بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
الدُّعَاءُ بَابٌ مِنَ الأَبوَابِ المُدخِلَةِ لِرَحمَةِ العَزِيزِ الوَهَّابِ، وَطَرِيقٌ مِنَ الطُّرُقِ المُوصِلَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَوَسِيلَةٌ مِن أَنجَحِ الوَسَائِلِ، فَإِن كَانَ مِدَادُهَا الدَّمعَ السَّائِلَ، فَهُوَ الدُّعَاءُ الوَاصِلُ، وَقَد حَثَّنَا الشَّرعُ عَلَى الدُّعَاءِ وَبَيَّنَ فَضلَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ.
من كلام الله تعالى في فضل الدعاء
- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، [سورة البقرة: 186].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، [سورة الأعراف: 55].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، [سورة غافر: 60].
- وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾، [سورة الإسراء: 110].
من كلام المصطفى ﷺ في فضل الدعاء
قَدِ استَنزَلنَا الرَّحمَةَ بِتِلَاوَةِ شَيءٍ مِن مُحكَمِ التَّنزِيلِ، فَلنَستَدعِ البَرَكَةَ بِذِكرِ أَحَادِيثَ مِن كَلَامِ سَيِّدِ الخَلقِ مُحَمَّدٍ ﷺ
- قَالَ ﷺ: “أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِنَ الرَّبِّ فِي جَوفِ اللَّيلِ الآخِرِ فَإِنِ استَطَعتَ أَن تَكُونَ مِمَّن يَذكُرُ اللهَ فِي تِلكَ السَّاعَةِ فَكُن“، رَوَاهُ الشَّيخَانِ.
- وَقَالَ ﷺ: “مَن سَرَّهُ أَن يَستَجِيبَ اللهُ لَهُ عِندَ الشَّدَائِدِ وَالكَربِ فَليُكثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ“، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
- وَقَالَ: “اتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
- وَقَالَ: “ادعُوا اللهَ وَأَنتُم مُوقِنُونَ بالإِجَابَةِ، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَستَجِيبُ دَعوَةَ قَلبٍ غَافِلٍ لَاهٍ“، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
- وَقَالَ: “مَا مِن عَبدٍ يرفَعُ يَدَيهِ حَتَّى يَبدُوَ بَيَاضُ إِبطَيهِ يَسأَلُ اللهَ مَسأَلَةً إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهَا مَا لَم يُعَجِّل“، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ تَكُونُ عَجَلَتُهُ، قَالَ: “يَقُولُ قَد سَأَلتُ رَبِّي وَسَأَلتُ فَلَم أُعطَ شَيئًا“.
- وَقَالَ: “لِيَسأَل أَحَدُكُم رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسأَلَهُ المِلحَ لِأَهلِهِ وَحَتَّى يَسأَلَهُ شِسعَ نَعلِهِ إِذَا انقَطَعَ“، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
- وَرَوَى النُّعمَانُ بنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ” ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، الآية، رَوَاهُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَقَالَ ﷺ: “الدُّعَاءُ مُخُّ العبادة“، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
- وَرَوَى أَبُو هُرَيرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “لَيسَ شَيءٌ أَكرَمَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ“، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
- وَقَالَ ﷺ: “إِنَّ العَبدَ لَا يُخطِئُهُ مِنَ الدُّعَاءِ إِحدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا ذَنبٌ يُغفَرُ لَهُ وَإِمَّا خَيرٌ يُعَجَّلُ لَهُ وَإِمَّا خَيرٌ يُدَّخَرُ لَهُ“، رواه الديلمي، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “مَا مِن مُسلِمٍ يَدعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا استُجِيبَ لَهُ، فَإِمَّا أَن يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنيَا، وَإِمَّا أَن يُدَّخَرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَن يُكَفَّرَ مِن ذُنُوبِهِ بِقَدرِ مَا دَعَا مَا لَم يَدعُ بِإِثمٍ أَو قَطِيعَةِ رَحِمٍ“، رواه الطبراني.
- وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَكفِي مِنَ الدُّعَاءِ مَعَ البِرِّ مَا يَكفِي الطَّعَامَ مِنَ المِلحِ، وَقَالَ ﷺ: “سَلُوا اللهَ تَعَالَى مِن فَضلِهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَن يُسأَلَ، وَأَفضَلُ العِبَادَةِ انتِظَارُ الفَرَجِ“، رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ.
- وَرَوَى يَزِيدُ الرقاشيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: “إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبدًا ضَرَبَ وَجهَهُ بِالبَلَاءِ كَمَا تُضرَبُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَن حِيَاضِ المَاءِ، فَيَكُونُ مَرحُومًا فِي أَهلِ السَّمَاءِ، وَمَا مِن دَعوَةٍ يَدعُو بِهَا إِلَّا أَعطَاهُ اللهُ تَعَالَى إِحدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ“، رواه أبو الليث السمرقندي.
من كلام الأئمة في فضل الدعاء
روي عَن يَزِيدَ الرقاشيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ عَرَضَ اللهُ تَعَالَى كُلَّ دَعوَةٍ دَعَا بِهَا العَبدُ فِي الدُّنيَا فَلَم يُجَب بِهَا، فَيَقُولُ لَهُ: عَبدِي، دَعَوتَنِي يَومَ كَذَا، فَأَمسَكتُ عَلَيكَ دَعوَتَكَ، فَهَذَا الثَّوَابُ مَكَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءِ، فَلَا يَزَالُ العَبدُ يُعطَى مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَم يَكُن أَجَابَهُ دَعوَةً قَطُّ.
وَيُروَى أَنَّ رَابِعَةَ العَدَوِيَّةَ -وهي من الصالحات العابدات من أهل السلف- خَرَجَت إِلَى المَقبَرَةِ فَاستَقبَلَهَا رَجُلٌ فَقَالَ لَهَا: ادعِي اللهَ لِي، فَقَالَت: يَرحَمُكَ اللهُ، أَطِعِ اللهَ وَادعُهُ فَإِنَّهُ يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ.
وَقَالَ عَبدُ اللهِ الأَنطَاكِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: دَوَاءُ القَلبِ خَمسَةُ أَشيَاءَ: مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ، وَقِرَاءَةُ القُرآنِ، وَإِخلَاءُ البَطنِ مِنَ الحَرَامِ، وَقِيَامُ اللَّيلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِندَ الصُّبحِ.
فضلُ الدعاء بظهر الغيب
- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، [سورة الحشر: 10].
- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، [سورة محمد: 19].
- وَقَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَن إِبرَاهِيمَ ﷺ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، [سورة إبراهيم: 41].
- وَقَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَن نُوحٍ ﷺ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، [سورة نوح: 28].
- وَعَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “مَا مِن عَبدٍ مُسلِمٍ يَدعُو لِأَخِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ إِلَّا قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثلٍ“، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
- وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: “دَعوَةُ المَرءِ المُسلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهرٍ بِالغَيبِ مُستَجَابَةٌ، عِندَ رَأسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيرٍ، قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثلٍ“.
- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “أَسرَعُ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ“، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ﷺ: “مَا مِن دَعوَةٍ أَسرَعُ إِجَابَةً مِن دَعوَةِ غَائِبٍ لِغَائِبٍ“.
الخاتمة
الدُّعَاءُ يَستَدعِي حُضُورَ القَلبِ مَعَ اللهِ وَهُوَ مُنتَهَى العِبَادَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: “الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ“، وَالغَالِبُ عَلَى الخَلقِ أَنَّهُم لَا تَنصَرِفُ قُلُوبُهُم إِلَى ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا عِندَ إِلمَامِ حَاجَةٍ وَإِرهَاقِ مُلِمَّةٍ، فَإِنَّ الإِنسَانَ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ، فَالحَاجَةُ تُحوِجُ إِلَى الدُّعَاءِ، وَالدُّعَاءُ يَرُدُّ القَلبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّضَرُّعِ وَالِاستِكَانَةِ فَيَحصُلُ بِهِ الذِّكرُ الَّذِي هُوَ أَشرَفُ العِبَادَاتِ وَلِذَلِكَ صَارَ البَلَاءُ مُوكَلًا بِالأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ ثُمَّ الأَولِيَاءِ ثُمَّ الأَمثَلِ فَالأَمثَلِ، لِأَنَّهُ يَرُدُّ القَلبَ بِالِافتِقَارِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَمنَعُ مِن نِسيَانِهِ، وَأَمَّا الغِنَى فَسَبَبٌ لِلبَطَرِ فِي غَالِبِ الأُمُورِ، فَـ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
وَالله تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
- إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لِلإِمَامِ الغَزَالِيِّ.
- التَّذكِرَةِ فِي الوَعظِ لِابنِ الجَوزِيِّ.
- الأَذكَارِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.