الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
يقول الله تبارك وتعالى:
قال تعالى
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ
فوائد الزيت والزيتون
الله تعالى أقسم بهذه الأشياء لِعُظمِ منافعهما، فمن منافعهما ما نعرف ومن منافعهما ما لا نعرف، لكن نحن علينا أن نعتقد أن لهما شأنًا عظيمًا
قال رسول الله ﷺ
كلوا الزيت وادَّهِنُوا بِه، فإنَّه مِن شَجَرةٍ مباركة
رواه النسائي
وأجودُ الزيتِ زيتُ بيتِ المقدِس ثم ما كان قريبًا من بيت المقدس، وهذا لِوصف الله له من شدة صَفائِه بأنَّه يَكادُ يُضئُ ولو لم تَمسَسهُ نار
قال المُلَّا عَلي القاري في المرقاة: “كلوا الزيت” أي مع الخبز واجعلوه إدامًا “وادَّهنوا به” أمرٌ مِن الدِّهان بتشديدِ الدالِ وهو استعمالُ الدُّهن ولا يخفى أنَّه لا يختص بالرأس، والأمرُ للاستِحبَاب لِمَن قَدَر عليه، فإنه أي الزيتُ يحصرُ مِن شجرةٍ مباركة يعني {زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ } ثم وصفها بالبركة لكثرة منافعها وانتفاع أهل الشام بها، والأظهرُ لكونها تنبتُ في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين.
قيل بارك فيها سبعون نبيًّا منهم إبراهيم عليه السلام وغيره، ويلزمهُ من بركة هذه الشجرة بركةُ ثمرتِها وهي الزيتون وبركةُ ما يخرج منها وهو الزيت، كيف لا وفيها التأدُّمُ والتدهُّنُ وهُما نعمتانِ عظيمتان وفيه تسريج القِندِيل في المساجد الثلاثةِ فما أبركها زمانًا ومكانًا.
قال رسول الله ﷺ
عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون، فَتَدَاوَوا بِه فإنَّه مصحة من الباسور
رواه الطبرانيُّ وأبو نُعيمٍ عن عقبة بن عامر
والباسور عِلةُ معروفةُ والجمعُ البَواسِير كذا في القاموس.
والقناديل في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ما كانت تُسرَّج في المسجد، إنما أوَّل مَن وضع القِنديل في المسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت تُسرج القناديل بزيت الزيتون فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه نَّوّرَ الله قبرك كما نَّوّرتَ مساجدنا، قبل ذلك كانوا يُصلّون في الظلام، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتهجد في الليل في الظلام، وكانت عائشةُ تكونُ معترضة بينه وبين القبلة وهي نائمة فعندما يسجد يَغمِز رجلها حتى تُزِيح رِجلَها عن قِبلَته، ما كان عندهم ضوء ما كانوا يُسرِّجون القناديل، إنما أيامَ عُمَرَ صارَت الفُتُوحاتُ الإسلاميةُ كثيرةً فكانوا يجلِبون للمسلمين الزيتَ مِن بِرَّ الشام مِن هذا الزيت صاروا يُشعِلون المَصابيحَ، أمَّا قبلَ ذلك كانوا يُصَلُّونَ المغرِب والعِشاء والتهجُّد بالليل في الظلام، وكانوا فقط يُشعِلون الحطَب لِبعض الحاجات لأنَّ برد الحِجاز شديدٌ فكانُوا يُشعِلون الحطب ليَتَدَفَّؤوا، ومِن هنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم “بَشِّر المَشَّائِين فِي الظُّلم إلى المَساجد بالنُّور التامِّ يوم القيامة” رواه البخاري ومسلم والتّرمذيُّ والطبراني، وسبحان الله والحمدُ لله ربِّ العالمين، والله تعالى أعلم وأحكم.
شيء في أحكام زكاة الزيت والزيتون
اعلم أنه تجب زكاة الزيت والزيتون، وفي ما يلي بيان القدر المخرج وكيفية إخراجه:
قال النووي في شرح المهذب: (قال الشافعي – رضي الله عنه – في [المذهب] القديم: إنْ أخرج زيتوناً جاز لأنه [في] حالة الادخار (أي يمكن ادخاره فيها)، قال [الشافعي]: وأُحِبُّ أنْ أخرج عُشرَه زَيتاً لأنَّه نهاية ادخاره، ونقل الأصحاب عن ابنِ المرزباني من أصحابنا أنه حكى في جواز إخراج الزيتون وجهين (يعني قال هناك وجهان في جواز إخراج الزكاة زيتونا بعضهم قال يجوز وبعضهم قال لا يجوز بل يخرج الزيت فقط ولا يخرج الزيتون)، قال الشيخ أبو حامد [الغزالي] وسائر الأصحاب هذا غلط من ابن المرزباني والصواب ما نص عليه في القديم وهو أنه يجوز أن يخرج زيتا أو زيتونا أيهما شاء) اهـ.
قال النووي في كتابِ المجموع: (أصح الأوجه عند الأصحاب – وهو نصه في القديم – أنه مُخيَّر إنْ شاء أخرج زيتًا، وإن شاء أخرج زيتونًا، والزيت أولى، كما نصَّ عليه).
أما بالنسبة للقدر المُخرَج، فنِصَابُ الزيتُون الذي تجبُ فيه الزكاة خمسةُ أوسق عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة في الزروع والثمار، فإذا كان الزيتون أقلَّ مِن خمسة أوسق لم يكن فيه زكاة، وإذا كان خمسة أوسق فما فوق وجبت فيه الزكاة، ودليل ذلك الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ” رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، والوَسَقُ: ستون صاعًا، والصَّاعُ: أربعة أمدَاد، والمُدُّ: ملءُ الكفين المعتدلتين.
والمعتبر في ذلك وزنُ الزيتون، وليس الزَّيت، يقول النووي رحمه الله: (إنْ قُلنا بالقديم أن الزكاة تجب في الزيتون فيعتبر النصاب زيتونًا لا زيتًا، هذا هو المذهب، وبه قطع القاضي حسين والجمهور، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه).
مقدار الزكاة الواجبة في الزيتون
الزكاة الواجبة هي العُشر إذا كان سُقي بماء السماء أي المطر، ونصفُ العُشر إذا سقي نضحًا، أي من مال المالك، وذلك سواءً كان المُخرَج زيتًا أو زيتونًا فيُخرِج عُشر الزيت بعد عصره أو عُشر الزيتون، وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِي بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ” رواه البخاري.
فالأولَى والأفضَل أنْ تُخرَج الزكاة مِن جنس المُزكَّى، ويجوز إخراجها نقدًا تيسيرًا على الناس، وتحقيقًا لمصلحة الفقراء، كما هو مذهب الحنفية، حيث قال في كتاب الاختيار لتعليل المختار: (يَجُوزُ فِيهَا – أي الزكاة – دفعُ القيمة).
والله تعالى أعلَم وأحكَم، والحمد لله رب العالمين.