حادثة الإفك وتبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها

صورة لمقال يتكلم عن حادثة الإفك وتبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلدَةً وَلَا تَقبَلُوا لَهُم شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾، [سورة النور: 4].

إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد عَظَّمَ قَدرَ الأَنبِيَاءِ، وَعَصَمَهُم عَن كُلِّ مَا يَشِينُ جَانِبَهُمُ الكَرِيمَ، وَلَم يَجعَل لِلسُّفَهَاءِ عَلَيهِم زَلَّةً أَو عَورَةً تَقدَحُ فِي مَنصِبِهِمُ الرَّفِيعِ الشَّرِيفِ، فَحَفِظَ وَعَصَمَ زَوجَاتِهِم مِنَ الخِيَانَةِ فِي الفُرُوجِ، لَاسِيَّمَا أَزوَاجَ النَّبِيِّ الطَّاهِرِ ﷺ اللَّاتِي سَمَّاهُنَّ اللهُ فِي كِتِابِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ.

وَقَد حَصَلَ فِي السَّنَةِ الخَامِسَةِ حَادِثَةُ الكَذِبِ وَالِافتِرَاءِ عَلَى السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا المُسَمَّاةُ بِحَادِثَةِ الإِفكِ، فَاتَّهَمَ بَعضُ السُّفَهَاءِ المُنَافِقِينَ أُمَّنَا الطَّاهِرَةَ الصِّدِّيقَةَ بِنتَ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ بِنتَ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ بِالفَاحِشَةِ، وَتَكَلَّمَ فِي هَذَا بَعضُ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ مِن ذَلِكَ بَرَاءٌ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى بَرَاءَتَهَا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، وَقَد وَرَدَ فِي قِصَّةِ الإِفكِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَابنُ حِبَّانَ فِي الصِّحَاحِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَحمَدُ فِي المُسنَدِ وَغَيرُهُم.

تنبيه مهم

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعضَ الظَّنِّ إِثمٌ﴾، [سورة الحجرات: 12].

وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “إِيَّاكُم ‌وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ“، رَوَاهُ البُّخَارِيُّ.

وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “بِحَسبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَن ‌يَحقِرَ ‌أَخَاهُ ‌المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ“.

وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ أَتقَى النَّاسِ وَأَعلَمُ النَّاسِ بِمَا أَوجَبَ اللهُ وَمَا حَرَّمَ، وَهُوَ أَعلَمُ النَّاسِ بِعِصمَةِ الأَنبِيَاءِ وَنِسَاءِهِم مِنَ الفَاحِشَةِ، فَلَا يَجُوزُ اعتِقَادُ أَنَّ الرَّسُولَ شَكَّ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَارَبَتِ الزِّنَا قَطُّ، وَلِيُعلَم أَنَّهُ لَيسَ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ مُنَافِقًا حَقِيقِيًا، بَل كَانَ بَعضُهُم مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ الذِينَ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ وَكَفَّرَ اللهُ عَنهُم ذَنبَهُم.

بداية القصة مبسطة الألفاظ

قَالَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقرَعَ بَينَ أَزوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهمُهَا لِلخُرُوجِ خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَت عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَأَقرَعَ بَينَنَا لِلخُرُوجِ فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا بِنَفسِهِ وَهِيَ غَزوَةُ بَنِي المُصطَلِقِ فَخَرَجَ فِيهَا سَهمِي عَلَيهِنَّ، فَخَرَجتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَمَا أُنزِلَ الأَمرُ بِالحِجَابِ، أَي حِجَابِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَن رُؤيَةِ الرِّجَالِ لَهُنَّ، فَأَزوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ كَانَ قَبلَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُنَّ أَن يَكشِفنَ وُجُوهَهُنَّ، فَنَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحيُ بِإِيجَابِ سَترِ وُجُوهِهِنَّ، وَهَذَا لِأَزوَاجِهِ فَقَط، وَأَمَّا غَيرُهُنَّ فَلَم يَفرِضِ اللهُ عَلَيهِنَّ هَذَا.

قَالَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَكُنتُ أُحمَلُ فِي هَودَجِي وَأُنزَلُ فِيهِ، فَسِرنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن غَزوَتِهِ تِلكَ وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ، نَزَلَ مَنزِلًا فَبَاتَ بِهِ بَعضَ اللَّيلِ ثُمَّ أَعلَمَ بِالرَّحِيلِ، فَقُمتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيتُ مُنفَرِدَةً لِقَضَاءِ حَاجَةٍ لِي حَتَّى جَاوَزتُ الجَيشَ، فَلَمَّا قَضَيتُ شَأنِيَ الَّذِي تَوَجَّهتُ بِسَبَبِهِ أَقبَلتُ رَاجِعَةً إِلَى رَحلِي حَيثُ أُنزِلتُ، فَلَمَستُ صَدرِي، فَإِذا عِقدٌ لِي مِن خَرَزٍ قَدِ انسَلَّ مِن عُنُقِي وَانقَطَعَ وَأَنَا لَا أَدرِي، فَرَجَعتُ أَلتَمِسُ عِقدِي وَأَبحَثُ عَنهُ، فَمَكَثتُ فِي طَلَبِهِ.

مشهد رحيل الجيش بدونها

قَالَت عَائِشَةُ: وَأَقبَلَ الرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا يَرحَلُونَ بِي، فَاحتَمَلُوا هَودَجِي فَوَضَعُوهُ عَلَى ظَهرِ بَعِيرِي الَّذِي كُنتُ أَركَبُ عَلَيهِ فِي هَودَجِي وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِجمَالًا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ خِفَافًا لَسنَ ثَقِيلَاتِ الوَزنِ، لِأَنَّهُنَّ لَم يَثقُلنَ مِن سِمَنٍ وَلَم يَكثُر عَلَيهِنَّ اللَّحمُ فَيَركَبَ بَعضُهُ بَعضًا، وَإِنَّمَا كُنَّ يَأكُلنَ القَلِيلَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي يُسَكِّنُ الرَّمَقَ، فَلَم يَستَنكِرِ القَومُ الَّذِينَ يَحمِلُونَ الهَودَجَ خِفَّةَ الهَودَجِ حِينَ رَفَعُوهُ عَنِ الأَرضِ وَحَمَلُوهُ لِيَضَعُوهُ عَلَى ظَهرِ البَعِيرِ مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ لَيسَت فِيهِ، وَذَلِكَ لِخِفَّةِ جِسمِهَا فَإِنَّ الَّذِينَ يَحمِلُونَ هَودَجَهَا لَا يُفَرِّقُونَ بَينَ وُجُودِهَا فِيهِ وَعَدَمِهِ، وَهِيَ مَعَ نَحَافَتِهَا قَالَت: كُنتُ بِنتًا حَدِيثَةَ السِّنِّ أَي صَغِيرَةً، فَكَانَ ذَلِكَ أَبلَغَ فِي خِفَّتِهَا وَأَبعَدَ عَن أَن يَستَنكِرُوا الثِّقَلَ الَّذِي اعتَادُوهُ، فَسَارُوا بِالجَمَلِ مَعَ الجَيشِ، وَوَجَدتُ حِينَها عِقدِي، لَكِن كانَ ذَلِكَ بَعدَمَا استَمَرَّ الجَيشُ وذَهَبَ مَاضِيًا وَأَنَا لَا أَعلَمُ بِذَهَابِهِم.

فَإِن قِيلَ: لِمَ لَم تَستَصحِب عَائِشَةُ مَعَهَا غَيرَهَا، فَكَانَ أَدعَى لِأَمنِهَا مِمَّا يَقَعُ لِلمُنفَرِدِ، وَلَكَانَت عِندَمَا تَأَخَّرَت لِلبَحثِ عَنِ العِقدِ تُرسِلُ مَن رَافَقَهَا لِيَنتَظِرُوهَا إِن أَرَادُوا الرَّحِيلَ، فَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِن جُملَةِ مَا يُستَفَادُ مِن قَولِهَا (حَدِيثَةُ السِّنِّ) أَي أَنَّهَا لَم يَقَع لَهَا تَجرِبَةٌ فِي مِثلِ ذَلِكَ، وَقَد صَارَت بَعدَ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَت لِحَاجَتِهَا تَستَصحِبُ.

مشهد علمها برحيل الجيش بدونها

قَالَت عَائِشَةُ: فَجِئتُ حَيثُ كَانُوا يَنزِلُونَ، وَلَم يَكُن بَقِيَ مِنهُم فِي مَكانِ نُزُولِهِم أَحَدٌ، لَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَقَصَدتُ مَكَانَ نُزُولِي الَّذِي كُنتُ بِهِ فِي هَودَجِي، وَعَلِمتُ أَنَّهُم سَيَفقِدُونَنِي فَيَرجِعُونَ إِلَيَّ لِيَأخُذُونِي، فَبَينَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَكَانِ نُزُولِي فِي اللَّيلِ مُنفَرِدَةً غَلَبَتنِي عَينِي فَنِمتُ، وَيُحتَمَلُ أَن يَكُونَ سَبَبُ نَومِهَا شِدَّةَ الغَمِّ الَّذِي حَصَلَ لَهَا فِي تِلكَ الحَالَةِ، بِخِلَافِ الهَمِّ فَإِنَّهُ يَقتَضِي السَّهَرَ، أَو أَنَّهَا نَامَت بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهَا مِن بَردِ السَّحَرِ مَعَ رُطُوبَةِ بَدَنِهَا وَصِغَرِ سِنِّهَا، وَقِيلَ أَيضًا: إِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَطَفَ بِهَا فَأَلقَى عَلَيهَا النَّومَ لِتَستَرِيحَ مِن وَحشَةِ الِانفِرَادِ فِي البَرِّيَّةِ بِاللَّيلِ.

مشهد حين وجدها الصحابي صفوان بن المعطل رضي الله عنه

قَالَت عَائِشَةُ: وَكَانَ الصَّحَابِيُّ أَبُو عَمرٍو صَفوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ يَتَخَلَّفُ مِن وَرَاءِ الجَيشِ، أَي يَتَأَخَّرُ عَنهُم وَيَأتِي آخِرَهُم، فَإِذَا رَحَلُوا تَأَخَّرَ عَنهُم ثُمَّ لَحِقَ بِهِم لِأَنَّ وَظِيفَتَهُ أَن يَلتَقِطَ مَا يَسقُطُ مِن مَتَاعِ الجَيشِ لِيَرُدَّهُ إِلَيهِم، وَمَنْ كَانَ هَذَا عَمَلَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَمِيْنًا، فَهَذَا الْحَالُ مَدْعَاةٌ لِصَرْفِ التُّهَمَةِ عَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَت عَائِشَةُ: فَمَشَى صَفوَانُ يَتبَعُ الجَيشَ فِي طَرِيقِهِم وَأَصبَحَ حَيثُ أَنَا قَاعِدَةٌ وَقَد غَلَبَنِي النَّومُ، فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ نَائِمٍ، أَي شَخصَ آدَمِيٍّ نَائِمٍ لَا يَظهَرُ مَن هُوَ، لَكِنَّهُ يَحتَمِلُ أَنَّ وَجهَهَا انكَشَفَ عِندَمَا نَامَت، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهَا: (فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي) لِأَنَّهَا لَو كَانَت لَم تَزَل عَلَى هَيئَتِهَا مُتَلفِّفَةً بِجِلبَابِهَا حِينَ نَامَت لَم يَكُن لِيَعرِفَهَا بِمُجَرَّدِ رُؤيَةِ شَخصٍ مُغَطًّى بِجِلبَابٍ، وَلَا يَكفِي رُؤيَتُهُ وَجهَهَا لِيَعرِفَ مَن هِيَ تِلكَ الشَّابَّةُ إِن لَم يَكُن عَرَفَهَا مِن قَبلُ، وَلِذَلِكَ قَالَت: وَكَانَ رَآنِي قَبلَ نُزُولِ الأَمرِ بِالحِجَابِ، فَلِذَلِكَ عَرَفَنِي حِينَ رَآنِي الآنَ عِندَ مَنزِلِي نَائِمَةً، فَاستَيقَظتُ مِن نَومِي عِندَ سَمَاعِي لِقَولِهِ: (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ) حِينَ عَرَفَنِي مَن أَكُونُ، وَهُوَ بَعدُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَطَّيتُ وَجهِي عَلَى الفَورِ بِجِلبَابِي، وَواللهِ مَا تَكَلَّمنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيرَ استِرجَاعِهِ أَوَّلَ مَا استَيقَظتُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً مِنهُ فِي الأَدَبِ وَإِعظَامًا لَهَا وَإِجلَالًا، فَقَالَت: وَنَزَلَ عَن بَعِيرِهِ وَأَسرَعَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِ الرَّاحِلَةِ بَعدَ أَن بَرَكَت لِيَسهُلَ رُكُوبِي عَلَيهَا فَلَا أَحتَاجَ إِلَى مُساعِدٍ يُمسِكُ بِي، فَقُمتُ إِلَى الرَّاحِلَةِ فَرَكِبتُهَا، فَانطَلَقَ صَفوَانُ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَينَا الجَيشَ فِي الوَغرَةِ أَي شِدَّةِ الحَرِّ أَوَّلَ الظَّهِيرَةِ، وَهَمَّ الجَيشُ وَقتَئِذٍ إِلَى النُّزُولِ فِي مَكَانٍ يَستَرِيحُونَ فِيهِ.

فتنة المنافق الخبيث عبد الله بن أبيِّ بن سلول لعنه الله

قَالَت عَائِشَةُ: فَهَلَكَ فِي شَأنِي مَن هَلَكَ بِقَولِ البُهتَانِ وَالقَذفِ، وَكَانَ الَّذِي بَاشَرَ مُعظَمَ الإِفكِ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ لَعَنَهُ اللهُ فِي رِجَالٍ مِنَ الخَزرَجِ، قَالَ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الحَدِيثِ: أُخبِرتُ أَنَّ حَدِيثَ الإِفكِ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ فِي بَيتِ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ، فَيُقِرُّ الكَلَامَ الَّذِي يُشاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِندَهُ، وَيَستَمِعُهُ وَلَا يُنكِرُهُ وَلَا يَنهَى عَنهُ، بَل وَيَطلُبُ الزِّيَادَةَ مِنَ المُتَحَدِّثِ فِيهِ لِيُفشِيَهُ.

بعض الذين تكلموا في حديث الإفك من الصحابة

وَقَالَ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ أَيضًا: قَالَت عَائِشَةُ: لَم يُسَمَّ مِن أَهلِ الإِفكِ عِندِي أَيضًا إِلَّا ثَلَاثَةٌ، هُم حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ الشَّاعِرُ وَمِسطَحُ بنُ أُثَاثَةَ القُرَشِيُّ المُطَّلِبِيُّ وَاسمُهُ عَوفٌ، وَقَد شَهِدَ بَدرًا ثُمَّ خَاضَ فِي الإِفكِ وَبَينَهُ وَبَينَ عَائِشَةَ قَرَابَةٌ، فَأُمُّهُ بِنتُ خَالَةِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَثالِثَةٌ هِيَ حَمنَةُ بِنتُ جَحشٍ أُختُ أُمِّ المُؤمِنِينَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، وَكانَت عِندَ مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ فَقُتِلَ عَنها يَومَ أُحُدٍ فَتَزَوَّجَها طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سُمُّوا لِعَائِشَةَ ثَلَاثَةً فِي نَاسٍ آخَرِينَ غَيرِهِم، قَالَت عَائِشَةُ: لَا عِلمَ لِي بِأَسمَاءِ غَيرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ غَيرَ أَنِّي أَعلَمُ أَنَّ أَهلَ الإِفكِ أَكثَرُ مِن ذَلِكَ، فَإِنَّهُم جَمَاعَةٌ، وَإِنَّ مُتَوَلِّي وَمُبَاشِرَ مُعظَمِ الإِفكِ يُقالُ لَهُ: عَبدُ الله بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ الْمُنَافِقُ.

موقف السيدة عائشة رضي الله عنها من الصحابي حسان

قَالَ عُروَةُ: كَانَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَكرَهُ أَن يُسَبَّ عِندَهَا حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ وَهُوَ يُخاطِبُ بِذَلِكَ مَن كَانَ يَهجُو النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الكُفَّارِ:

هَجَوتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبتُ عَنهُ *** وَعِندَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ

هَجَوتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا *** رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرضِي *** لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ

ثَكِلتُ بُنَيَّتِي إِن لَم تَرَوهَا *** تُثِيرُ النَّقعَ مِن كَنَفِي كَدَاءُ

يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصعِدَاتٍ *** عَلَى أَكتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ

تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ *** تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّسَاءُ

فَإِن أَعرَضتُمُ عَنَّا اعتَمَرنَا *** وَكَانَ الفَتحُ وَانكَشَفَ الغِطَاءُ

وَإِلَّا فَاصبِرُوا لِضِرَابِ يَـومٍ *** يُعِزُّ اللهُ فِيهِ مَن يَشَاءُ

وَقَالَ اللهُ قَد أَرسَلتُ عَبدًا *** يَقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِهِ خَفَاءُ

وَقَالَ اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا *** هُمُ الأَنصَارُ عُرضَتُهَا اللِّقَاءُ

لَنَا فِي كُلِّ يَومٍ مِن مَعَدٍّ *** سِبَابٌ أَو قِتالٌ أَو هِجَاءُ

فَمَن يَهجُو رَسُـولَ اللهِ مِنكُم *** وَيَمدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَوَاءُ

وَجِبرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا *** وَرُوحُ القُدسِ لَيسَ لَهُ كِفَاءُ

قَالَت عَائِشَةُ: فَسَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: “إِنَّ رُوحَ القُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ ما نَافَحتَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ“، أَي دَافَعتَ وَخَاصَمتَ، وَالمُرَادُ بِمُنَافَحَتِهِ هِجَاءُ المُشرِكِينَ وَمُحَارَبَتُهُم عَلَى أَشعَارِهِم، وَقَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “هَجَاهُم حَسَّانُ فَشَفَى وَاشتَفَى“، أَي شَفَى المُؤمِنِينَ وَاشتَفَى هُوَ بِمَا نَالَهُ مِن أَعرَاضِ الكُفَّارِ وَمَزَّقَهَا وَنَافَحَ عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ.

مشهد وصول السيدة عائشة إلى المدينة

قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَقَدِمنَا المَدِينَةَ، فَمَرِضتُ حِينَ قَدِمتُ المَدِينَةَ شَهرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ وَيَخُوضُونَ فِي قَولِ أَصحَابِ الإِفكِ وَيُكثِرُونَ مِنَ القَولِ فِيهِ وَأَنَا لَا أَشعُرُ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ، وَالأَمرُ الَّذِي كَانَ يَرِيبُنِي فِي مَرَضِي بِوُجُودِ شَيءٍ مَا أَنِّي لَا أَرَى مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّطفَ وَالرِّفقَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنهُ حِينَ أَشتَكِي الوَجَعَ عَادَةً، أَي كُنتُ أَرَى مِنهُ حِينَ أَمرَضُ لُطفًا غَيرَ الَّذِي رَأَيتُهُ فِي وَجَعِي هَذَا، قَالَت: إِنَّمَا كَانَ فِي مَرَضِي هَذَا يَدخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُمِّي تُمَرِّضُنِي فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ لِأُمِّي: “كَيفَ تِيكُم“، ثُمَّ يَنصَرِفُ ﷺ مِن عِندِي وَلَا يُكَلِّمُنِي وَلَا يَقعُدُ عِندِي فَذَلِكَ كَانَ يَرِيبُنِي أَي يُقلِقُنِي.

وَالرَّسُولُ لَم يَشُكَّ فِي عَائِشَةَ مِن أَوَّلِ الأَمرِ، بَل كَانَ يَعتَقِدُ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ، وَأَرَادَ أَن يَقُولَ إِنَّهَا بَرِيئَةٌ، وَإِنَّمَا حَتَّى لَا يَقُولَ بَعضُ ضُعَفَاءِ العُقُولِ إِنَّهُ مِن شِدَّةِ حُبِّهِ بِهَا كَانَ يَقُولُ إِنَّهَا بَرِيئَةٌ، فَلَمَّا كَانَ يَقُولُ: “كَيفَ تِيكُم“، كَانَ لِكَفِّ هَؤُلَاءِ ضُعَفَاءِ العُقُولِ، لِقَطعِ الطَّرِيقِ عَلَيهِم، وَلَيسَ فِي ذَلِكَ إِيذَاءٌ لَهَا.

مشهد معرفتها بحديث أهل الإفك

قَالَت عَائِشَةُ: وَلَا أَشعُرُ بِالشَّرِّ الَّذِي حَاكَهُ أَهلُ الإِفكِ وَأَشَاعُوهُ بَينَ النَّاسِ حَتَّى خَرَجتُ حِينَ أَفَقتُ مِنَ المَرَضِ، فَخَرَجتُ مَعَ أُمِّ مِسطَحٍ خَارِجَ المَدِينَةِ، وَكَانَ هُنَاكَ مُتَبَرَّزُنَا، أَي مَوضِعُ قَضَاءِ حَاجَتِنَا، وَكُنَّا لَا نَخرُجُ إِلَى المَنَاصِعِ إِلَّا لَيلًا إِلَى لَيلٍ وَذَلِكَ قَبلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، قَالَت عَائِشَةُ: وَأَمرُنَا فِي قَضَاءِ الحَاجَةِ قَبلَ اتِّخَاذِ الكُنُفِ هُوَ أَمرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي قَضَاءِ الحَاجَةِ فِي البَرِّيَّةِ خَارِجَ المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا.

قَالَت: فَانطَلَقتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ، وَهِيَ ابنَةُ أَبِي رُهمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ مَنافٍ، وَأُمُّها بِنتُ صَخرِ بنِ عامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَابنُهَا مِسطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فَأَقبَلتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ بَيتِي حِينَ فَرَغنَا مِن شَأنِنَا، فَتَعَثَّرَت أُمُّ مِسطَحٍ فِي مِرطِهَا فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ، وَكَأَنَّها انشَغَلَ فِكرُهَا بِمَا فَعَلَهُ مِسطَحٌ مَعَ أَهلِ الإِفكِ فِي شَأنِ عَائِشَةَ، فَقُلتُ لَهَا: بِئسَ مَا قُلتِ يَا أُمَّ مِسطَحٍ، أَتَسُبِّينَ مِسطَحًا رَجُلًا شَهِدَ بَدرًا، وَهُمُ الَّذِينَ أَثنَى عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبَشَّرَهُم بِالجَنَّةِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: (يَا عُمَرُ، وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ قَدِ ‌اطَّلَعَ ‌عَلَى ‌أَهْلِ ‌بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ. قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)، وَمِسطَحٌ أَيضًا مِنَ المُهاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فَكَأَنَّ أُمَّ مِسطَحٍ قَالَت: يَا هَذِهِ إِنَّكِ لَغَافِلَةٌ عَمَّا يَقُولُ النَّاسُ وَعَن مَعرِفَةِ مَا يَحصُلُ مِن مَكايِدَ وَشُرُورٍ وَلَم تَسمَعِي مَا قَالَ مِسطَحٌ، وَقُلتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخبَرَتنِي أُمُّ مِسطَحٍ بِقَولِ أَهلِ الإِفكِ، وَهُوَ أَنَّ مِسطَحًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا يَجتَمِعُونَ فِي بَيتِ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولَ يَتَحَدَّثُونَ عَنِّي وَعَن صَفوَانَ بنِ المُعَطَّلِ وَيَرمُونَنِي بِهِ، فَازدَدتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي.

مشهد تأكد السيدة عائشة من الخبر

قَالَت عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَجَعتُ إِلَى بَيتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: “كَيفَ تِيكُم“، فَقُلتُ لَهُ: أَتَأذَنُ لِي أَن آتِيَ إِلَى أَبَوَيَّ؟ قَالَت عَائِشَةُ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَستَيقِنَ الخَبَرَ الَّذِي سَمِعتُهُ مِن قِبَلِهِمَا، قَالَت: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَأَتَيتُهُمَا فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ، قَالَت أُمُّ رُومَانَ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيكِ الأَمرَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً حَسَنَةً جَمِيلَةً عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرَ بَعضُ نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَنِ القَولَ عَلَيهَا فِي عَيبِهَا وَنَقصِهَا، فَلَيسَ قَصدُ أُمِّ رُومَانَ أَنَّ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ زَوجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ هُنَّ اللَّوَاتِي كُنَّ يَعِبنَهَا وَيُكثِرنَ عَلَيهَا القَولَ السَّيِّءَ، فَذَلِكَ لَم يَحصُل مِنهُنَّ، وَإِنَّمَا قَصَدَت أَنَّ ذَلِكَ يَحصُلُ مِن بَعضِ نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَنِ لِمَن كَانَ لَهَا ضَرَائِرُ.

قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَقُلتُ مُتَعَجِّبَةً مِن حُصُولِ هَذَا: سُبحَانَ اللَّهِ، أَوَقَد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذا؟، وَرَجَعَت عَائِشَةُ إِلَى بَيتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَت: فَبَكَيتُ تِلكَ اللَّيلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ لَا يَنقَطِعُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ ثُمَّ أَصبَحتُ أَبكِي.

مشهد استشارة النبي ﷺ لعلي وأسامة

قَالَت: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأُسَامَةَ بنَ زَيدٍ حِينَ طَالَ لُبثُ نُزُولِ الوَحيِ يَسأَلُهُمَا عَن ذَلِكَ وَيَستَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ زَوجَتِهِ.

قَالَت عَائِشَةُ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ وَبِالَّذِي يَعلَمُ لَهُم فِي نَفسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَمسِك أَهلَكَ، وَلَا نَعلَمُ عَلَيهِم إِلَّا خَيرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَم يَشُكَّ فِي عَائِشَةَ وَلَا اتَّهَمَهَا، بَل رَأَى انزِعَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الأَمرِ وَقَلَقَهُ، فَأَرَادَ إِرَاحَةَ خَاطِرِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَم يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الجَارِيَةَ بَرِيرَةَ مَولَاةَ عَائِشَةَ عَن أَمرِهَا تَصدُقكَ الخَبَرَ، وَلَم يَقُل عَلِيٌّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ بُغضًا وَلَا عَدَاوَةً لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا.

قَالَت عَائِشَةُ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: “أَي بَرِيرَةُ، أَتَشهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ“، قَالَت: نَعَم، قَالَ: “فَإِنِّي سَائِلُكِ عَن شَيءٍ فَلَا تَكتُمِينَهُ“، قَالَت: نَعَم، وَهُوَ ﷺ يَعتَقِدُ أَنَّ عَائِشَةَ بَرِيئَةٌ، قَالَ: “هَل رَأَيتِ مِن شَيءٍ يَرِيبُكِ“، أَي مِن عَائِشَةَ مِمَّا يَتَحَدَّثُ بِهِ أَهلُ الإِفكِ، وَلَيسَ ذَلِكَ السُّؤَالُ شَكًّا مِنهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي عَائِشَةَ، بَل هُوَ يَعتَقِدُ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ، قَالَت لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا رَأَيتُ عَلَيهَا أَمرًا قَطُّ أَغمِصُهَا، أَي أَعِيبُهَا وَأَنتَقِصُهَا بِهِ وَأَطعَنُ عَلَيهَا غَيرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، وَمَا كُنتُ أَعِيبُ عَلَيهَا إِلَّا أَنِّي كُنتُ أَعجِنُ عَجِينِي وَآمُرُها أَن تَحفَظَهُ لِأَقتَبِسَ نَارًا فَأَخبِزَهُ، فَكانَت تَنامُ عَن عَجِينِ أَهلِهَا، فَتَأتِي الشَّاةُ فَتَأكُلُهُ.

مشهد طلب النبي ﷺ النصرة على من آذاه في زوجته

قَالَت عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن يَومِهِ فَاستَعذَرَ مِن عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ الَّذِي آذَاهُ فِي أَهلِهِ، مَعنَاهُ قَالَ: مَن يَنصُرُنِي مِمَّن آذَانِي فِي أَهلِي إِن أَرَدتُ أَن أُؤَدِّبَهُ، وَهُوَ ﷺ عَلَى المِنبَرِ، وَقِيلَ مَعنَاهُ مَن يَنتَقِمُ لِي مِمَّن آذَانِي فِي أَهلِي، فَقَالَ فِي استِعذَارِهِ ﷺ: “يَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ، مَن يَعذِرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَنِي عَنهُ أَذَاهُ فِي أَهلِي، وَاللهِ مَا عَلِمتُ عَلَى أَهلِي إِلَّا خَيرًا، وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلًا (هُوَ صَفوَانُ بنُ المُعَطَّلِ) مَا عَلِمتُ عَلَيهِ إِلَّا خَيرًا، وَمَا يَدخُلُ عَلَى أَهلِي إِلَّا مَعِي، فَلَا يَدخُلُ فِي بَيتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي“، قَالَت عَائِشَةُ: فَقَامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ وَهُوَ سَيِّدُ الأَوسِ، فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَعذِرُكَ مِنهُ أَي أَنصُرُكَ وَلَا أَلُومُكَ عَلَى مَا تَفعَلُ بِمَن آذَاكَ فِي أَهلِكَ، فَإِن كَانَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي آذَاكَ فِي أَهلِكَ مِنَ الأَوسِ ضَرَبتُ عُنُقَهُ، وَإِن كَانَ مِن إِخوَانِنَا مِنَ قَبِيلَةِ الخَزرَجِ أَمَرتَنَا فَفَعَلنَا أَمرَكَ فِيهِ، وَكَانَت أُمُّ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ مِنَ الخَزرَجِ، :قَالَت عَائِشَةُ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الخَزرَجِ لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ سَعدٍ سَيِّدَ الأَوسِ وَكَانَ قَرِيبَ أُمِّ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ، وهُوَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَنصَارِ وَسَيِّدُ الخَزرَجِ، فَصَارَ الأَمرُ بَين سَيِّدِ الأَوسِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ وَسَيِّدِ الخَزرَجِ سَعدِ بنِ عُبادَة، قَالَت عَائِشَةُ: وَكانَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ سَيِّدُ الخَزرَجِ قَبلَ ذَلِكَ الَّذِي حَصَلَ رَجُلًا صَالِحًا أَي كَامِلًا لَم يَظهَر مِنهُ قَبلَ ذَلِكَ تَعَصُّبٌ بِالحَمِيَّةِ لِقَومِهِ، وَلَكِنِ احتَمَلَتهُ الحَمِيَّةُ وأَغضَبَهُ التَّعَصُّبُ لِقَومِهِ، فَقَالَ لِسَعدٍ سَيِّدِ الأَوسِ: كَذَبتَ، فَإِنَّهُ لَو كانَ مِن قَومِكَ لَم تُرِد قَتلَهُ، وَإِن كَانَ مِن قَومِنَا أَرَدتَ قَتلَهُ، لَعَمرُ اللَّهِ إنَّكَ يَا سَيِّدَ الأَوسِ إِن كَانَ مِن قَومِنَا لَا تَقتُلُهُ وَلَا تَقدِرُ عَلَى قَتلِهِ لِأَنَّنا نَمنَعُكَ مِن قَتلِهِ، وَأَنتَ كاذِبٌ فِيما تَدَّعِيهِ، لِأَنَّهُ لَو كانَ الرَّجُلُ الَّذِي آذَى النَّبِيَّ مِن قَومِك ما أَرَدتَ أَن يُقتَلَ، وَأَمَّا إِن كَانَ مِن غَيرِ قَومِكَ فَأَنتَ تُحِبُّ أَن يُقتَلَ، ثُمَّ سَعدُ بنُ عُبادَةَ قالَ هَذا بِحَسَبِ ما ظَهَرَ لَهُ فِي تِلكَ الحالَةِ، وَلِأَنَّهُ كانَ أَخَذَهُ التَّعَصُّبُ لِقَومِهِ الخَزرَجِ، وَكانَ فِي الجاهِلِيَّةِ بَينَ الأَوسِ والخَزرَجِ تَشاحُنٌ، فَقامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ مِنَ الأَوسِ وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعاذٍ مُنتَصِرًا لِكَلامِ سَيِّدِهِم، فَقالَ لِسَعدِ بنِ عُبادَةَ سَيِّدِ الخَزرَجِ رَدًّا عَلَيهِ: كَذَبتَ، لَعَمرُ اللهِ لَنَقتُلَنَّهُ وَلَو كَانَ مِنَ الخَزرَجِ إِذَا أَمَرَنا النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، وَلَيسَت لَكُم قُدرَةٌ عَلَى مَنعِنَا مِن ذَلِكَ، فَإِنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقِينَ، أي تَفعَلُ فِعلَ المُنافِقِينَ، وَلَم يُرِد النِّفاقَ الحَقِيقِيَّ.

قَالَت عَائِشَةُ: فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوسُ والخَزرَجُ واشتَعَلُوا غَضَبًا وتَناهَضُوا للعَصَبِيَّةِ حَتَّى هَمُّوا بالمُحارَبَةَ وَكادُوا أَن يَقتَتِلُوا، أَي تَناهَضُوا لِلنِّزاعِ والِاقتِتالِ حَقِيقَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ مِنهُم وَرَسُولُ الله ﷺ قائِمٌ عَلَى المِنبَرِ أَمامَهُم، قالَت عائِشَةُ: فَلَم يَزَل رَسُولُ الله ﷺ يُخَفِّضُهُم أَي يُسَكِّتُهُم، وَفِي رِوايَةٍ أَنَّهُ صارَ يُومِئُ بِيَدِهِ إِلَى النّاسِ هَهُنا وَهَهُنا حَتَّى هَدَأَ الصَّوتُ، فَلَمَّا سَكَّتَهُم سَكَتُوا جَمِيعًا وَسَكَتَ ﷺ.

وعظ الرسول ﷺ لعائشة

قالَت عائِشَةُ: فَبَكَيتُ يَومِي ذَلِكَ كُلَّهُ لا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَأَصبَحَ أَبَوايَ أَبُو بَكرٍ وَأُمُّ رُومانَ عِندِي، وَقَد بَكَيتُ لَيلَتَينِ وَيَومًا، لا يَرقَأُ لِي دَمعٌ ولا أَكتَحِلُ بِنَومٍ لَيلَتَينِ وَيَومًا، وهِيَ اللَّيلَةُ الَّتِي أَخبَرَتهَا فِيها أُمُّ مِسطَحٍ الخَبَرَ، واليَومُ الَّذِي خَطَبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ، واللَّيلَةُ الَّتِي تَلِي يَومَ خُطبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدِي أَي سَيَشُقُّهُ.

قالَت عائِشَةُ: فَبَينا أَبَوايَ جالِسانِ عِندِي وَأَنا أَبكِي، فاستَأذَنَت عَلَيَّ امرَأَةٌ مِنَ الأَنصارِ فَأَذِنتُ لَها بِالدُّخُولِ فَجَلَسَت تَبكِي مَعِي تَفَجُّعًا لِمَا حَلَّ بِي وَتَحَزُّنًا عَلَيَّ.

قالَت عائِشَةُ: فَبَينا نَحنُ عَلَى ذَلِكَ الحالِ وَأَهلِي عِندِي، إِذ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَينا وَقَد صَلَّى العَصرَ فِي المَسجِدِ، وَقَد أَحاطَ بِي أَبَوايَ عَن يَمِينِي وَعَن شِمَالِي، فَسَلَّمَ ﷺ ثُمَّ جَلَسَ عِندِي، قالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ فِيَّ ما قِيلَ قَبلَها، وَقَد لَبِثَ ﷺ شَهرًا لا يُوحَى إِلَيهِ فِي شَأنِي بِشَيءٍ قُرآنٍ أَو غَيرِهِ، قالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ جَلَسَ بَعدَ حَمدِ الله تَعالَى والثَّناءِ عَلَيهِ ثُمَّ قالَ: “أَمَّا بَعدُ يَا عائِشَةُ، إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنكِ كَذا وَكَذا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِن كُنتِ أَلمَمتِ بِذَنبٍ (أَي إِن كانَ وَقَعَ مِنكِ ذَنبٌ غيرَ الزِّنا عَلَى خِلافِ العادَةِ) فاستَغفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيهِ، فَإِنَّ العَبدَ إِذا اعتَرَفَ ثُمَّ تابَ تابَ الله عَلَيهِ“.

قالَت عائِشَةُ: فَلَمّا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ مَقالَتَهُ انقَطَعَ دَمعِي لِما بَغَتَنِي مِنَ الكَلامِ، حَتَّى ما أُحِسُّ مِن دَمعِي قَطرَةً لِفَرطِ حَرارَةِ المُصِيبَةِ، فَقُلتُ لِأَبِي: أَجِب رَسُولَ الله ﷺ عَنِّي فِيما قالَ، وَذَلِكَ مِن بابِ تَفوِيضِ الكَلامِ إِلَى الكِبارِ لِأَنَّهُم أَعرَفُ بِمَقاصِدِهِ وَبِاللّائِقِ بِالمَواطِنِ مِنهُ، وَأَبَواها يَعرِفانِ حالَها، قالَت: فَقالَ أَبِي: واللهِ ما أَدرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ الله ﷺ، أَي لِأَنَّ الأَمرَ الَّذِي سَأَلَكِ عَنهُ لَيسَ لَنا فِيهِ أَمرٌ زائِدٌ عَلَى ما عِندَ رَسُولِ الله ﷺ قَبلَ نُزُولِ الوَحيِ مِن حُسنِ الظَّنِّ بِكِ، قالت: فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ الله ﷺ فِيما قالَ: قالَت أُمِّي: واللهِ ما أَدرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلتُ وَأَنا جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أَقرَأُ مِنَ القُرآنِ كَثِيرًا، أَرادَت بِذَلِكَ التَّمهِيدَ لِما سَيَأتِي مِن أَنَّها لَم تَستَحضِرِ اسمَ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلامُ إِلّا أَنَّها تَذَكَّرَت أَنَّهُ أَبُو يُوسُفَ عَلَيهِما السَّلامُ، فَقالَت: إِنِّي واللهِ لَقَد عَلِمتُ لَقَد سَمِعتُم هَذا الحَدِيثَ حَتَّى استَقَرَّ فِي أَنفُسِكُم بِأَنَّكُم عَرَفتُمُوهُ وَصَدَّقتُم بِهِ، وَلا تَقصِدُ بِذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّهَمُوها أَو ظَنُّوا بِهَا سُوءًا، وَإِنَّما قَصَدَت أَنَّهُم سَمِعُوا ما قِيلَ فِي شَأنِها مِنَ الإِفكِ وَأَنَّ غَيرَهُم صَدَّقُوهُ، فَقالَت لَهُم: فَلَئِن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ، لا تُصَدِّقُونِي، أَي أَنتُم تَعتَقِدُونَ فِي بَاطِنِكُم أَنِّي صادِقَةٌ لَكِن لَيسَ عِندَكُم مِن دَلِيلٍ تَقطَعُونَ بِهِ أَهلَ الإِفكِ عَن قَولِهِم حَتَّى يَقطَعَ النّاسُ بِصِدقِي، وَلَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ ما، وَلَيسَ أَنَّها تَقصِدُ أَن تَقُولَ عَن نَفسِها إِنَّها زَنَت، واللهُ يَعلَمُ أَنِّي مِنهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي بِناءً عَلَى الظّاهِرِ مِنَ اعتِرافِي، فَوالله لا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا إِلّا أَبا يُوسُفَ، أَي يَعقُوبَ وَقَد نَسِيَت اسمَهُ وَقتَئِذٍ، حِينَ قالَ فِي مِحنَتِهِ: ﴿فَصَبرٌ جَمِيلٌ  وَاللَّهُ المُستَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، [سورة يوسف:18]، ثُمَّ تَحَوَّلتُ عَن مَكانِي واضطَجَعتُ عَلَى فِراشِي، والله يَعلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ مِمّا يَقُولُ فِيَّ أَهلُ الإِفكِ وَأَنا أُقَدِّرُ فِي نَفسِي أَنَّ الله سَيُظهِرُ لِلنّاسِ أَنِّي بَرِيئَةٌ بِسَبَبِ بَراءَتِي فِي الحَقِيقَةِ، وَلَكِن واللهِ ما كُنتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنزِلٌ فِي شَأنِي وَحيًا يُتلَى، أَي قُرآنًا، لِأَنَّ شَأنِي فِي نَفسِي كانَ أَحقَرَ مِن أَن يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بِأَمرٍ، أَي أَن يَنزِلَ قُرآنٌ فِي شَأنِي، وَلَكِن كُنتُ أَرجُو أَن يَرَى رَسُولُ الله ﷺ فِي النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، وَرُؤيا الأَنبِياءِ وَحيٌ، أَي لَيسَت مِن تَلاعُبِ الشَّيطانِ، وَإِنَّما هِيَ لِأَمرٍ يُرادُ بِها، وَلَيسَ مَعناهُ أَنَّ رُؤياهُم كُلَّها عَلَى الظّاهِرِ.

مشهد تبرئة الله للسيدة عائشة رضي الله عنها ونزول الآيات بذلك

قالَت عائِشَةُ: فَواللهِ ما فارَقَ رَسُولُ الله ﷺ مَجلِسَهُ ولا خَرَجَ أَحَدٌ مِن أَهلِ البَيتِ الَّذِينَ كانُوا فِيهِ حَتَّى أُنزِلَ عَلَيهِ الوَحيُ، فَأَخَذَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأخُذُهُ مِنَ البُرَحاءِ مِن شِدَّةِ الحالِ عِندَ نُزُولِ الوَحيِ عَلَيهِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنهُ مِنَ العَرَقِ مِثلُ الجُمانِ، أَيِ اللُّؤلُؤِ الأَبيَضِ، وَهُوَ فِي يَومٍ شاتٍ مِن ثِقَلِ القَولِ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ.

قالَت عائِشَةُ: فكُشِفَ وَأُزِيلَ عَن رَسُولِ الله ﷺ ما هُوَ فِيهِ وَهُوَ يَضحَكُ سُرُورًا، فَكانَت أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أَن قالَ لِي: “يا عائِشَةُ احمَدِي اللهَ، أَمّا اللهُ فَقَد بَرَّأَكِ“، فَقالَت لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيهِ، فَقُلتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيهِ، وَهَذا مِنها مِن بَابِ حُبِّها لَهُ والدَّلالِ، فَقالَت: فَإِنِّي لا أَحمَدُ إِلَّا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَنعَمَ عَلَيَّ وَأَنزَلَ بَراءَتِي، قالَت: وَأَنزَلَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفكِ عُصبَةٌ مِنكُم لَا تَحسَبُوهُ شَرًّا لَكُم  بَل هُوَ خَيرٌ لَكُم لِكُلِّ امرِئٍ مِنهُم مَا اكتَسَبَ مِنَ الإِثمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ*لَولَا إِذ سَمِعتُمُوهُ ظَنَّ المُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بِأَنفُسِهِم خَيرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفكٌ مُبِينٌ*لَولَا جَاءُوا عَلَيهِ بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذ لَم يَأتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ*ولَولَا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُم فِي مَا أَفَضتُم فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ*إذ تَلَقَّونَهُ بِأَلسِنَتِكُم وَتَقُولُونَ بِأَفوَاهِكُم مَا لَيسَ لَكُم بِهِ عِلمٌ وَتَحسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ*وَلَولَا إِذ سَمِعتُمُوهُ قُلتُم مَا يَكُونُ لَنَا أَن نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبحَانَكَ هَٰذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ*يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ* وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لَا تَعلَمُونَ * وَلَولَا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَن يَتَّبِع خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَولَا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلَا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَن يُؤتُوا أُولِي القُربَىٰ وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَليَعفُوا وَليَصفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللهُ لَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، [سورة النور: 11 – 22].

فَطَابَت نُفُوسُ المُؤمِنِينَ، وَتَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَن كَانَ تَكَلَّمَ مِنَ المُسلِمِينَ فِي ذَلِكَ، وَأُقِيمَ الحَدُّ عَلَى مَن أُقِيمَ عَلَيهِ.

موقف أم المؤمنين زينب بنت جحش من حادثة الإفك

قالَت عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها: وَكانَ رَسُولُ الله ﷺ سَأَلَ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ أُمَّ المُؤمِنِينَ عَن أَمرِي، فَقالَ لِزَينَبَ: “ماذا عَلِمتِ أَو رَأَيتِ“، فَقالَت: يا رَسُولَ الله أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي، أَي أَصُونُها فَلا أَقُولُ سَمِعتُ ما لَم أَسمَعهُ وَرَأَيتُ ما لَم أَرَهُ، واللهِ ما عَلِمتُ عَلَى عائِشَةَ إِلّا خَيرًا، قالَت عائِشَةُ: وَهِيَ زَينَبُ الَّتِي كانَت تُسامِينِي مِن بَينِ أَزواجِ النَّبِيِّ ﷺ الأُخرَياتِ، أَي تُضاهِينِي بِجَمالِها وَمَكانِها عِندَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَصَمَها الله بِالوَرَعِ عَلَى دِينِها أَن تَقُولَ بِقَولِ أَهلِ الإِفكِ، قالَت عائِشَةُ: وجَعَلَت أُختُها حَمنَةُ تُحارِبُ لَها، أَي تَتَعَصَّبُ فَتَحكِي ما يَقُولُهُ أَهلُ الإِفكِ، فَهَلَكَت حَمنَةُ بِالإِثمِ، أَي أَثِمَت، فِيمَن هَلَكَ مِن أَهلِ الإِفكِ.

موقف أبي بكر الصديق من مسطح رضي الله عنهما

وَقالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ بَعدَ ذَلِكَ وَكانَ مِن قَبلُ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحِ بنِ أُثاثَةَ لِقَرابَتِهِ مِنهُ وَفَقرِهِ: والله لا أُنفِقُ عَلَى مِسطَحٍ شَيئًا أَبَدًا بَعدَ الَّذِي قالَ لِعائِشَةَ ما قالَ مِنَ الإِفكِ، فَعِندَمَا أَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا يَأتَلِ﴾ أَي وَلا يَحلِف ﴿أُولُو الفَضلِ مِنكُم﴾ فِي الدِّينِ ﴿وَالسَّعَةِ﴾ فِي الدُّنيا ﴿أَن يُؤتُوا أُولِي القُربَىٰ﴾، أَي لَا يَحلِف أَن لَا يُحسِنَ إِلَيهِم، إِلَى قَولِهِ: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وَفِي نَفسِ الآيَةِ قَولُهُ تَعالَى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللهُ لَكُم﴾ فَقالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَ ذَلِكَ: بَلَى واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَن يَغفِرَ الله لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنفِقُ عَلَيهِ قَبلَ ذَلِكَ وَقالَ: والله لا أَنزِعُها مِنهُ أَبَدًا.

الخاتمة

وَرَدَت لَفظَةُ الخِيَانَةِ فِي القُرآنِ مُضَافَةً إِلَى امرأةِ نُوحٍ وَلُوطٍ عَلَيهِمَا السَّلَامُ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امرَأَتَ نُوحٍ وَامرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحتَ عَبدَينِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَم يُغنِيَا عَنهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾، [سورة التحريم: 10]، لَكِنَّهَا لَيسَت عَلَى ظَاهِرِهَا، بَلِ المُرَادُ بِالخِيَانَةِ هُنَا خِيَانَةُ الدِّينِ لَا خِيَانَةَ الفُرُوجِ، حَيثُ إنَّ امرَأَةَ نُوحٍ وَامرَأَةَ لُوطٍ اتَّبَعَتَا قَومَهُمَا وَلَم يَتَّبِعَا الحَقَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ زَوجُهُمَا، فَسَمَّى اللهُ فِعلَهُم هَذَا خِيَانَةً مِن هَذَا القَبِيلِ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: مَا زَنَتِ امرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ.

فَبَرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا مِنَ الإِفكِ هِيَ بَرَاءَةٌ قَطعِيَّةٌ بِنَصِّ القُرآنِ العَزِيزِ، فَلَو تَشكَّكَ فِيهَا إِنسَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ صَارَ كَافِرًا مُرتَدًّا بِإِجمَاعِ المُسلِمِينَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَغَيرُهُ: لَم تَزنِ امرَأَةُ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُه عَلَيهِم أَجمَعِينَ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرآنِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُبُلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ لِلصَّالِحِيِّ.
  6. الرَّوضِ الأُنُفِ لِلسُّهَيلِيِّ.
  7. فَتْحِ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيْحِ الْبُخَارِي.
خطبة الجمعة المواظبة على قراءة القرءان الكريم

المواظبة على قراءة القرءان الكريم

الخطبة الأولى الحَمدُ للهِ الْمُتَفَرِّدِ بِالعِزِّ وَالجَلَالِ، المتَفَضِّلِ بِالعَطَاءِ وَالإِفضَالِ، جَلَّ وَتَقَدَّسَ رَبِّي عَن مِثلٍ وَمِثَالٍ. أَنزَلَ القُرآنَ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share