استهلال مواسم الطاعات بالتوبة النصوح

استهلال مواسم الطاعات بالتوبة النصوح

الخطبة الأولى

الحمد للهِ غافرِ الذنبِ وقابلِ التوبِ شديدِ العقابِ ذي الطَّولِ لا إله إلا هو إليه المصير، دبّرَ فأحكمَ التدبيرَ وقدَّرَ وشاءَ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، من استرحمهُ فهو له راحمٌ ومن استغاثَه فهو له مغيثٌ ومن استجارَهُ فهو له مُجير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضدَّ ولا ندَّ ولا زوجةَ ولا ولدَ له شهادةً أسألُ ربي لي ولكم بها يومَ القيامةِ أن يجيرَنا من نارِ السَّعير، وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم الهادي البشيرُ والقمرُ المنير، اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين.

عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتَّقوا الله فإنّ تقواه أفضلُ مكتَسَبٍ، “يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(ءال عمران: 102)، واعلموا أن اللهَ تعالى يقولُ في القرءانِ الكريم:” وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ” (البقرة:284). فاللهَ اللهَ عبادَ الله.

  أيّها المسلمون: فرصةٌ وأيُّ فرصة!! فرصةٌ قد لا تتكرر وقد لا تدرِكُها أصلا!! إنه رمضان، شهرُ الرحمةِ والمغفرةِ والعِتقِ من النيرانِ، إنه الفرصةُ العظيمةُ التي ينبغي لكل مسلمٍ أن يستغلَّها بطاعةِ الله تعالى، أن يستغلَّها بالتوبةِ إلى الله تعالى توبةً نصوحًا، الفرصةُ التي هي طريقُ الجنةِ والفلاحِ، يقول اللهُ تعالى: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (النور:31) ؛ فطريقُ الفلاحِ أخي المسلم أن تسارِعَ بالتوبةِ إلى اللهِ تعالى، فأقبل أخي المسلم إلى الخيرات في شهر الخيرات، أقبل إلى الأعمالِ التي من شأنِها أن تكونَ سببًا في توبتِك وبكائِك في جوفِ الليلِ خوفًا من اللهِ ربِّ العالمين وحزنًا على تقصيرِك، فسلْ نفسَكَ أين أنا في شهرِ رمضانَ من التوبةِ إلى اللهِ تعالى، أتريدُ أن يكونَ “رمضان غير” إذًا بادرْ إلى التوبةِ وطاعةِ الله تعالى، وحذارِ وأن تضيعَ هذه الفرصةَ العظيمة.

  أخي المسلم: اعلم أن التوبةَ واجبةٌ على الفورِ من كل ذنبٍ كبيرًا كان أو صغيرًا، وإياك وأن تستصغِرَ معصيةً من المعاصي فتترُكَها من غيرِ توبةٍ فإنك تعصي الإلهَ الخالقَ القادرَ على كلِّ شيء، ولا تنظرنَّ أخي المسلم إلى صِغَر المعصيةِ ولكن انظرْ إلى عِظَمِ وشأنِ من عصيت!! واسمعْ معي أخي المسلم لأركانِ التوبةِ والتي لا تصحُّ ولا تقبلُ توبةُ المرءِ بدونِها، فحتى تتوبَ أخي من أيِّ ذنبٍ صغيرِ أو كبيرٍ لا بد من هذه الأركانِ الثلاثةِ والتي بفقدِ أحدِها لا تُقبلُ ولا تصحُّ التوبةُ أبدا، فأوّلُ هذه الأركانِ: الإقلاعُ عن الذنبِ، أي تركُ الذنبِ، وثانيها: الندمُ أسفًا على عصيانِ اللهِ تبارك وتعالى، وأما كثيرٌ من الناسِ اليوم فإنما يندمونَ لحظٍّ دنيويٍّ أي لأجلِ الخوفِ من الفضيحةِ بين الناسِ مثلا أو ضياعِ مالٍ أو تعبِ بدنٍ أو غيرِ ذلك من أمورِ الدنيا، ثم إن الندمَ هو أعظمُ أركانِ التوبةِ؛ لأن الإنسانَ عندما يندمُ لأنهُ لم يُراعِ حقَّ الله تعالى، يحمِلُهُ ذلك على أن يؤديَ سائرَ أركانِ التوبةِ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الندمُ توبة”(1) أي أن أعظمَ أركانِ التوبةِ الندم، وليس معناهُ أن الندمَ وحدَه كافٍ لصحةِ التوبةِ. وثالثُها أي الأركانِ التي تشترطُ لصحةِ التوبةِ: العَزْمُ الأكيدُ على عدمِ العَوْدِ إلى الذنب: فلا بُدَّ أن ينويَ بقلبِهِ نيةً جازمةً أن لا يرجعَ إلى الذنب. وهناك ركنٌ رابعٌ أخي المسلم لبعضِ الذنوب، فمثلًا إذا كانت المعصيةُ تركَ فرضٍ من الفروضِ فيُزادُ فيها قضاءُ ذلك الفرضِ، فإن كان المتروكُ صلاةً أو نحوَها قضاهُ فورًا(2)، وإن كان تركَ نحوِ زكاةٍ، فلا بدَّ من إخراجِها وهكذا. وكذلك إنْ كانتِ المعصيةُ تَتَعَلَّقُ بحَقِّ الأدميين كالضَّرْبِ بغيرِ حَقٍّ فلا بدَّ من استسماحِهم، وكذلك إن كانت المعصيةُ أكلَ مالِ النَّاسِ ظُلْمًا فلا بدّ لصحة التوبةِ من ردِّ الحقِّ إلى صاحبِهِ. والسؤالُ الذي يتبادرُ إلى الذهنِ هنا: هل إذا رجعتُ إلى الذنبِ تقبلُ التوبةُ عن الذنبِ الأول؟!! اعلم أخي المسلمَ أنَّك إذا تبتَ توبةً صحيحة، مُحِيَ عنك الذنب، فلو رجعتَ بعد ذلك لا يرجعُ لك الذنبُ الأولُ؛ بل يكتبُ عليك الذنبُ الذي رجعتَ إليه فقط، فقد روى الحاكمُ(3) عن الصحابيِّ الجليلِ عقبةَ بنِ عامرٍ رضي اللهُ عنه: أن رجلًا أتى رسولَ اللهِ صلى الله عليه و سلم فقالَ: يا رسولَ اللهِ أَحَدُنا يُذنبُ، فقال عليه الصلاةُ والسلامُ: “يُكْتبُ عليه” قال الرجلُ : ثم يستغفرُ منه و يتوبُ، قال عليه الصلاةُ والسلام: “يُغفرُ لهُ ويُتابُ عليه(4) قال الرجلُ: فيعودُ فيُذنِبُ قال صلى الله عليه وسلم: “يُكتبُ عليه ولا يَمَلُّ اللهُ حتى تَمَلُّوا” ومعناهُ مهما تكرر الذنبُ من الإنسانِ وتاب منه، فإن اللهَ تعالى يغفرُهُ له، وليس معناهُ أن الله تعالى يتّصِفُ بصفةِ المللِ الذي هو ضَعفُ الهمةِ من العبدِ.

إخوة الإسلام: استعدوا ليومِ القيامةِ، ليومِ التَغَابُنِ، ليومِ الصَّيحةِ، ليومِ الزلزلةِ، ليومِ القارعةِ، ليومٍ تُنسفُ فيه الجبالُ وتُسَجَّرُ وتشتعلُ فيه البِحار، اذكرْ ذلك اليومَ “يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شيئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئّذٍ للهِ “ (الانفطار:19) لكن لا تقنَطْ من رحمةِ اللهِ يا أخي المؤمن مهما كثُرتْ معاصِيك؛ فقد قال الله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر:53) ، ولا تقلْ أنا لن يغفرَ اللهُ لي وسيعذُبُني لا محالةَ لكثرةِ ذنوبي، حرامٌ عليكَ أن تظنَّ هذا بالله، وما يُدريكَ ما يفعلُه بِكَ ربُّكَ!! وكيفَ تجزِمُ أن اللهَ سيعذبُكَ؟! فاللهُ شديدُ العقابِ ولكنَه أيضًا غفورٌ رحيم. فإياكَ أن تسترسلَ في المعاصي اتّكالًا على رحمةِ اللهِ من غيرِ توبةٍ فتقولَ اللهُ غفورٌ رحيمٌ فلن يعذبَني فهذا حرامٌ، وإيَّاكَ وأن تَقْنَطَ إن لم تتُبْ فتقولَ سيعذِبُني اللهُ جَزْمًا ولن يغفرَ لي فهذا حرامٌ، عليك يا أخي المؤمن أن تكونَ بين الخوفِ والرجاءِ تخافُ عقابَ الله وترجو عفوَه وثوابَه هكذا ينبغي أن يكونَ حالُك بين الخوفِ والرَّجاء. نسألُ اللهَ تعالى أن يتوبَ علينا وأن يغفرَ لنا، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: الفضيلُ بنُ عياض روي أنه كان قاطعَ طريق، فمرّت به قافلةٌ فيها امرأةٌ عروس شديدةُ الجمالِ، فقال الفضيلُ: الليلةُ ليلتُكَ يا فضيل، فلما أقبلَ الليلُ اقتربَ من القافلة، يريد الحرامَ مع هذه المرأةِ، فسمعَها تقرأُ القرءانَ وقد وصلتْ لقولِ اللهِ تعالى: “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ” (الحديد: 16) فصارَ ينتفضُ ويرتجفُ ويمرِّغُ وجهَهُ بالترابِ ويقولُ بلى يا ربُّ بلى يا ربُّ، قد ءانَ يا ربُّ قد ءانَ يا ربُّ ، فتاب للهِ تعالى توبةً نصوحا، أي لم يرجعْ بعد ذلك للذنبِ وصار من أكابرِ الأولياءِ والعلماءِ(5). نسأل الله تعالى أن يحفظَنا من المعاصي صغيرِها وكبيرِها وأن يرزقَنا توبةً نصوحا، إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبَنا يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيثَ ولا تجْعَلْنا من القانطين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

  1. رواه الإمام أحمد في مسنده.
  2. وهذه المسألة لم يختلف فيها فقهاء المذاهب الأربعة الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، بل نقل إجماع المجتهدين على هذه المسألة الحافظ النووي الشافعي فقال في كتابه المجموع ما نصه: “أجمع العلماء الذين يعتد بهم علي أن من ترك صلاة عمدا لزمه قضاؤها”.
  3. في المستدرك.
  4. أي يتوب الله عليه ويقبل توبته.
  5. ذكر القصة القرطبي في التفسير.
ما حكم الهبة والعطية لأحد الأبناء؟

ما حكم الهبة والعطية لأحد الأبناء؟

الحديث روى البخاريُّ في صحيحِه عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال: “أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share