بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
ما هو الاعتكاف؟
- لُغةً: اللُّبث
- شرعًا: اللُّبث بِمَسجد مِن شخصٍ مخصُوصٍ بِنِيَّة
متى يُشرع الاعتكاف؟
يُسَنُّ الاعتكاف كلَّ وَقتٍ لِعمُومِ الأَدِلَّة.
وَفِي عَشرِ رمضان الأَخِير أَفضَلُ مِنهُ فِي غَيره لِمُوَاظَبَته ﷺ على الاعتِكَاف فِيه كمَا فِي خَبر الشيخين وَقَالُوا فِي حِكمَتِه أنَّه لِطَلب لَيلةِ القَدرِ.
ما هي أركان الاعتكاف؟
معتكف
وشرطه:
- إسلام
- عقل
- خلو عن حدث أكبر أي جنابة وحيض ونفاس
- فلا يصح اعتكاف من اتصف بضد شيء منها لحرمة مكث من به حدث أكبر بالمسجد.
مسجد
فلا يصح في غيره ولو كان مُهَيَّئًا للصلاة، والجامع – أي المسجد الذي تقام فيه الجمعة – أَولَى مِن بَقِيَّةِ المساجد لكثرة الجماعة فيه ولئلا يحتاج إلى الخروج للجمعة يوم الجمعة.
لُبث
أي إقامة تُسَمَّى لُبثًا ولو بلا جلوسٍ بحيث يكون زمنها فوق زمن الطمأنينة في الركوع ونحوه فيكفي التردد فيه ولا يكفي المرور بلا لبث، فلو نذر اعتكافا مطلقا كفاه لحظة.
ونية
كغيره من العبادات، وإن نذر الاعتكاف وجب أن ينوي الفرضية أي يقول في النية: (نويت فرض الاعتكاف عن نذر كذا) ليتميز عن النفل.
وإن أطلق الاعتكاف أي لم يُقّدِّر له مدة فيكفي أن يقول: (نويت الاعتكاف) وإن طال مكثه، لكن لو خرج من المسجد ولم ينوِ العودة ثم عاد جدد النية، سواء أَخرج لقضاء الحاجة أم لغيره، فإن نوى العودة عند الخروج فلا يشترط أن يجدد النية.
ما هي مبطلات الاعتكاف؟
- الجنون: واختار بعضهم أنه لا ينقطع بالجنون لكن لا تحسب مدة الجنون من الاعتكاف.
- والإغماء: واختار بعضهم أنه لا ينقطع بالإغماء، وتحسب مدة الإغماء من الاعتكاف كالنوم.
- والسكر: لأنه يزول عقله به.
- والحيض: أن كانت المدة لا تخلو عنه كأن اعتكفت المرأة شهرا، أما لو اعتكفت أسبوعا فتختار مدة ما فيها حيض.
- والردة: لأنه ما عاد مسلما، فيفسد اعتكافه كباقي العبادات.
- والجنابة التي تُفَطِّر الصائم: كان جامع أو استمنى أو قبل زوجته فأنزل المني، أما التي لا تُفَطِّر الصائم فلا ينقطع الاعتكاف بها لكن عليه الإسراع إلى الطهر، فإن لم يُسرِع إلى الطهر انقطع الاعتكاف.
- والخروج من المسجد بلا عذر
- وَلَا يَضُرُّ التزيُّنُ كَوَضعِ الطِّيبِ وَلُبسِ ثِيَابِ زينة وتسريح شَعَر.
- وَلَا يَضُرُّ الفِطرُ، بَل يَصِح اعتِكَاف اللَّيلِ وحدَه، لِحَدِيثِ: “لَيسَ عَلَى المُعتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَن يَجعَلَهُ عَلَى نَفسِهِ” رَوَاهُ الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
أعذار الخروج من المسجد في الاعتكاف
يَنقطع الاعتكاف بخروجه من المسجد بلا عذر بخلاف خروجِ بعضِهِ كرأسٍ وَيَدٍ.
لكن هناك أعذار لا ينقطع الاعتكاف بخروجه:
- كالتبرز ولو بدار له إن لم تكن بعيدة عن المسجد جدا أو كانت بعيدة ولم يجد بطريقه مكانا لائقا به فلا ينقطع الاعتكاف به.
- ولا ينقطع بخروجه لمرض ولو جنونا أو إغماء إن كان يحتاج إلى الخروج بأن يَشُقَّ معه البقاء في المسجد لِأنه يحتاج إلى فَرشٍ وَخَادِم وتَرَدُّد إلى طَبِيبِ أو بأن يخاف منه تلويث المسجد كإسهال وإِدرَارِ بول بخلاف مرض لا يحوج إلى الخروج كصداع وحمى خفيفة فينقطع الاعتكاف بالخروج له.
- ومثل المرض الخوفُ مِن لص أو حريق أو خرج ناسيا لاعتكافه وإن طال زمنه.
فائدة الاعتكاف وثمرته
إنَّ الثَّوابَ في الطَّاعات يَكُون بِإخلَاص النِّيَّة فيها للهِ تعَالى، وهَذَا يَحتَاج إلى صَلَاح القَلبِ ونَقَائِه.
ومِن أكثَرِ مَا يُفسِدُ القَلبَ المُلهِيَاتُ والشَّواغِلُ التِي تَصرِفُه عن الإِقبَال على طَاعَة الله عزَّ وجَلَّ التِي تُفسِد القَلب، فَيُؤَثِّر ذَلِك على عَمَل العَبدِ للطَّاعَة.
والاعتِكَافُ فِيهِ سِرٌّ عَظِيم، وَفيه حِمَايةُ العَبدِ مِن ءاثَارِ هَذِه الشَّواغِل والمُلهِيات المُفسِدَات، فيُقبِل على طَاعَة اللهِ تعَالى بِالقِيام وقِرَاءَة القُرءان والذِّكِر والدُّعاء ونَحوِ ذَلك.
بعض ما كان يفعله رسول الله ﷺ في الاعتكاف
كَان ﷺ إِذَا أَرادَ أَن يَعتَكِف وُضِعَ له سَرِيرُه وفِرَاشُه في مَسجِدِه ﷺ.
وَكَان النَّبي ﷺ يُضرَبُ لَه خِبَاء أي يُنصَب له خَيمَة فِي المَسجِد، فَيَمكُث فِيه في غَيرَ أَوقَات الصَّلَاة.
وكان ﷺ يُؤتَى إِلَيهِ بِطَعامِه وَشَرابِه إلى مُعتَكَفِه.
مقاصد الاعتكاف
- تَحَرِّي لَيلَةِ القَدرِ.
- الانقِطَاع التَّامُّ إلى العِبَادَة مِن صَلَاةٍ ودُعَاءٍ وذِكرٍ وقِرَاءَة قُرءَانٍ.
- حِفظُ الصِّيَام مِن كُلِّ مَا يُؤَثِّر عَلَيه مِن حُظُوظ النَّفسِ والشَّهَوات.
- التَّقلِيلُ مِن المُباحِ مِنَ الأُمُور الدُّنيَوِيَّة والزُّهدِ فِي كَثِير مِنهَا.
ءاداب الاعتكاف
- يُستَحَبُّ للمُعتَكَف الاشتِغَال بِالصَّلاة وتِلَاوةِ القُرءَان وذِكرِ اللهِ تَعالى ونَحوِ ذَلِك مِن الطَّاعَات.
- وَيُستَحَب لَه اجتِنَاب مَا لَا فَائِدَة فِيه مِنَ الأَقوَال وَالأَفعَال فَلَا يُكثِر الكَلَام لِأَنَّ مَن كَثُر كَلامُه كَثُر سَقطُه.
- بَعضُ النَّاسِ يَعُدُّونَ الاعتِكَاف فُرصَةَ خَلوَةٍ بِبَعضِ أصحَابِهِم وأَحبَابِهم وَتَجَاذُب أطرَافِ الحَديثِ مَعَهُم، لَا حَرَجَ فِي أَن يَعتَكِف جَمَاعةٌ مَعًا فِي مَسجِدٍ، فقَد اعتَكَف أزوَاجُ النَّبِي ﷺ مَعَه، فَلا حَرَج أن يَعتَكِف الشَّخصُ مَعَ صَاحِبِه أَو قَرِيبِه، ولَكِن لا يَجعَلِ الاعتِكَاف فُرصَةً لِلسَّمَر والسَّهَر والقِيلِ وَالقَالِ ومَا شَابَه ذَلِك، بَل يَنبَغِي أَن يَكُونَ ذَلِك لِيُشَجِّعَ الصَّاحِب صَاحِبَه عَلى الطَّاعَة لَا أَن يُلهِيَه عَنهَا.
- وَبَعضُ النَّاسِ يَترُكُ عَمَلَه وَوَظِيفَتَه كَي يَعتَكِف، وَهَذَا لَا يَنبَغِي، بَل إِذَا كَان عِندَه زَوجَةٌ وَأَولَاد يَجِب عَلَيه أَن يُنفِقَ عَليهِم فَيَحتَاج إِلى العَمَل، إِن لَم يَكُن لَه مَالٌ يُنفِقُ عَلَيهِم مِنهُ، أَو إِذَا استَطَاع أَن يَجعَل الاعتِكَاف فِي إِجازَةٍ مِن عَمَلِه، أَو رُخصَةٍ مِن صَاحِب العَمَل فَهذَا خَيرٌ عَظِيمٌ.
الجوانب التربوية للاعتكاف
- يُدَرِّبُ الاعتِكَافُ العَبدَ عَلَى القِيَام بِالطَّاعَات والعِبَادَة الَّتِي مِن أَجلِها خُلِق الإنسَان، حَيثُ إِنَّ المُعتَكِف قَد وَهَب نَفسَه كُلَّها وَوَقتَه كُلَّه يُطِيعُ وَيَعبُد الله عزَّ وَجَلَّ، فَهُو يَشغَلُ بَدَنه وحَوَاسَّه وَوقتَه بالصَّلَاة مِن فَرضٍ ونَفلٍ والدُّعَاءِ والذِّكرِ وقِرَاءَة القُرءَان الكَرِيمِ وَغَيرِ ذَلِك مِن أَنوَاعِ الطَّاعَاتِ.
- تَحَرِّي لَيلَةِ القَدرِ، وهُو مِن أَهَمِّ المَقَاصِد.
- تَعَوُّدُ المُكثِ فِي المَسجِد، فَكَثرَةُ المُكثِ فِي المَسجِد تُعَلِّق قَلبَ العَبدِ بِه.
- الإقلَاعُ عَن كَثِيرٍ مِن العَادَات القَبِيحَة، إِذ إِنَّ جُلُوسَ الشَّخصِ وَحدَه فِي المَسجِدِ مُنقَطِعًا عَن كَثِيرٍ مِن مُلهِيَات الدُّنيَا الفَاسِدَة يَحمِيهِ مِن الانخِرَاطِ فِي العَادَات القَبِيحَة التِي انتَشَرَت بَينَ النَّاسِ.
تنبيه مهم
يَنبَغِي عَلى الشَّخصِ إن كَانَ عِندَه عِلمٌ دِينِي وَيَحتَاجُه النَّاسُ لِتَعلِيمِهم أَن لَا يَنقَطِع عَنهُم، بَل لَا بُد أَن يُعَلِّمَهُم أَمرَ دِينِهِم، فَهذَا وَاجِبٌ عَلَيه، فَلا يَنشَغِل بِالانقِطَاع لِلعِبَادِة عَن هَذَا الوَاجِب إِذَا كَانَت الحَاجَةُ دَاعِيَةً إلى خُرُوجِه لِلنَّاسِ.
وَاللهُ أَعلَم وَأَحكَم، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.