فَسَلهُم، فَيَقُولُ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ؟ فَيَقُولُونَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ هُوَ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبتَدِعٌ. قَالَ أَحمَدُ: وَلَا يَزَالُونَ يُكَلِّمُونِي، وَجَعَلَ صَوتِي يَعلُو أَصوَاتَهُم، فَجَعَلَ ابنُ أَبِي دُؤَادٍ يَنظُرُ إِلَيهِ وَيَلحَظُهُ مُتَغَيِّظًا عَلَيهِ. قَالَ أَحمَدُ: وَقَالَ بَعضُهُم أَلَيسَ قَالَ تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ قُلتُ: قَد قَالَ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ فَدَمَّرَت إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ -وَمُرَادُهُ أَن يَرُدَّ عَلَيهِم، أَنَّهُ لَيسَ كُلَّمَا وَرَدَت كَلِمَةُ شَيءٍ يُرَادُ مِنهَا الإِطلَاقُ أَي كُلُّ شَيءٍ حَتَّى صِفَاتِ اللهِ فَالمُعتَزِلَةُ أَدخَلُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ صِفَةً مِن صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالُوا خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى كَلَامَهُ وَهُوَ القُرآنُ فَقَالُوا القُرآنُ مَخلُوقٌ، فَرَدَّ أَحمَدُ عَلَيهِم أَنَّهُ قَد تَرِدُ كَلِمَةُ شَيءٍ فِي القُرآنِ وَلَا يُرَادُ مِنهَا كُلَّ شَيءٍ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ﴾ فَلَيسَ المُرَادُ أَنَّهَا دَمَّرَت كُلَّ شَيءٍ عَلَى الإِطلَاقِ بَل لَهَا قَيدٌ-. قَالَ أَحمَدُ: فَكَانَ إِذَا انقَطَعَ الرَّجُلُ مِنهُمُ اعتَرَضَ ابنُ أَبِي دُؤَادٍ فَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا قَارَبَ الزَّوَالُ -أَي وَقتُ الظُّهرِ-، قَالَ لَهُ الخَلِيفَةُ: وَيحَكَ يَا أَحمَدُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَأَقُولُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ أَعطُونِي شَيئًا مِن كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ-وَكَانَ ثَابِتًا عَلَى هَذَا الكَلَامِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ تَمَسُّكِهِ بِالقُرآنِ وَبِالسُّنَّةِ-. فَلَمَّا طَالَ بِنَا المَجلِسُ ضَجِرَ فَقَامَ فَرُدِدتُ إِلَى المَوضِعِ الَّذِي كُنتُ فِيهِ، ثُمَّ وُجِّهَ إِلَيَّ بِرَجُلَينِ سَمَّاهُمَا مِن أَصحَابِ ابنِ أَبِي دُؤَادٍ -وَهُمَا عَلَى مُعتَقَدِ المُعتَزِلَةِ- يُنَاظِرَانِي فَيُقِيمَانِ مَعِي حَتَّى إِذَا حَضَرَ الإِفطَارَ وُجِّهَ إِلَينَا بِمَائِدَةٍ عَلَيهَا طَعَامٌ فَجَعَلَا يَأكُلَانِ وَجَعَلتُ أَتَعَلَّلُ حَتَّى تُرفَعَ المَائِدَةُ -لَم يَكُن أَحمَدُ يَأكُلُ مَعَ المُعتَزِلَةِ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ- وَأَقَامَا طَوِيلًا وَفِي خِلَالِ ذَلِكَ يَجِيءُ ابنُ أَبِي دُؤَادٍ فَيَقُولُ لِي: يَا أَحمَدُ يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ مَا تَقُولُ؟ فَأَقُولُ لَهُ: أَعطُونِي شَيئًا مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَو سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَقُولَ بِهِ، فَقَالَ لِي ابنُ أَبِي دُؤَادٍ: إِنَّهُ وَاللهِ لَيسَ السَّيفُ إِنَّهُ ضَربٌ بَعدَ ضَربٍ -أَي إِنَّهُ يُهَدِّدُهُ بِالسِّيَاطِ-، ثُمَّ يَقُولُ لِي: مَا تَقُولُ، فَأَرُدُّ عَلَيهِ نَحوًا مِمَّا رَدَدتُ عَلَيهِ. قَالَ أَحمَدُ: فَلَمَّا كَانَ فِي اليَومِ الثَّانِي أُدخِلتُ عَلَيهِ فَقَالَ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوهُ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَتَكَلَّمُونَ هَذَا مِن هَاهُنَا وَهَذَا مِن هَاهُنَا فَأَرُدُّ عَلَى هَذَا وَهَذَا، فَإِذَا هُم قَد جَاءُوا بِشَيءٍ مِنَ الكَلَامِ مِمَّا لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا فِيهِ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ. وَحُمِلَ أَحمَدُ إِلَى السِّجنِ مَرَّةً أُخرَى، قَالَ أَحمَدُ: فَلَمَّا كَانَ فِي اليَومِ الثَّالِثِ أُدخِلتُ عَلَيهِ وَالقَومُ حُضُورٌ، فَجَعَلتُ أَدخَلُ مِن دَارٍ إِلَى دَارٍ، وَقَومٌ مَعَهُمُ السُّيُوفُ وَقَومٌ مَعَهُمُ السِّيَاطُ وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الزِّيِّ وَالسِّلَاحِ، وَقَد حُشِيَتِ الدَّارُ بِالجُندِ، حَتَّى إِذَا صِرتُ إِلَيهِ قَالَ: نَاظِرُوهُ وَكَلِّمُوهُ، فَعَادُوا لِمِثلِ مُنَاظَرَتِهِم، فَدَارَ بَينَنَا وَبَينَهُم كَلَامٌ كَثِيرٌ. 

ثُمَّ شُدَّ أَحمَدُ بَينَ خَشَبَتَينِ وَشُدَّت يَدُهُ حَتَّى انخَلَعَ كَتِفُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُم يَجلِدُوهُ، قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ: وَلَم يَزَل أَبِي رَحِمَهُ اللهُ يَتَوَجَّعُ مِنهَا مِنَ الرُّسغِ إِلَى أَن تُوُفِّيَ، قَالَ الخَلِيفَةُ المُعتَصِمُ لِلجَلَّادِينَ تَقَدَّمُوا فَنَظَرَ إِلَى السِّيَاطِ فَقَالَ: ائتُوا بِغَيرِهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُم: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمَ فَضَرَبَنِي سَوطَينِ ثُمَّ تَنَحَّى فَلَم يَزَل يَدعُو وَاحِدًا بَعدَ وَاحِدٍ فَيَضرِبُنِي سَوطَينِ وَيَتَنَحَّى، ثُمَّ قَامَ حَتَّى جَاءَنِي وَهُم مُحدِقُونَ بِهِ، فَقَالَ: وَيحَكَ يَا أَحمَدُ تَقتُلُ نَفسكَ، وَيحَكَ أَجِبنِي حَتَّى أُطلِقَ عَنكَ بِيَدِي. قَالَ أَحمَدُ: فَجَعَلَ بَعضُ المُعتَزِلَةِ الحَاضِرِينَ يَقُولُ لِي: وَيحَكَ إِمَامُكَ عَلَى رَأسِكَ قَائِمٌ-أَي أَنَّ الخَلِيفَةَ بِنَفسِهِ حَاضِرٌ عَلَيكَ يَا أَحمَدُ-، قَالَ أَحمَدُ: وَجَعَلَ يَعجَبُ وَيَنخَسُنِي بِقَائِمِ سَيفِهِ وَيَقُولُ: تُرِيدُ أَن تَغلِبَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُم، وَقَالَ بَعضُهُم لِأَحمَدَ: وَيلَكَ، الخَلِيفَةُ عَلَى رَأسِكَ قَائِمٌ: قَالَ أَحمَدُ: ثُمَّ يَقُولُ بَعضُهُم: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ دَمُهُ فِي عُنُقِي، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ الخَلِيفَةُ فَجَلَسَ عَلَى الكُرسِيِّ ثُمَّ قَالَ لِلجَلَّادِ: أَدنِهِ شُدَّ – قَطَعَ اللهُ يَدَكَ – ثُمَّ لَم يَزَل يَدعُو بِجَلَّادٍ بَعدَ جَلَّادٍ فَيَضرِبُنِي سَوطَينِ وَيَتَنَحَّى وَهُوَ يَقُولُ لَهُ شُدَّ قَطَعَ اللهُ يَدَكَ، ثُمَّ قَامَ لِي الثَّانِيَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا أَحمَدُ أَجِبنِي. وَقَالَ بَعضُهُم لِأَحمَدَ: مَن صَنَعَ بِنَفسِهِ مِن أَصحَابِكَ فِي هَذَا الأَمرِ مَا صَنَعتَ؟ هَذَا يَحيَى بنُ مَعِينٍ وَهَذَا أَبُو خَيثَمَةَ، وَجَعَلَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ مَن أَجَابَ وَجَعَلَ الخَلِيفَةُ يَقُولُ: وَيحَكَ أَجِبنِي قَالَ أَحمَدُ: فَجَعَلتُ أَقُولُ نَحوًا مِمَّا كُنتُ أَقُولُ لَهُم، قَالَ: فَرَجَعَ فَجَلَسَ ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ لِلجَلَّادِ: شُدَّ، قَالَ أَحمَدُ: فَذَهَبَ عَقلِي وَمَا عَقَلتُ إِلَّا وَأَنَا فِي حُجرَةٍ طُلِقَ عَنِّي الأَقيَادُ، فَقَالَ إِنسَانٌ مِمَّن حَضَرَ: إِنَّا كَبَبنَاكَ عَلَى وَجهِكَ وَطَرَحنَا عَلَى ظَهرِكَ سَارِيَةً وَدُسنَاكَ، قَالَ أَبِي: فَقُلتُ: مَا شَعَرتُ بِذَلِكَ. ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى رَجُلٍ مِمَّن يَعرِفُ بِأَحوَالِ مَن يُضرَبُ وَيُعالِجُ النَّاسَ لِيُعَالِجَ أَحمَدَ فَنَظَرَ إِلَيهِ، فَقَالَ لِمَن مَعَهُ: وَاللهِ لَقَد رَأَيتُ مَن ضُرِبَ أَلفَ سَوطٍ مَا رَأَيتُ ضَربًا أَشَدَّ مِن هَذَا، صَابِرٌ لِذَلِكَ يَحمَدُ اللهَ فِي ذَلِكَ فَيَرَاهُ مِنهُ، وَلَم يَزَل يَتَوَجَّعُ مِن مَوَاضِعَ مِنهُ وَكَانَ أَثَرُ الضَّربِ بَيِّنًا فِي ظَهرِهِ إِلَى أَن تُوفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ. 

وَفِي بَعضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ الخَلِيفَةُ: وَقَرَابَتِي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا رَفَعتُ عَنهُ السَّوطَ حَتَّى يَقُولَ القُرآنُ مَخلُوقٌ. ثُمَّ دَعَا بِجَلَّادٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو الدَّنِّ فَقَالَ: فِي كَم تَقتُلُهُ؟ قَالَ: فِي خَمسَةٍ أَو عَشَرَةٍ أَو خَمسَ عَشرَةَ أَو عِشرِينَ، فَقَالَ: اقتُلهُ فَكُلَّمَا أَسرَعتَ كَانَ أَخفَى لِلأَمرِ، ثُمَّ قَالَ: جَرِّدُوهُ، قَالَ: فَنُزِعَت ثِيَابُهُ، وَوَقَفَ بَينَ الخَشَبَتَينِ وَتَقَدَّمَ أَبُو الدَّنِّ فَضَرَبَهُ بِضعَةَ عَشَرَ سَوطًا فَأَقبَلَ الدَّمُ مِن أَكتَافِهِ إِلَى الأَرضِ، وَكَانَ أَحمَدُ ضَعِيفَ الجِسمِ، فَقَالَ إِسحَاقُ بنُ إِبرَاهِيمَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِنَّهُ إِنسَانٌ ضَعِيفُ الجِسمِ، فَقَالَ: قَد سَمِعتَ قَولِي: وَقَرَابَتِي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا رَفَعتُ السَّوطَ عَنهُ حَتَّى يَقُولَ كَمَا أَقُولُ. فَخُلِّيَ عَنهُ بَعدَ مُناظَرَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ المُعتَزِلَةِ وَخَرَجَ، وَلَقِيَ نَاسًا كُثُرًا عَلَى البَابِ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ عِندَمَا خَرَجَ: مَا قُلتَ يَا أَبَا عَبدِ اللهِ حَتَّى نَقُولَ، قَالَ: وَمَا عَسَى أَن أَقُولَ اكتُبُوا يَا أَصحَابَ الأَخبَارِ وَاشهَدُوا يَا مَعشَرَ العَامَّةِ أَنَّ القُرآنَ كَلَامُ اللهِ غَيرُ مَخلُوقٍ. قَالَ أَحمَدُ بنُ الفَرَجِ: وَكُنتُ أَنظُرُ إِلَى أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ وَالسَّوطُ قَد أَخَذَ كَتِفَيهِ وَعَلَيهِ سَرَاوِيلُ فِيهِ خَيطٌ فَانقَطَعَ الخَيطُ وَنَزَلَ السَّرَاوِيلُ فَلَحَظتُهُ وَقَد حَرَّكَ شَفَتَيهِ فَعَادَ السَّرَاوِيلُ كَمَا كَانَ فَسَأَلتُهُ عَن ذَلِكَ بَعدَ أَنِ انقَضَتِ الفِتنَةُ، فَقَالَ: نَعَم إِنَّهُ لَمَّا انقَطَعَ الخَيطُ قُلتُ: اللَّهُمَّ إِلَهِي وَسَيِّدِي لَا تَهتِكَنِي عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ، فَعَادَ السَّرَاوِيلُ كَمَا كَانَ. 

وَرَوَى البَيهَقِيُّ وَابنُ الجَوزِيِّ عَن أَحمَدَ بنِ سِنَانٍ أَنَّ المُعتَصِمَ نَظَرَ عِندَ ضَربِهِ إِيَّاهُ إِلَى شَيءٍ مَصرُورٍ فِي كُمِّهِ، فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ هَذَا؟ قَالَ: شَعرٌ مِن شَعرِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَاتِهِ، وَأَخذَهَا مِنهُ. ثُمَّ قَالَ أَحمَدُ بنُ سِنَانٍ: كَانَ يَنبَغِي أَن يَرحَمَهُ عِندَمَا رَأَى شَعرَةً مِن شَعرِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ فِي تِلكَ الحَالِ.

قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: ثُمَّ خُلِّيَ عَنهُ، فَصَارَ إِلَى مَنزِلِهِ. وَكَانَ مُكثُهُ فِي السِّجنِ مُنذُ أُخِذَ إِلَى أَن ضُرِبَ وَخُلِّيَ عَنهُ ثَمَانِيَةً وَعِشرِينَ شَهرًا. قَالَ حَنبَلٌ: سَمِعتُ أَبَا عَبدِ اللهِ يَقُولُ: ذَهَبَ عَقلِي مِرَارًا، فَكَانَ إِذَا رُفِعَ عَنِّيَ الضَّربُ، رَجَعَت إِلَيَّ نَفسِي، وَإِذَا استَرخَيتُ وَسَقَطتُ رُفِعَ الضَّربُ، أَصَابَنِي ذَلِكَ مِرَارًا. وَرَأَيتُهُ -يَعنِي المُعتَصِمَ- قَاعِدًا فِي الشَّمسِ بِغَيرِ مِظَلَّةٍ، فَسَمِعتُهُ – وَقَد أَفَقتُ – يَقُولُ لِابنِ أَبِي دُؤَادٍ: لَقَدِ ارتَكَبتُ إِثمًا فِي أَمرِ هَذَا الرَّجُلِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّهُ وَاللهِ كَافِرٌ مُشرِكٌ. فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَصرِفَهُ عَمَّا يُرِيدُ. قَالَ المَرُّوذِيُّ لِأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: يَا أُستَاذُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ولَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُم﴾. قَالَ: يَا مَرُّوذِيُّ، اُخرُج وَانظُر. فَخَرَجتُ إِلَى رَحبَةِ دَارِالخِلَافَةِ، فَرَأَيتُ خَلقًا لَا يُحصِيهِم إِلَّا اللهُ وَالصُّحُفُ فِي أَيدِيهِم وَالأَقلَامُ وَالمَحَابِرُ، فَقَالَ لَهُمُ المَرُّوذِيُّ: مَاذَا تَعمَلُونَ؟ قَالُوا: نَنظُرُ مَا يَقُولُ أَحمَدُ فَنَكتُبُه. فَدَخَلَ فَأَخبَرَهُ فَقَالَ: يَا مَرُّوذِيُّ، أُضِلُّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُم؟

  • حَالُهُ بَعدَ اِنفِكَاكِ المِحنَةِ عَنهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ

بَعدَ الإِفرَاجِ عَن الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعَثَ لَهُ الوَالِي: اِلزَم بَيتَكَ وَلَا تَخرُج إِلَى جُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ وَإِلَّا نُنزِلُ بِكَ مَا نَزَلَ بِكَ مِنَ العَذَابِ سَابِقًا. قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ: وسَمِعتُهُ يَقُولُ: وَقَد جَعَلتُ أَبَا إِسحَاقَ يَعنِي المُعتَصِمَ فِي حِلٍّ عَلِمتُ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَليَعفُوا وَليَصفَحُوا، أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللهُ لَكُم﴾ وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكرٍ بِالعَفوِ فِي قِصَّةِ مِسطَحٍ. قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ: وَمَا يَنفَعُكَ أَن يُعَذِّبَ اللهُ أَخَاكَ المُسلِمَ بسَبَبِكَ؟!! وَكَانَ المُعتَصِمُ أَمَرَ أَن لَا يُقطَعَ عَنهُ خَبَرُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تُرِكَ عِندَ الإِيَاسِ مِنهُ. وَقِيلَ: إِنَّ المُعتَصِمَ نَدِمَ مِن ضَربِهِ أَحمَدَ بنَ حَنبَل. قَالَ صَالِحُ بنُ أَحمَدَ: وَكَانَ قَد أَدمَنَ الصَّومَ لَمَّا قَدِمَ وَجَعَلَ لَا يَأكُلُ الدَّسَمَ، وَتَوَهَّمتُ أَنَّهُ قَد كَانَ جَعَلَ عَلَى نَفسِهِ أَن يَفعَلَ ذَلِكَ إِن سَلِمَ، وَكُنتُ أَنَامُ بِاللَّيلِ إِلَى جَنبِهِ فَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً حَرَّكَنِي فَأُنَاوِلُهُ وَجَعَلَ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَلَم يَئِنَّ إِلَّا فِي اللَّيلَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَلَم يَزَل يُصَلِّي قَائِمًا أُمسِكُهُ فَيَركَعُ وَيَسجُدُ وَأَرفَعُهُ وَاجتَمَعَت عَلَيهِ أَوجَاعُ الخَصرِ وَغَيرُ ذَلِكَ وَلَم يَزَل عَقلُهُ ثَابِتًا،

 فَلَمَّا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ لِاثنَتَي عَشرَةَ لَيلَةً خَلَت مِن رَبِيعٍ الأَوَّلِ لِسَاعَتَينِ مِنَ النَّهَارِ تُوُفِّيَ رَحمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِ. قَالَ الحَسَنُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ: دَخَلتُ أَنَا وَالحَارِثُ بنُ مِسكِينٍ عَلَى أَحمَدَ بَعدَ ضَربِهِ، فَقَالَ لَنَا: ضُرِبتُ فَسَقَطتُ وَسَمِعتُ ذَاكَ – يَعنِي ابنَ أَبِي دُؤَادٍ- يَقُولُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، هُوَ وَاللهِ ضَالٌّ مُضِلٌّ. فَقَالَ لَهُ الحَارِثُ: أَخبَرَنِي يُوسُفُ بنُ عُمَرَ عَن مَالِكٍ أَنَّ الزُّهرِيَّ سُعِيَ بِهِ حَتَّى ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، وَقِيلَ: عُلِّقَت كُتُبُهُ فِي عُنُقِهِ. ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: وَقَد ضُرِبَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَحُلِقَ رَأسُهُ وَلِحيَتُهُ وَضُرِبَ أَبُو الزِّنَادِ وَضُرِبَ مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ وَأَصحَابٌ لَهُ بِالسِّيَاطِ. وَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ نَفسَهُ، فَأُعجِبَ أَحمَدُ بِقَولِ الحَارِثِ. قَالَ مَكِّيُّ بنُ عَبدَانَ: ضَرَبَ جَعفَرُ بنُ سُلَيمَانَ مَالِكًا تِسعِينَ سَوطًا، وَرُوِيَ عَن بَعضِ الجَلَّادِينَ الَّذِينَ جَلَدُوهُ قَالَ: لَقَد ضَرَبتُ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ ثَمَانِينَ سَوطًا لَو ضَرَبتُهُ عَلَى فِيلٍ لَهَدَّتهُ.اهـ 

  • حَالُ الَّذِينَ عَادَوهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ

إِنَّ الَّذِينَ عَادَوا أَحمَدَ رَحِمَهُ اللهُ وَأَثَارُوا هَذِهِ الفِتنَةَ بَينَ أَيدِي الخُلَفَاءِ نُكِّلَ بِهِم فِي الدُّنيَا قَبلَ الآخِرَةَ وَرَأَوا أَصنَافَ العَذَابِ، أَمَّا ابنُ أَبِي دُؤادٍ فَقَد ضَرَبَه اللهُ بِالفَالِجِ، وَأَمَّا ابنُ الزَّيَّاتِ فَأُقعِدَ فِي تَنُّورٍ مِن حَدِيدٍ وَسُمِّرَ بَدَنُهُ بِمَسَامِيرَ، وَأَمَّا إِسحَاقُ فَأَقبَلَ يَعرَقُ عَرَقًا مُنتِنًا حَتَّى هَرَبَ مِنهُ الحَمِيمُ وَالقَرِيبُ، وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ أَحمَدَ يَقُولُ: سَمِعتُ أَبِي يَقُولُ: قُولُوا لِأَهلِ البِدَعِ بَينَنَا وَبَينَكُمُ الجَنَائِزُ. وَقَد صَدَقَ اللهُ قَولَهُ فِي هَذَا فَإِنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ كَانَ إِمَامَ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَعُيُونُ مُخَالِفِيهِ كَأَحمَدَ بنِ أَبِي دُؤَادٍ قَاضِي المُعتَزِلَةِ لَم يَحتَفِل أَحَدٌ بِمَوتِهِ وَلَا شَيَّعَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا القَلِيلُ.