حديث الجارية

المحتويات
  1. المقدمة
  2. بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة 
  3. بيان مسلك العلماء في الأخذ بالأسماء والصفات لله تعالى
  4. بيان أن الحديث الصحيح سندا يُرَدُّ لأمور
  5. ذكر حديث الجارية
  6. بيان أنه حديث آحاد فلا يحتج به في العقائد
  7. بيان أن العلماء لهم ثلاثة مسالك في بيان حديث الجارية
  8. مسلك التأويل 
    1. بيان وجوب تأويل رواية مسلم
    2. بيان أن عدم التأويل يؤدى إلى التناقض في النصوص
    3. أمثلة من نصوص لا بد من تأويلها
    4. نتيجة مسلك التأويل
    5. ذكر بعض العلماء الذين قالوا بمسلك التأويل
  9. مسلك الرد بالاضطراب
    1. الحديث المضطرب وحكمه
    2. ذكر الروايات
    3. بيان وجه الاضطراب
    4. ذكر أمر مشترك بين الروايات وأنه لا يحصل الاحتجاج به
    5. نتيجة هذا المسلك
    6. ذكر بعض العلماء ممن قال بهذا المسلك
  10. مسلك الترجيح 
    1. بيان وجه مخالفة رواية مسلم للأصول 
    2. ذكر روايات موافقة للأصول
    3. بيان ترجيح رواية مالك وغيره التي توافق الأصول
    4. بيان أن صحيح مسلم فيه عدة من الأحاديث ضعفها العلماء
    5. نتيجة هذا المسلك
    6. ذكر بعض العلماء قالوا بهذا المسلك
  11. خلاصة البيان أن رواية مسلم لا يحتج بها في إثبات التحيز والجهة لله، تعالى الله عن ذلك
    1. بيان هدم احتجاج المشبهة برواية مسلم من طريق العقل
  12. خلاصة في ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة
  13. الخاتمة
  14. المصادر

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

إِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يُحكِمَ النَّظَرَ فِيهِ وَيَصُونَ اعتِقَادَهُ عَنهُ، بَابَ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، إِذ هُوَ مِن أَدَقِّ أَبوَابِ العَقِيدَةِ، وَمَنزِلَتُهُ فِي الدِّينِ عَظِيمَةٌ، إِذ يَتَعَلَّقُ بِمَعرِفَةِ العَبدِ بِرَبِّهِ وَتَنزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ سُبحَانَهُ.

وَقَد ضَلَّت فِيهِ طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ بَينَ مُفرِطٍ وَمُفَرِّطٍ، فَقَومٌ غَلَوا فَأَثبَتُوا للهِ تَعَالَى الجِهَةَ وَالمَكَانَ وَالحَدَّ وَالكَيفَ، فَجَسَّمُوا الخَالِقَ، وَشَبَّهُوا المَعبُودَ بِالمَخلُوقِ، وَآخَرُونَ نَفَوا مَا أَثبَتَهُ اللهُ لِنَفسِهِ، فَضَلُّوا كَذَلِكَ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ.

وَمِن أَشهَرِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ المُجَسِّمَةُ مِنَ الأَحَادِيثِ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثُ الجَارِيَةِ الَّذِي ظَنُّوهُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ للهِ تَعَالَى مَكَانًا فِي جِهَةِ فَوقٍ، مُتَغَافِلِينَ عَنِ القَوَاعِدِ المُحكَمَةِ الَّتِي قَرَّرَهَا أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَعَن كُلِّ صِفَاتِ الحَوَادِثِ وَالمَخلُوقَاتِ.

وَلِهَذَا كَانَ لِزَامًا عَلَى أَهلِ العِلمِ أَن يُبَيِّنُوا الحَقَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَيَكشِفُوا وُجُوهَ النَّظَرِ فِيهِ، وَيُبَيِّنُوا مَسَالِكَ العُلَمَاءِ فِي فَهمِهِ وَاستِعمَالِهِ، لِيَظهَرَ أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ هُم أَحَقُّ النَّاسِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فَهمًا وَاتِّبَاعًا، وَأَنَّهُم لَا يَرُدُّونَ حَدِيثًا صَحِيحًا، وَلَكِنَّهُم يُنزِّلُونَ النُّصُوصَ مَنَازِلَهَا فِي ضَوءِ قَوَاعِدِ الشَّرعِ وَالعَقلِ وَالنَّقلِ.

وَفِي هَذَا البَحثِ نَعرِضُ مَذهَبَ أَهلِ السُّنَّةِ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، ثُمَّ نَقِفُ عَلَى مَسلَكِ العُلَمَاءِ فِي الاحتِجَاجِ بِالأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَسَالِكَهُم فِي حَدِيثِ الجَارِيَةِ مِن حَيثُ التَّأوِيلُ أَوِ الاضطِرَابُ أَوِ التَّرجِيحُ، مَعَ ذِكرِ أَقوَالِ الأَئِمَّةِ وَتَوجِيهَاتِهِم، لِيَكُونَ ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا لِلمُنصِفِينَ، وَدَحضًا لِشُبهَةِ المُجَسِّمِينَ الَّذِينَ استَنَدُوا إِلَى ظَاهِرٍ لَا يَصِحُّ الاعتِمَادُ عَلَيهِ.

وَاللهَ نَسأَلُ أَن يَجعَلَ هَذَا العَمَلَ خَالِصًا لِوَجهِهِ، نَافِعًا لِعِبَادِهِ، مُوصِلًا لِلحَقِّ، إِنَّهُ وَلِيُّ التَّوفِيقِ.

بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة 

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، [سورة الشورى:١١]، وَهَذِهِ الآيَةُ أَوضَحُ وأَصرَحُ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ فِي تَنزِيهِ اللهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ التَّنزِيهَ الكُلِّيَّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعَالى ذَكَرَ فِيهَا النَّكِرَةَ الَّتِي هِيَ لَفْظُ شَيءٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالنَّكِرةُ إِذَا أُوْرِدَت فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَهِيَ لِلشُّمُوْلِ، فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَفَى بِهَذِهِ الجُمْلةِ عَن نَفْسِهِ مُشَابَهَةَ الأَجْرَامِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعرَاضِ، فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعالَى كَمَا لَا يُشْبِهُ ذَوِي الأَروَاحِ مِنْ إِنسٍ وَجِنٍّ وَمَلَائِكَةٍ وَغَيْرِهِم، لَا يُشْبِهُ الجَمَادَاتِ مِنَ الأَجرَامِ العُلْوِيّةِ وَالسُّفْلِيّةِ أَيضًا، فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَم يُقَيِّد نَفْيَ الشَّبَهِ عَنْهُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الحَوَادِثِ، بَل شَمَلَ نَفْيُ مُشَابَهَتِهِ لِكُلِّ أَفْرَادِ الحَادِثَاتِ، وَيَشْمَلُ نَفْيُ مُشَابَهَةِ اللهِ لِخَلْقِهِ تنْزِيْهَهُ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالكَمِيَّةِ وَالكَيْفِيَّةِ، فَالكَمِّيَّةُ هِي مِقْدَارُ الجِرمِ، فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ كَالجِرمِ الَّذِي يَدْخُلُهُ المِقْدارُ والمِسَاحَةُ وَالحَدُّ، فَهُوَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ ذِي مِقْدارٍ وَمَسَافَةٍ.

فَفِي هَذِهِ الآيَةِ نَفيُ المُشَابَهَةِ وَالمُمَاثَلَةِ، فَلَا يَحتَاجُ اللهُ إِلَى مَكَانٍ يَحُلُّ فِيهِ وَلَا إِلَى جِهَةٍ يَتَحَيَّزُ فِيهَا، بَلِ الأَمرُ كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ”، رَوَاهُ أبو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ. وَفِي هَذِهِ الآيةِ دَلِيلٌ لِأَهلِ السُّنَّةِ عَلى مُخَالَفَةِ اللهِ لِلحَوَادِثِ، وَمَعْنَى مُخَالَفَةِ اللهِ لِلحَوَادِثِ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ المَخْلُوقاتِ.

وَأَمَّا الدَّلِيْلُ العَقْلِيُّ على ذَلِكَ أَنَّهُ لَو كَانَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ على الخَلْقِ مِنَ التَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ، وَلَو جَازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَاحْتَاجَ إِلى مَنْ يُغَيِّرُهُ، وَالمُحْتَاجُ إِلى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ إِلهًا، فَثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيئًا.

بيان مسلك العلماء في الأخذ بالأسماء والصفات لله تعالى

احتَاطَ العُلَمَاءُ فِي الاحتِجَاجِ بِالأَخبَارِ الوَارِدَةِ فِي الصِّفَاتِ، حَتَّى أَنَّ بَعضَهُمُ اشتَرَطَ لِلاحتِجَاجِ بِالخَبَرِ فِي الصِّفَاتِ أَن يَكُونَ الحَدِيثُ قَطعِيَّ الثُّبُوتِ -يَعنِي المُتَوَاتِرَ-، وَعَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَشَاعِرَةِ، وَتَوَسَّطَ بَعضُهُم وَهُمُ المَاتُرِيدِيَّةُ أَصحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَشَرَطُوا لِلاحتِجَاجِ بِالحَدِيثِ أَن يَكُونَ مَشهُورًا مُستَفِيضًا، وُهُوَ أَقَلُّ مِنَ المُتَوَاتِرِ، إِذ لَا يُرَاعَى فِيهِ إِلَّا أَن يَكُونَ مِن رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ فَأَكثَرَ. وَقَدِ اشتَرَطَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ أَن يَكُونَ الحَدِيثُ الوَارِدُ فِي الصِّفَاتِ مُتَّفَقًا عَلَى ثِقَةِ رُوَاتِهِ.

فَلَا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى اللهُ بِمَا لَم يَرِد بِهِ تَوقِيفٌ، أَي لَم يَرِدِ الإِذنُ بِهِ شَرعًا، قَالَ ابنُ فُورَك فِي مَقَالَاتِ الأَشعَرِيِّ: “وَالمَشهُورُ مِن مَذهَبِهِ -أَي مَذهَبِ الأَشعَرِيِّ- فِي أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَأَوصَافِهِ أَنَّهُ لَا يُتَعَدَّى فِيهَا التَّوقِيفُ الوَارِدُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الأُمَّةِ، فَعَلَى هَذَا الأَصلِ إِذًا وَجَبَتِ التَّفرِقَةُ بَينَ أَسمَاءِِ المُحدَثِ -أَيِ المَخلُوقِ- وَالقَدِيمِ -أَيِ الخَالِقِ- وَأَوصَافِهِمَا، وَطَرِيقُهُ -أَي طَرِيقُ الأَشعَرِيِّ- مَا كَانَ يَقُولُ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ: إِنَّهُم -أَيِ العُلَمَاءَ- أَجمَعُوا عَلَى إِطلَاقِ أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَمَنعِ أَمثَالِهَا فِي المَعنَى وَاللُّغَةِ”.

فَلَا يَجُوزُ عِندَ الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ تَسمِيَةُ اللهِ إِلَّا بِمَا صَحَّ وُرُودُهُ شَرعًا، أَي بِمَا وَرَدَ فِي القُرءَانِ، أَوِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَو بِمَا أَجمَعَت عَلَيهِ الأُمَّةُ، وَأَمَّا بِغَيرِ مَا صَحَّ وُرُودُهُ شَرعًا فَلَا يَجُوزُ عِندَهُ.

وقَولُ الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشعَرِيِّ بِأَنَّ أَسمَاءَ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفِيَّةٌ هُوَ المُعتَمَدُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ البَاقِلَّانِيُّ، قَالَ الإِمَامُ البَاقِلَّانِيُّ: “مَا أَطلَقَهُ اللهُ عَلَى نَفسِهِ أَطلَقنَاهُ عَلَيهِ، وَمَا لَم يُطلِقهُ عَلَى نَفسِهِ لَا نُطلِقُهُ عَلَيهِ”، وَوَافَقَهُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ، فَقَد قَالَ: “لَا مَجَالَ لِلقِيَاسِ فِي أَسمَاءِ اللهِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا الشَّرعُ وَالتَّوقِيفُ”.

بيان أن الحديث الصحيح سندا يُرَدُّ لأمور

قَرَّرَ عُلَمَاءُ الأُصُولِ وَعُلَمَاءُ الحَدِيثِ أَنَّ الحَدِيثَ إِذَا خَالَفَ النَّصَّ القُرءَانِيَّ أَوِ الحَدِيثَ المُتَوَاتِرَ أَو صَرِيحَ العَقلِ وَلَم يَقبَل تَأوِيلًا فَهُو بَاطِلٌ مَوضُوعٌ كَذِبٌ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ. وَعِبَارَةُ الحَافِظِ الخَطِيبِ البَغدَادِيِّ فِي كِتَابِهِ الفَقِيهِ وَالمُتَفَقِّهِ مَا نَصُّهُ: “وَإِذَا رَوَى الثِّقَةُ المَأمُونُ خَبَرًا مُتَّصِلَّ الإِسنَادِ رُدَّ بِأُمُورٍ:

أَحَدُهَا: أَن يُخَالِفَ مُوجِبَاتِ العُقُولِ فَيُعلَمُ بُطلَانُهُ، لِأَنَّ الشَّرعَ إِنَّمَا يَرِدُ بُمُجَوِّزَاتِ العُقُولِ وَأَمَّا بِخِلَافِ العُقُولِ فَلَا.

وَالثَّانِي: أَن يُخَالِفَ نَصَّ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ فَيُعلَمُ أَنَّهُ لَا أَصلَ لَهُ أَو مَنسُوخٌ.

الثَّالِثُ: أَن يُخَالِفَ الإِجمَاعَ فَيُستَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنسُوخٌ أَو لَا أَصلَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ صَحِيحًا غَيرَ مَنسُوخٍ وَتُجمِعُ الأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ”.

ذكر حديث الجارية

حَدِيثُ الجَارَيِةِ رَوَاهُ جَمعٌ مِنَ الحُفَّاظِ، مِنهُم: مُسلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَمَالِكٌ، وَأَحمَدُ، وَغَيرُهُم، وَقَد اختَلَفَت طُرُقُهُم وَأَلفَاظُهُم فِي رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ، وَهَذَا الاختِلَافُ يَدُلُّ عَلى ضَعفِ ضَبطِ الرُّوَاةِ لَهُ.

وَجَاءَ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ: هَل يُجزِئُهُ أَن يُعتِقَ أَمَةً كَانَت عِندَهُ، فَامتَحَنَ النَّبِيُّ إِيمَانَهَا، فَقَالَ: «أَعتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ».

وَاختَلَفَتِ الرُّوَاةُ فِي صِفَةِ الجَارِيَةِ: هَل كَانَت عَرَبِيَّةً، أَم نُوبِيَّةً، أَم كَانَت خَرسَاءَ؟

وَاختَلَفُوا فِي سُؤَالَ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا، فَجَاءَ فِي بَعضِهَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: «أَتَشهَدِينَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟»، وَفِي بَعضِهَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: «مَن رَبُّكِ؟»، وَفِي بَعضِهَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: «أَينَ اللهُ؟».

وَاختَلَفُوا فِي جَوَابِهَا هِيَ عَلَى مَا يَأتِي بَيَانُهُ.

فَالرِّوَايَاتُ كَثِيرَةٌ وَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، فَدَعَتِ الحَاجَةُ لِبَيَانِ الحَدِيثِ، فَسَلَكَ العُلَمَاءُ فِيهِ مَسَالِكَ، كَمَا نَأتِي عَلى بَيَانِهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى. 

بيان أنه حديث آحاد فلا يحتج به في العقائد

حَدِيثُ الجَارِيَةِ مِن أَحَادِيثِ الآحَادِ، إِذ لَم تَبلُغْ رُوَاتُهُ دَرَجَةَ المَشهُورِ المُستَفِيضِ، بَل جَاءَ مِن طَرِيقٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ مُضطَرِبَ السَّنَدِ كَمَا هُوَ مُضطَرِبُ المَتنِ، كَمَا نَأتِي عَلى بَيَانِهِ فِي الكَلَامِ عَلى اضطِرَابِهِ. 

فَلَا دَلِيلَ لِمَن أَثبَتَ للهِ التَّحَيُّزَ فِي جِهَةِ فَوقٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُم فِي حَدِيثِ الجَارِيَةِ لِأَنَّهُ مِن أَحَادِيثِ الآحَادِ وَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِلحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ.

بيان أن العلماء لهم ثلاثة مسالك في بيان حديث الجارية

إِنَّ العُلَمَاءَ سَلَكُوا فِي هَذَا الحَدِيثِ ثَلَاثَةَ مَسَالِكَ، وَلَم يَحمِلْهُ عَلى ظَاهِرِهِ إِلَّا المُشَبِّهُ المُجَسِّمُ الَّذِي لَم يَجِد لِنُصرَةِ قَولِهِ أَقوَى مِن هَذَا الحَدِيثِ.

وَأَمَّا أَهلُ السُّنَّةِ:

  1. فَمِنهُم مَن أَوَّلَهُ بِمَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى.
  2. وَمِنهُم مَن رَدَّهُ لِلِاضطِرَابِ، وَقَد بَيَّنَّا أَنَّ الحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الثِّقَةُ المَأمُونُ قَد يُرَدُّ لِأُمُورٍ.
  3. وَمِنهُم مَن رَدَّ بَعضَ رِوَايَاتِهِ الَّتِي تُوهِمَ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ وَرَجَّحُوا الرِّوَايَاتِ المُوَافِقَةَ لِلأُصُولِ.

وَهَا نَحنُ نَقُومُ بِبَيَانِ كُلِّ مَسلَكٍ، وَبِاللهِ التَّوفِيقُ.

مسلك التأويل 

التَّأوِيلُ: هُو إِخرَاجُ النَّصِّ المُوهِمِ لِلجِهَةِ وَالجِسمِيَّةِ للهِ تَعَالَى إِلى مَا يُوَافِقُ تَنزِيهَ اللهِ تَعَالى عَن الجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَمَا يُوَافِقُ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ [سورة الشورى:١١]، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالأَدِلَّةِ العَقلِيَّةِ وَالنَّقلِيَّةِ تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَعَن سَائِرِ صِفَاتِ الجِسمِيَّةِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ الَّذِي كَانَ مِن أَهلِ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى: “تَعَالى -يَعنِي الله- عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَركَانِ وَالأَعضَاءِ وَالأَدَوَاتِ، لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبتَدَعَاتِ”، فَيَجِبُ صَرفُ الحَدِيثِ إِلى مَا يَلِيقُ بِالله تَعَالى، وَقَد سَلَكَ العُلَمَاءُ مَسلَكَينِ فِي تَأوِيلِ هَذَا الحَدِيثِ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ.

وَنَصُّ عِبَارَتِهِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ (الجُزءُ الخَامِسُ، كِتَابُ المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ تَحرِيمِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَسخِ مَا كَانَ مِن إِبَاحَتِهِ): “هَذَا الحَدِيثُ مِن أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وَفِيهَا مَذهَبَانِ تَقَدَّمَ ذِكرُهُمَا مَرَّاتٍ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ:

أَحَدُهُمَا: الإِيمَانُ بِهِ مِن غَيرِ خَوضٍ فِي مَعنَاهُ، مَعَ اعتِقَادِ أَنَّ الله لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَتَنزِيهِهِ عَن سِمَاتِ المَخلُوقَاتِ.

وَالثَّانِي: تَأوِيلُهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. 

فَمَن قَالَ بِهَذَا قَالَ: كَانَ المُرَادُ امتِحَانَهَا هَل هِيَ مُوَحِّدَةٌ تُقِرُّ بِأَنَّ الخَالِقَ المُدَبِّرَ الفَعَّالَ هُوَ اللهُ وَحَدَهُ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي استَقبَلَ السَّمَاءَ، كَمَا إِذَا صَلَّى المُصَلِّي استَقبَلَ الكَعبَةَ، وَلَيسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُنحَصِرٌ فِي السَّمَاءِ كَمَا أَنَّهُ لَيسَ مُنحَصِرًا فِي جِهَةِ الكَعبَةِ، بَل ذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبلَةُ الدَّاعِينَ كَمَا أَنَّ الكَعبَةَ قِبلَةُ المُصَلِّينَ، أَو هِيَ مِن عَبَدَةِ الأَوثَانِ العَابِدِينَ لِلأَوثَانِ الَّتِي بَينَ أَيدِيهِم، فَلَمَّا قَالَت: فِي السَّمَاءِ، عَلِمَ أَنَّهَا مُوَحِّدَةٌ وَلَيسَت عَابِدَةً لِلأَوثَانِ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ بَينَ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً فَقِيهِهِم وَمُحَدِّثِهِم وَمُتَكَلِّمِهِم وَنُظَّارِهِم وَمُقَلِّدِهِم أَنَّ الظَّوَاهِرَ الوَارِدَةَ بِذِكرِ اللهِ فِي السَّمَاءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [سورة الملك: 16] وَنَحوِهِ لَيسَت عَلى ظَاهِرِهَا بَل مُتَأَوِّلَةٌ عِندَ جَمِيعِهِم”، انتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ.

بيان وجوب تأويل رواية مسلم

إِنَّ رِوَايَةَ مُسلِمٍ الَّتِي فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «أَينَ اللهُ؟» فَقَالَت: فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ: «فَمَن أَنَا؟» فَقَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا مُؤمِنَةٌ» يَجِبُ تَأوِيلُهَا بِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ المَكَانَةِ لَا عَنِ المَكَانِ، وَقَولُهَا فِي السَّمَاءِ مَعنَاهُ عُلُوُّ المَنزِلَةِ وَالقَدرِ، أَي أَنَّهُ أَعلَى مِن كُلِّ شَيءٍ قَدرًا.

وَهَذَا التَّأوِيلُ مَقبُولٌ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ وَالعَقلِ وَالشَّرعِ، فَإِنَّ في اللُّغَةِ كَلِمَةَ أَينَ تَأتِي لِلسُّؤَالِ عَنِ المَكَانَةِ، وَالعَقلُ يُحِيلُ أَن يُوصَفَ اللهُ بِالجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَكَذَلِكَ الشَرعُ نَفَى عَنِ اللهِ ذَلِكَ.

بيان أن عدم التأويل يؤدى إلى التناقض في النصوص

مَن لَم يَرضَ بِالتَّأوِيلِ وَأَرَادَ أَن يَحمِلَ الحَدِيثَ عَلى ظَاهِرِهِ فَأَثبَتَ المَكَانَ وَالحَيِّزَ للهِ تَعَالَى مُحتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يَخرُجُ عَنِ الظَّاهِرِ قِيلَ لَهُ: لَقَد خَرَجتَ عَنِ الظَّاهِرِ فِي حَدِيثٍ أَصَحَّ مِن هَذَا، وَهُوَ حَدِيثُ: «اربَعُوا عَلى أَنفُسِكُم، فَإِنَّكُم لَا تَدعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا هُو أَقرَبُ إِلى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»، فَهَذَا لَو حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ إِثبَاتُ تَحَيُّزٍ للهِ بَينَ الرَّجلِ وَبَينَ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ، وَهَذَا يَنقُضُ مُعتَقَدَكُم أَنَّهُ مُستَقِرٌّ فَوقَ العَرشِ بِمُمَاسَّتِهِ أَو بِدُونِ مُمَاسَّةٍ، فَمَاذَا تَفعَلُونَ. وَهَذَا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

وَالحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنهُ أَن لَا يُحمَلَ حَدِيثُ الجَارِيَةِ عَلى ظَاهِرِهِ بَل يُؤَوَّلُ تَأوِيلًا تَفصِيلِيًّا، فَيُؤَوَّلُ هَذَا الثَّانِي عَلى أَنَّ المُرَادَ بِهِ القُربُ المَعنَوِيُّ لَيسَ القُربَ الحِسِّيَّ، أَو يُؤَوَّلُ الأَوَّلُ تَأوِيلًا إِجمَالِيًّا فَيُقَال: إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ أَي بِلَا كَيفٍ. وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِي يُقَالُ: أَقرَبُ إِلى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَتِهِ بِلَا كَيفٍ. فَإِن أَرَدتُمُ الإِنصَافَ فَاسلُكُوا هَذَا المَسلَكَ.

ثُمَّ يُقَالُ لِمَنْ يَأخُذُ حَدِيثَ الجَارِيَةِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ: مَاذَا تَفعَلُونَ بِقَولِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذ المُجرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤوسِهِمْ عِندَ رَبِّهم﴾ [سورة السجدة]، فَإِن حَمَلتُمُوهُ عَلى ظَاهِرِهِ كَانَ المَعنَى أَنَّ المُجرِمِينَ يَكُونُونَ مَعَ الله بِالأَرضِ ذَلكَ اليَومِ، فَيَنتَقِضُ قَولُكُم إِنَّهُ عَلى العَرشِ، وَإِن حمَلَتُمُوهُ عَلى غَيرِ ظَاهِرِهِ فَيَكُونَ هَذَا تَحَكُّمًا مِنكُم، فَلَا مَفَرَّ مِن تَركِ حَملِ كِلَا النَّصَّينِ عَلى مُقتَضَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَلَامَةً مِنَ التَّنَاقُضِ. وَالقُرءَانُ وَحَدِيثُ الرَّسُولِ ﷺ لَا يُنَاقِضُ بَعضُهُ بَعضًا، فَوَجَبَ التَّوفِيقُ بَينَ النُّصُوصِ وَتَجَنُّبُ إِلغَاءِ وَاحِدٍ مِنهَا. وَلَا يُمكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بِحَملِ ءَايَاتِ الصِّفَاتِ عَلى مُقتَضَى المُحكَمِ الصَّرِيحِ كَقَولِهِ تَعَالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ [سورة الشورى: ١١].

وَمُقتَضَى البُرهَانِ العَقلِيِّ القَطعِيِّ عَلى استِحَالَةِ مُشَابَهَةِ الخَالِقِ المَخلُوقَ بِالجِسمِيَّةِ وَاللَّونِ وَالأَعضَاءِ وَالتَّحَيُّزِ فِي المَكَانِ وَالحَدِّ وَالكَمِيَّةِ. وَالعَقلُ شَاهِدُ الشَّرعِ، فَلَا يَأتِي الشَّرعُ إِلَّا بِمُجَوَّزَاتِ العُقُولِ، لَا يَأتِي بِمَا يُحِيلُهُ العَقلُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْتبِروا يَا أُولِي اْلأَبصَارِ﴾ [سورة الحشر].

أمثلة من نصوص لا بد من تأويلها

  • قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرضِ إِلَهٌ﴾: أَيْ هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِيْنَ، وَهُوَ الْمَعْبُوْدُ فِي السَّمَاءِ مِنْ قِبَلِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَعْبُوْدُ فِي الأَرْضِ مِنْ قِبَلِ الإِنْسِ وَالجِنِّ الْمُسْلِمِيْنَ.
  • وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرضِ﴾: أَيِ الْمَعْبُوْدُ فِيْهِمَا.
  • وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَخسِفَ بِكُمُ الأَرضَ﴾: قَالَ البَيْضَاوِيُّ: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ.
  • وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ﴾: أَيْ قَهَرَ العَرْشَ وَحَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ فَيُدَمِّرَ مَا تَحْتَهُ.
  • وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ﴿وَاللهُ مَعَكُم وَلَن يَتِرَكُم أَعمَالَكُم﴾: قَالَ النَّسَفِيُ: مَعَكُم بِالنُّصْرَةِ أَيْ نَاصِرُكُم.
  • وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ﴿إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾: قَالَ الخَازِنُ الْمُفَسِّرُ: بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُوْنَةِ.

نتيجة مسلك التأويل

نَتِيجَةُ هَذَا المَسلَكِ أَن تُقبَلَ رِوَايَةُ مُسلِمٍ وَلَا تُرَدُّ، لَكِن مَعَ تَوجِيهِهَا إِلى مَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، إِمَّا بِتَعيِينِ مَعنَاهُ اللَّائِقُ بِاللهِ تَعَالى بِأَنَّهُ كَان سُؤَالًا عَنِ المَكَانَةِ وَأَنَّ الجَوَابَ كَانَ عَلى مَعنَى عَالِي القَدرِ جِدًّا، وَإِمَّا بِتَفوِيضِ مَعنَاهُ إِلى اللهِ مِن غَيرِ التَّعيِينِ، وَعَلى الطَّرِيقَينِ نُنَزِّهُ اللهَ تَعَالى عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَنُقَدِّرُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَد عَلِمَ إِيمَانَهَا قَبلَ ذَلِكَ، لِمَا يَأتِي مَعنَا أَنَّهُ لَا يُحكَمُ عَلى الإِنسَانِ بِالإِيمَانِ بِقَولِهِ اللهُ فِي السَّمَاءِ.

ذكر بعض العلماء الذين قالوا بمسلك التأويل

ذَهَبَ إِلَى هَذَا المَذهَبِ مِنَ العُلَمَاءِ:

  • الإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ “أَسَاسِ التَّقدِيسِ فِي عِلمِ الكَلَامِ”.
  • أَبُو الفَرَجِ ابنُ الجَوزِيِّ فِي كِتَابِهِ “البَازِ الأَشهَبِ المُنقَضِّ عَلَى مُخَالِفِي المَذهَبِ” وَفِي كِتَابِهِ “دَفعِ شُبَهِ التَّشبِيهِ”.
  • الإِمَامُ البَيَاضِيُّ الحَنَفِيُّ فِي كِتَابِهِ “إِشَارَاتِ المَرَامِ”.
  • نُورُ الدِّينِ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ “الكِفَايَةِ”.
  • الإِمَامُ أَبُو بَكرٍ ابنُ فُورَكَ فِي “مُشكِلِ الحَدِيثِ وَبَيَانِهِ”.

وَغَيرُهُم كَثِيرٌ.

مسلك الرد بالاضطراب

الحديث المضطرب وحكمه

الحَدِيثُ المُضطَرِبُ هُوَ مَا رُوِيَ مِن وُجُوهٍ مُختَلِفَةٍ، قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي التَّقرِيبِ مُعَرِّفًا لِلحَدِيثِ المُضطَرِبِ مَا نَصُّهُ: “المُضطَرِبُ هُوَ الَّذِي يُروَى عَلى أَوجُهٍ مُختَلِفَةٍ مُتَقَارِبَةٍ، فَإِن رَجَحَت إِحدَى الرِّوَايَتَينِ بِحِفظِ رَاوِيهَا أَو كَثرَةِ صُحبَتِهِ لِلمَروِيِّ عَنهُ أَو غَيرِ ذَلِكَ فَالحُكمُ لِلرَّاجِحَةِ وَلَا يَكُونُ مُضطَرِبًا. وَالاضطِرَابُ يُوجِبُ ضَعفَ الحَدِيثِ لِإِشعَارِهِ بِعَدَمِ الضَّبطِ، وَيَقَعُ فِي الإِسنَادِ تَارَةً وَفِي المَتنِ أُخرَى وَفِيهِمَا، مِن رَاوٍ أَو جَمَاعَةٍ”. 

وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فِي الاقتِرَاحِ: “المُضطَرِبُ هُوَ مَا رُوِيَ مِن وُجُوهٍ مُختَلِفَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ أَسبَابِ التَّعلِيلِ عِندَهُم وَمُوجِبَاتِ الضَّعفِ لِلحَدِيثِ“.

وَقَالَ ابنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ: “المُضطَرِبُ مِنَ الحَدِيثِ هُوَ الَّذِي تَختَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَيَروِيهِ بَعضُهُم على وَجهٍ وَبَعضُهُم عَلى وَجهٍ ءَاخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضطَرِبًا إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ، أَمَّا إِذَا تَرَجَّحَت إِحدَاهُمَا بِحَيثُ لَا تُقَاوِمُهَا الأُخرَى بِأَن يَكُونَ رَاوِيهَا أَحفَظَ أَو أَكثَرَ صُحبَةً لِلمَروِيِّ عَنهُ أَو غَيرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّرجِيحَاتِ المُعتَمَدَةِ فَالحُكمُ لِلرَّاجِحَةِ، وَلَا يُطلَقُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ وَصفُ المُضطَرِبِ وَلَا لَهُ حُكمُهُ، ثُمَّ قَد يَقَعُ الاضطِرَابُ فِي مَتنِ الحَدِيثِ، وَقَد يَقَعُ فِي الإِسنَادِ، وَقَد يَقَعُ مِن رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَد يَقَعُ بَينَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ.وَالاضطِرَابُ مُوجِبٌ ضَعفَ الحَدِيثِ لِإِشعَارِهِ بِأَنَّهُ لَم يُضبَطْ“.

ذكر الروايات

  • رِوَايَةُ مُسلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»
  • . أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ! قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ». قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ! قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ». -قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: «فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ»-. قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ! قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ». قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا».فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟». قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
  • رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَارِيَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَفَأُعتِقُ هذه؟فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «أَتُوقِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَأَعْتِقْهَا إذًا».
  • رِوَايَةُ أَبِي دَاودَ: عَن أَبِي سَلَمَةَ عَنِ الشَّرِيدِ: أَنَّ أُمَّهُ أَوصَتْهُ أَنْ يُعتِقَ عَنهَا رَقَبَةً مُؤمِنَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ أُعْتِقَ عَنهَا رَقَبَةً مُؤمِنَةً، وَعِندِي جَارِيَةٌ سَودَاءُ نُوبِيَّةٌ، أَفَأُعتِقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ادْعُ بِهَا»، فَدَعَوتُهَا، فَجَاءَت، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ رَبُّكِ؟» قَالَتِ: اللهُ، قَالَ: «فَمَنْ أَنَا» قَالَتْ: رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ».
  • رِوَايَةُ ابنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ نُعْتِقُ عَنْهَا رَقَبَةً، وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ: «ادْعُ بِهَا»، فَجَاءَتْ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّكِ؟» قَالَتِ: اللهُ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أنت رَسُولُ اللهِ، قَالَ:«أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
  • رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ تَعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً، وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً نُوبِيَّةً، أَفَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَعْتِقَهَا عَنْهَا؟، قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ رَبُّكِ؟»، قَالَتِ: اللهُ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
  • رِوَايَةُ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً أَعْتَقْتُهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «أَتُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «أَعْتِقْهَا».
  • رِوَايَةُ البَيهَقِيِّ عَن عَونِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عَن عبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِيَّ ﷺ بجاريَةٍ سَوداءَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عليَّ رَقَبَةً مُؤمِنَةً. فقالَ لَها:«أينَ اللهُ؟». فأَشارَت إلَى السَّماءِ بإِصبَعِها، فقالَ لَها: «فمَن أنا؟». فأشارَت إلَى النَّبِىِّ ﷺ وإِلَى السَّماءِ -تَعنى: أنتَ رسولُ اللهِ- فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أعتِقْها؛ فإِنها مُؤمِنَةٌ».
  • وَلِلبَيهَقِيِّ: عَن عَونِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُتبَةَ، حَدَّثَنى أبى، عن جَدِّى قال: جاءَتِ امرأةٌ إلَى رسولِ اللهِ ﷺ بأَمَةٍ سَوداءَ فقالَت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عليَّ رَقَبَةً مُؤمِنَةً، أَفَتَجزِي عَنِّي هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن رَبُّكِ؟». قَالَت: اللهُ رَبِّي. قَالَ: «فَمَا دِينُكِ؟». قَالَت:الإِسلَامُ. قَالَ: «فَمَن أَنَا؟». قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: «فَتُصَلِّينَ الخَمسَ وَتُقِرِّينَ بِمَا جِئتُ بِهِ مِن عِندِ اللهِ؟». قَالَت: نَعَم. فَضَرَبَ ﷺ عَلَى ظَهرِهَا وَقَالَ:«أَعتِقِيهَا».
  • رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ أَعْجَمِيَّةٌ، فَقَالَ: ” ائْتِنِي بِهَا، فَقَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا».
  • رِوَايَةُ ابنِ الجَارُودِ: عَنْ ‌عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ‌رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَإِنْ كُنْتَ تَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً أُعْتِقُهَا،فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:«فَأَعْتِقْهَا».
  • رِوَايَةُ ابنِ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْحَكَمِ، يَرْفَعُهُ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، وَقَالَ: إِنَّ عَلَى أُمِّي رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، وَعِنْدِي رَقَبَةٌ سَوْدَاءُ أَعْجَمِيَّةٌ، فَقَالَ: «ائْتِ بِهَا»، فَقَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَعْتِقْهَا».
  • رِوَايَةٌ فِي مُسنَدِ الدَّارِمِيِّ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ الشَّرِيدِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ عَلَى أُمِّي رَقَبَةً، وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً سَوْدَاءَ نُوبِيَّةً، أَفَتُجْزِئُ عَنْهَا، قَالَ: «ادْعُ بِهَا»فَقَالَ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
  • رِوَايَةٌ فِي مُسنَدِ البَزَّارِ: عَن سَعِيد بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ:أَتَى رَجُلٌ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَلَى أُمِّي رَقَبَةً وَعِنْدِي أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَعتِقْهَا».

بيان وجه الاضطراب

طَعَنَ بَعضُ العُلَمَاءِ فِي حَدِيثِ الجَارِيَةِ بِالاضطِرَابِ سَنَدًا وَمَتنًا لِأَمرَينِ:

الأَوَّلُ: الاضطِرَابُ لِأَنَّهُ رُوِيَ بِلَفظٍ رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الشَّرِيدِ بنِ سُوَيدٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: “قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي أَوصَت أَن نُعتِقَ عَنهَا رَقَبَةً وَعِندِي جَارِيَةٌ سَودَاءُ، قَالَ: ادعُ بِهَا، فَجَاءَت، فَقَالَ: مَن رَبُّكِ؟ قَالَت: الله، قَالَ: مَن أَنَا؟ قَالَت: رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ”، وَرَوَاهُ البَيهَقِيُّ بِلَفظِ: أَينَ اللهُ؟ فَأَشَارَتْ إِلى السَّمَاءِ بِإِصبَعِهَا، وَرُوِيَ بِلَفظِ: مَن رَبُّك؟ قَالَت: اللهُ رَبِّي، قَالَ: فَمَا دِينُكِ؟ قَالَت: الإِسَلَامُ، قَالَ: فَمَن أَنَا؟ قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَعتِقْهَا. وَرُوِيَ بِلَفظٍ عِندَ مَالِكٍ: أَتَشهَدِينَ أَن لَا إله إِلَّا اللهِ، قَالَت: نَعَم، قَالَ أَتُوقِنِينَ بِالبَعثِ بَعدَ المَوتِ، قَالَت: نَعَم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَعتِقهَا. 

الأَمرُ الثَّانِي: أَنَّ رِوَايَةَ أَينَ اللهِ مُخَالِفَةٌ لِلأُصُولِ لِأَنَّ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الشَّخصَ لَا يُحكَمُ لَهُ بِقَولِهِ اللهُ فِي السَّمَاءِ بِالإِسلَامِ لِأَنَّهَا لَيسَت كَلِمَةَ التَّوحِيدِ، لِأَنَّ هَذَا القَولَ مُشتَرَكٌ بَينَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيرِهِم وَإِنَّمَا الأَصلُ المَعرُوفُ فِي شَرِيعَةِ اللهِ أَنَّ الإِنسَانَ لَا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالإِسلَامِ إِلَّا بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ وَهَذَا مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ الآتِي ذِكرُهُ.

ذكر أمر مشترك بين الروايات وأنه لا يحصل الاحتجاج به

يَتَبَيَّنُ لِلمُطَالِعِ لِلرِّوَايَاتِ لِحَدِيثِ الجَارِيَةِ أَنَّهَا عَلى اختِلَافِهَا تَشتَرِكُ فِي القَدرِ الَّذِي هُو أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ أَوِ امرَأَةٌ إِلى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اختِلَافٍ فِي سَبَبِ مَجِيئِهِ وَسُؤَالِهِ لِلنَّبِيِّ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ العِتقِ، فَامتَحَنَ النَّبِيُّ هَذِهِ الجَارِيَةَ، وَلَم يَضبِطِ الرَّاوِي كَيفَ كَانَ السُّؤَالُ ثُمَّ أَجَابَت، وَلَم يَضبِطِ الرَّاوِي كَيفَ كَانَ الجَوَابُ، ثُمَّ قَالَ: أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ. وَهَذَا القَدرُ لَا يَقُومُ بِهِ الاحتِجَاجُ لِذَوِي العُقُولِ فِي إِثبَاتِ صِفَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

نتيجة هذا المسلك

نَتِيجَةُ هَذَا المَسلَكِ أَن تُرَدَّ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا لِهَذَا الحَدِيثِ لِاضطِرَابِهَا، فَلَا يُحتَجَّ بِشَيءٍ مِنهَا فِي العَقَائِدِ.

ذكر بعض العلماء ممن قال بهذا المسلك

– الحَافِظُ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي “الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ”.

– الحَافِظُ البَزَّارُ فِي “كَشفِ الأَستَارِ”.

-الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي “التَّلخِيصِ الحَبِيرِ”.

مسلك الترجيح 

سَلَكَ بَعضُ العُلَمَاءِ مَسلَكَ التَّرجِيحِ، وَذَلِكَ حَتَّى لَا يُعَطِّلُوا الحَدِيثَ بِأَكمَلِهِ، فَنَظَرُوا فِيهِ فَوَجَدُوا الرِّوَايَاتِ الكَثِيرَةَ لَا يُمكِنُ الجَمعُ بَينَهَا، فَلَجَؤُوا إِلى تَرجِيحِ بَعضِهَا. آخِذِينَ أَصلًا مُتَّفَقًا عَلَيهِ عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ وَمُخَالِفِيهِم أَنَّ الإِنسَانَ لَا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالإِسلَامِ إِلَّا بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ وَهَذَا الأَصلُ مُوَافِقٌ لِلحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ الآتِي ذِكرُهُ الَّذِي هُوَ أَقوَى مِن حَدِيثِ الجَارِيَةِ، فَرَجَّحُوا الرِّوَايَاتِ الَّتِي تُوَافِقُ هَذَا الأَصلَ المُتَّفَقَ عَلَيهِ وَرَدُّوا الرِّوَايَاتِ الَّتِي تُخَالِفُهُ.

بيان وجه مخالفة رواية مسلم للأصول 

ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُسلِمٍ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِلحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ«. وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الصَّحِيحِ، وَوَجْهُ المُعَارَضَةِ أَنَّ حَدِيثَ الجَارِيَةِ فِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ »اللَّهُ فِي السَّمَاءِ« لِلْحُكْمِ عَلَى قَائِلِهِ بِالإِسْلامِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: »حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ« فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لا بُدَّ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلامِ مِنَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَحَدِيثُ الجَارِيَةِ لا يَقْوَى لِمُقَاوَمَةِ هَذَا الحَدِيثِ لِأَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا فِي رِوَايَتِهِ وَلِأَنَّهُ مِمَّا انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِهِ. وَكَذَلِكَ هُنَاكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صِحَاحٍ لا اخْتِلافَ فِيهَا وَلا عِلَّةَ تُنَاقِضُ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ فَكَيْفَ يُؤْخَذُ بِظَاهِرِهِ وَيُعْرَضُ عَنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ.

ذكر روايات موافقة للأصول

قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ إِنَّ الرِّوَايَةَ المُوَافِقَةَ لِلأُصُولِ هِيَ رِوَايَةُ مَالِكٍ وَفِيهَا أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لَهَا: «أَتَشهَدِينَ أَن لَا إله إِلَّا الله؟» قَالَت: نَعَم، قَالَ: «أَتَشهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالَت: نَعَم. أَخرَجَهَا الإِمَامَانِ إِمَامَا أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.

أَمَّا أَحمَدُ فَأَخرَجَ عَن رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ سَودَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤمِنَةً فَإِن كُنتَ تَرَى هَذِه مُؤمِنَةًَ أَعتَقتُهَا، فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ ﷺ: «أَتَشهَدِينَ أَن لَا إله إِلَّا الله؟» قَالَت: “نَعَم”، قَالَ: «أَتَشهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟»، قَالَت: نَعَم، قَالَ: «أَتُؤمِنِينَ بِالبَعثِ بَعدَ المَوتِ؟» قَالَت: نَعَم، قَالَ: «أَعتِقهَا»، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.وَفِي رِوَايَةٍ لِابنِ الجَارُودِ «أَتُوقِنِينَ» بَدَلَ «أَتُؤمِنِينَ».

وَمِنهَا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِه عَنِ الشَّرِيدِ بنِ سُوَيدٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي أَوصَت أَن نُعتِقَ عَنهَا رَقَبَةً وَعِندِي جَارِيَةٌ سَودَاءُ، قَالَ: «ادعُ بِهَا»، فَجَاءَت فَقَالَ: «مَن رَبُّكِ؟» قَالَت: اللهُ، قَالَ: «مَن أَنَا؟» قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ». وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا إِشكَالَ فِيهَا لِأَنَّ قَولَ: اللهُ رَبِّي، بِمَنزِلَةِ أَشهَدُ أَن لَا إله إِلَّا الله. وَرَوَاهُ أَيضًا بِهَذَا اللَّفظِ النَّسَائِيُّ فِي الصُّغرَى وَفِي الكُـبرَى وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ وَرَوَاهُ أَيضًا بِهَذَا اللَّفظِ ابـنُ خُزَيمَةَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ كِتَابَ التَّوحِيدِ مِن طَرِيقِ زِيَادِ بنِ الرَّبِيعِ عَن ابنِ عَمرِو عَن أَبِي سَلَمَةَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ الشَّرِيدِ.

بيان ترجيح رواية مالك وغيره التي توافق الأصول

بَعدَ أَن تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الإِنسَانَ لَا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالإِسلَامِ بِقَولِهِ اللهُ فِي السَّمَاءِ لِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ الَّذِي رَوَاهُ خَمسَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا سَمِعَهُ كُلٌّ مِنهُم مِنَ الرَّسُولِ وَهُوَ قَولُهُ ﷺ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لا إله إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا شَهِدُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا». هَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّ الإِسلَامَ لَا يَحصُلُ إِلَّا بِالشَّهَادَتَينِ، فَإِن حُمِلَ حَدِيثُ الجَارِيَةِ عَلى الظَّاهِرِ كَانَ مَعنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَكَمَ لِلجَارِيَةِ لِإِشَارَتِهَا إِلى أَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ بِأَنَّهَا مُؤمِنَةٌ بِاللهِ وَلَا يَصِحُّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَن يَحكُمَ بِالإِيمَانِ لِمُجَرَّدِ قَولِ إِنسانٍ اللهُ فِي السَّماءِ لِأَنَّ هَذِهِ العَقِيدَةَ عَقِيدَةُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَكَثِيرٍ مِنَ الكُفَّارِ، فَمُستَحِيلٌ أَن يَحكُمَ الرَّسُولُ بِهَذِهِ المَقَالَةِ لِإِنسَانٍ بِالإِيمَانِ. فَرِوَايَةُ مُسلِمٍ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا الأَصلِ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ وَأَحمَدَ مُوَافِقَةٌ لَهُ.

بيان أن صحيح مسلم فيه عدة من الأحاديث ضعفها العلماء

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: أَيْنَ اللَّهُ، فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، إِلَى ءَاخِرِهِ مَرْدُودَةً مَعَ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ لَهُ فِي كِتَابِهِ وَكُلُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَوْسُومٌ بِالصِّحَّةِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ عَدَدًا مِنْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ رَدَّهَا عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ وَذَكَرَهَا الْمُحَدِّثُونَ فِي كُتُبِهِمْ كَحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ لِرَجُلٍ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ، وَحَدِيثِ إِنَّهُ يُعْطَى كُلُّ مُسْلِمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِدَاءً لَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. فَأَمَّا الأَوَّلُ ضَعَّفَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ، وَالثَّانِي رَدَّهُ الْبُخَارِيُّ، وَالثَّالِثُ ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَعَدَدٌ مِنَ الْحُفَّاظِ.

نتيجة هذا المسلك

نَتِيجَةُ هَذَا المَسلَكِ أَن تُقبَلَ رِوَايَةُ مَالِكٍ وأَحمَدَ وَنَحوُهَا الَّتِي تُوَافِقُ الأُصُولَ وَتُرَدُّ رِوَايَةُ مُسلِمٍ لِمُخَالَفَتِهَا لِلأُصُولِ، فَرِوَايَةُ مَالِكٍ مَحفُوظَةٌ وَرِوَايَةُ مُسلِمٍ شَاذَّةٌ، فَلَا يَحصُلُ لِلمُشَبِّهِ سَبِيلٌ لِلاحتِجَاجِ بِهَذَا الحَدِيثِ فِي إِثبَاتِ التَحَيُّزِ للهِ تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ.

ذكر بعض العلماء قالوا بهذا المسلك

مِنهُم:

  • الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ السَّرَخسِيُّ الحَنَفِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ 483هـ فِي كِتَابِهِ “المَبسُوطِ”.
  • وَالمُحَدِّثُ عَبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الصِّدِّيقِ الغُمَارِيِّ فِي “الفَوَائِدِ المَقصُورَةِ فِي بيَانِ الأَحَادِيثِ الشَّاذَّةِ المَردُودَةِ”.

خلاصة البيان أن رواية مسلم لا يحتج بها في إثبات التحيز والجهة لله، تعالى الله عن ذلك

أَمَّا بَعضُ أَهلِ السُّنَّةِ فَلَم يَأخُذُوا بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ بَل أَوَّلُوهُ قَالُوا مَعنَى مَا وَرَدَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ لَهَا: «أَينَ اللهُ» مَا اعتِقَادُكِ مِنَ التَّعظِيمِ للهِ وَقَولُهَا فِي السَّمَاءِ مَعنَاهُ عَالِي القَدرِ جِدًّا، فَلَم يَحكُمُوا بِبُطلَانِهِ نَظَرًا لِإِمكَانِ هَذَا التَّأوِيلِ.

فَلَوْلا أَنَّ الْمُشَبِّهَةَ لَهَا هَوًى فِي تَجْسِيمِ اللَّهِ وَتَحْيِيزِهِ فِي السَّمَاءِ كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَمَا تَشَبَّثُوا بِهِ وَلِذَلِكَ يَرَوْنَهُ أَقْوَى شُبْهَةٍ يَجْتَذِبُونَ بِهِ ضُعَفَاءَ الْفَهْمِ إِلَى عَقِيدَتِهِمْ عَقِيدَةِ التَّجْسِيمِ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّ عَقِيدَةَ تَحَيُّزِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ مُنَافِيةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾، فَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَمْثَالٌ كَثِيرٌ فَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ مَشْحُونَةٌ بِالمَلائِكَةِ وَمَا فَوْقَهَا فِيهَا مَلائِكَةٌ حَافُّونَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ وَفَوْقَ الْعَرْشِ ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»، فَبِاعْتِقَادِهِمْ هَذَا أَثْبَتُوا لِلَّهِ أَمْثَالًا لا تُحْصَى فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِهَذِهِ الآيَةِ. وَلا يَسْلَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الأَمْثَالِ لِلَّهِ إِلَّا مَنْ نَزَّهَ اللَّهَ عَنِ التَّحَيُّزِ فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ مُطْلَقًا.

بيان هدم احتجاج المشبهة برواية مسلم من طريق العقل

قَد تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلمُشَبِّهَةِ فِي حَدِيثِ الجَارِيَةِ لِإِثبَاتِ عَقِيدَتِهِم أَنَّ اللهَ مُتَحَيِّزٌ فِي السَّمَاءِ. وَلَا تَنسَ أَنَّ الأَخذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الجَارِيَةِ تَجسِيمٌ للهِ وَالجِسمُ مَخلُوقٌ فَلَا يَكُونُ الخَالِقُ جِسمًا وَلَا يَصِحُّ أَن يَخلُقَ الجِسمُ جِسمًا، فَالشّمسُ جِسمٌ مُنِيرٌ تَنفَعُ النَّاسَ وَالشَّجَرَ وَالمَاءَ بِضَوئِهَا وَحَرَارَتِهَا وَلَا تَستَحِقُّ مَعَ ذَلِكَ الأُلُوهِيَّةَ لِأَنَّهَا جِسمٌ لَهُ مِقدَارٌ وَكَمِيَّةٌ وَلَونٌ خَاصٌّ وَحَدٌّ خَاصٌّ فَتَحتَاجُ إِلى مَن قَدَّرَهَا بِهَذَا المِقدَارِ وَخَلَقَهَا عَلَى هَذَا الحَجمِ، فَلَو كَانَتِ الأُلُوهِيَّةُ تَصِحُّ لِلجِسمِ لَكَانَتِ الشَّمسُ أَولَى بِالأُلُوهِيَّةِ مِنَ الجِسمِ الَّذِي يَزعُمُ الوَهَابِيَّةُ أَنَّهُ عَلى العَرشِ فَإِنَّ نَفعَهَا مُشَاهَدٌ مَحسُوسٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ الجِسمِ الَّذِي يَدعُونَهُ. 

وَهُوَ يُخَالِفُ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ فَإِنَّ اعتِقَادَ المُشَبِّهَةِ فِيهِ إِثبَاتُ أَمثَالٍ كَثِيرَةٍ للهِ تَعَالَى لَا مِثلٌ وَاحِدٌ فَقَط، فَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُون.

خلاصة في ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة

إِنَّ مِن أُصُولِ عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ قَاطِبَةً تَنزِيهَ اللهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ فَاللهُ لَا يُشبِهُ العَالَمَ العُلوِيَّ وَلَا السُّفلِيَّ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ قَبلَهُ» فَكَانَ اللهُ قَبلَ السَّمَاءِ وَمَا فَوقَهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالعَرشِ وَقَبلَ الأَرضِ وَمَا دُونَهَا مِن جَهَنَّمَ، فَخَلَقَهَا اللهُ وَمَا بَينَهَا وَلَا يَحتَاجُ إِلى شَيءٍ مِنهَا وَلَا يَتَغَيَّرُ.

وَمَا أَجمَلَ مَا قَالَهُ الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ أَحمَدَ بنُ أَبِي بَكرٍ الأَنصَارِيُّ الخَزرَجِيُّ الأَندَلُسِيُّ القُرطُبِيُّ المُفَسِّرُ فِي كِتَابِ التّذكَارُ فِي أَفضَلِ الأَذكَارِ: “لِأَنَّّ كُلَّ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرضِ وَمَا فِيهِمَا خَلقُ اللهِ تَعَالى وَمِلكٌ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَستَحِيلُ عَلى اللهِ أَن يَكُونَ فِي السَّمَاءِ أَو فِي الأَرضِ إِذ لَو كَانَ فِي شَيءٍ لَكَانَ مَحصُورًا أَو مَحدُودًا وَلَو كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُحدَثًا وَهَذَا مَذهَبُ أَهلِ الحَقِّ وَالتَّحقِيقِ وَعَلى هَذِهِ القَاعِدَةِ قَولُه تَعَالَى: ﴿ءأمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ وَقَولُهُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِلجَارِيَةِ: أَينَ اللهُ؟ قَالَت فِي السَّمَاءِ، وَلَم يُنكِر عَلَيهَا وَمَا كَانَ مِثلُهُ لَيسَ على ظَاهِرِهِ بَل هُوَ مُؤَوَّلٌ تَأوِيلَاتٍ صَحِيحَةً قَد أَبدَاهَا كَثِيرٌ مِن أَهلِ العِلمِ فِي كُتُبِهِم”.

قَالَ إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُ (324 هـ) رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا نَصُّهُ: “كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ فَخَلَقَ العَرشَ وَالكُرسِيَّ وَلَم يَحتَج إِلى مَكَانٍ، وَهُوَ بَعدَ خَلقِ المَكَانِ كَمَا كَانَ قَبلَ خَلقِهِ”اهـ أَي بِلَا مَكَانٍ وَمِن غَيرِ احتِيَاجٍ إِلى العَرشِ وَالكُرسِيِّ. نَقَلَ ذَلِكَ عَنهُ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرَ نَقلًا عَنِ القَاضِي أَبِي المَعَالِي الجُوَينِيِّ.

قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ: “وَأَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الاحتِجَاجِ بِحَدِيثِ الجَارِيَةِ فِي إِثبَاتِ المَكَانِ لَهُ تَعَالَى فَلِلبَرَاهِينِ القَائِمَةِ فِي تَنَزُّهِ اللهِ سُبحَانَهُ عَنِ المَكَانِ وَالمَكَانِيَاتِ وَالزَّمَانِ وَالزَّمَانِيَاتِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل لِمَن مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ قُلْ للهِ﴾، [الأنعام:12] وَهَذَا مُشعِرٌ بِأَنَّ المَكَانَ وُكُلَّ مَا فِيهِ مِلكٌ للهِ تَعَالَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، [الأنعام:13] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أَنَّ الزَّمَانَ وُكُلَّ مَا فِيهِ مِلكٌ للهِ تَعَالى، فَهَاتَانِ الآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلى أَنَّ المَكَانَ وَالمَكَانِيَاتِ وَالزَّمَانَ وَالزَّمَانِيَاتِ كُلَّهَا مِلكٌ للهِ تَعَالى وَذَلكَ يَدُلُّ عَلى تَنـزِيهِ اللهِ سُبحَانَهُ عَن المَكَانِ وَالزَّمَانِ.اهـ

الخاتمة

وَبَعدَ هَذَا العَرضِ يَتَبَيَّنُ لِلمُنصِفِ أَنَّ حَدِيثَ الجَارِيَةِ لَا يَصِحُّ أَن يُتَّخَذَ دَلِيلًا لِإِثبَاتِ الجِهَةِ أَوِ المَكَانِ للهِ تَعَالى، كَمَا تَوَهَّمَهُ المُجَسِّمَةُ، بَل هُو حَدِيثٌ دَائِرٌ بَينَ التَّأوِيلِ وَالاضطِرَابِ وَالتَّرجِيحِ، لَا عَلى ظَاهِرِهِ الَّذِي يُفضِي إِلى التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، بَل عَلى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَتنزِيهِهِ، كَمَا قَرَّرَ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ وَالفُقَهَاءِ.

وَقَد ظَهَرَ مِن أَقوَالِ العُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ:

  • إِمَّا مُؤَوَّلٌ بِمَا يُوَافِقُ التَّنزِيهَ، فَيُحمَلُ قَولُهَا: فِي السَّمَاءِ عَلى رِفعَةِ القَدرِ وَالمَنزِلَةِ، لَا على العُلُوِّ المَكَانِيِّ.
  • أَو مَردُودٌ مِن حَيثُ اضطرَابُهُ لِاختِلَافِ أَلفَاظِهِ وَمَخَارِجِهِ، وَتَعَدُّدِ طُرُقِهِ المُتَبَايِنَةِ.
  • أَو مَرجُوحٌ إِذَا قُورِنَ بِالرِّوَايَاتِ الأُخرَى الَّتِي تُوَافِقُ أُصُولَ الدِّينِ، كَحَدِيثِ مَالِكٍ وَأَحمَدَ وَغَيرِهِمَا مِمَّن رَوَوا أَنَّهَا شَهِدَت أَن لَا إله إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.

فَلَا حُجَّةَ بَعدَ هَذَا لِمَن أَثبَتَ لله تَعَالى الحَيِّزَ وَالجِهَةَ أَو جَعَلَ لَهُ مَكَانًا فِي العُلُوِّ أَو فِي السَّمَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ نُصُوصَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالعَقلَ الصَّرِيحَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، [سورة الشورى: 11].

وَإِنَّمَا الوَاجِبُ عَلى المُؤمِنِ أَن يُثبِتَ للهِ تَعَالى مَا أَثبَتَهُ لِنَفسِهِ مِن غَيرِ تَمثِيلٍ، وَيُنَزِّهَهُ عَمَّا نَفَاهُ عن ذَاتِهِ مِن غَيرِ تَعطِيلٍ، فَيَجمَعَ بَينَ التَّنزِيهِ وَالإِثبَاتِ على قَاعِدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

فَالخَالِقُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحُدُودِ وَالأَركَانِ، وَعَنِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَعَن صِفَاتِ الحَوَادِثِ وَالمَخلُوقَاتِ، لَا تَحوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ، وَلَا يَحُدُّهُ فِكرٌ أَو وَهمٌ، بَل هُوَ الَّذِي خَلَقَ المَكَانَ وَقَدَّرَهُ، فَكَيفَ يُحَاطُ بِهِ أَو يُحصَرُ فِيهِ.

وَنَسأَلُ اللهَ تَعَالى أَن يَجعَلَ هَذَا البَيَانَ نُصرَةً لِلحَقِّ، وَهِدَايَةً لِمَنِ الْتَبَسَ عَلَيهِ الأَمرُ فِي هَذَا البَابِ، وَأَن يَختِمَ لَنَا بِالحُسنَى، وَصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
  • سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
  • سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  • سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
  • المُستَدرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لِلحَاكِمِ.
  • مُوَطَّأِ الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ.
  • مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ.
  • صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ.
  • مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ.
  • مُسنَدِ الدَّارِمِيِّ.
  • مُسنَدِ البَزَّارِ.
  • فَتحِ البَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
  • الفَقِيهِ وَالمُتَفَقِّهِ لِلخَطِيبِ البَغدَادِيِّ.
  • الِاعتِقَادِ لِلبَيهَقِيِّ.
  • الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلبَيهَقِيِّ.
  • تَفسِيرِ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِأَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ.
  • أُصُولِ الدِّينِ لِأَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ.
  • مُجَرَّدِ مَقَالَاتِ الأَشعَرِيِّ لِابنِ فُورَكَ.
  • أَسَاسِ التَّقدِيسِ لِلإِمَامِ الرَّازِيِّ.
  • البَازِ الأَشهَبِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
  • دَفعِ شُبَهِ التَّشبِيهِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
  • إِشَارَاتِ المَرَامِ لِلبَيَاضِيِّ.
  • تَفسِيرِ القُرطِبِيِّ.
  • تَفسِيرِ البَيضَاوِيِّ.
  • تَفسِيرِ النَّسَفِيِّ.
  • تَفسِيرِ الخَازِنِ.
  • الكِفَايَةِ لِنُورِ الدِّينِ البُخَارِيِّ.
  • مُشكِلِ الحَدِيثِ وَبَيَانِهِ لِابنِ فُورَكَ.
  • كَشفِ الأَستَارِ لِلحَافِظِ البَزَّارِ.
  • التَّلخِيصِ الحَبِيرِ لِابنِ حَجَرٍ.
  • المَبسُوطِ لِلسَّرَخسِيِّ.
  • الفَوَائِدِ المَقصُورَةِ لِعَبدِ اللهِ الغُمَارِيِّ.
  • التَّذكَارِ فِي أَفضَلِ الأَذكَارِ لِلقُرطُبِيِّ.