قال الله تعالى
وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
سورة الروم
النكد من أكثر أسباب دمار الحياة الزوجية، وبرغم أنه ما من زوج أو زوجة إلا ويفر من النكد فرار السليم من الأجرب، إلا أن النكد الزوجي أصبح واقعا تئن من وطأته كثير من البيوت، ربما لأنه كالنار يبدأ من مستصغر الشرر، وهو خلاف السكن والمودة والرحمة بين الأزواج، فكيف نجتنب النكد؟ وكيف نتخلص منه إذا أصبح زائرًا ثقيلا لبيوتنا؟
ما هو النكد؟
النكد هو: التعكير الدائم لصفو الآخر، وهو تمامًا كالحرب النفسية، ويرجِع سببه إلى الفراغ أو سطحية التفكير، وأحيانا يكون بسبب تربية غير صحيحة خضع لها منذ الصغر، أو محاولة لجذب انتباه الآخر كانتقامٍ مِنهُ على تَجاهُلِهِ لِشَريكه في الحياة مثلا.
من تصرفات الزوج
وعلى الرغم من أن البعض يتهم الزوجات بأنهن “نكديات” بطبيعتهن، إلا أننا لا نستطيع غض الطرف عن الزوج لأنه أحيانًا يقوم ببعض التصرفات التي تجلب النكد للزوجة ولأهل البيت أيضًا، من هذه التصرفات:
- كأن يصر على عدم ذهاب زوجته لأهلها
- أن يضيق عليها في أمور ينبغي أن يكون لينا سهلا فيها
- أن ينتقد أهل زوجته
- أن ينتقد زوجته ويعلق على شكلها وتصرفاتها
- أن يكرر غيابه عن البيت بشكل مستمر ويكثر السهر بعيدًا عن المنزل
- أن لا يهتم بشؤون أهل بيته وزوجته
- أن لا يعطي للزوجة وقتا لها كمُتنفَّس
- أن لا يجعل له ولها وقتا خاصا
وغير ذلك من السلوكيات التي ترفضها الزوجة فتميل لمقابلة النكد بنكد مثله وهو ما يزيد الأمور اشتعالا، مما يؤدي إلى حياة زوجية بائسة مقيتة أو إلى طلاق وانفصال.
من تصرفات الزوجة
والبعض يرى أن نكد الزوجات أبقى وأقوى وأشد ضراوة، فمن الزوجات من تجدها تبحث عن النكد وتُحَوِّل حياة زوجها إلى نيران مشتعلة بسبب الشكوى المستمرة، فمن سوء الأحوال المادية إلى مشكلات الأولاد إلى إهمال الزوج لشؤون بيته، إلى الشكوى من أمه التي هي متهمة دائمًا بالتدخل في شؤونهم، وبدلا من أن يَفتح الزوج الباب ويجد ابتسامة مشرقة ويدًا حانية وصوتًا رقيقًا، يجد وابلا من الأخبار السيئة ومشكلات الأولاد والجيران والأقارب!
المشاحنات اليومية
ثم إن المشاحنات اليومية الصغيرة التي تحدث بين أي زوجين تؤدي دورًا واضحًا في ترسيب المشاعر السلبية بينهما، وهي إن كانت لا تحوي قدرًا كبيرًا من العنف إلا أنها تعتبر الشرارة الأولى لتُفَجِّر المشكلات الكبيرة، وربما العنف المؤدي إلى الطلاق من منطلق أن معظم النار من مستصغر الشرر.
وإن أغلب تلك المشاحنات لا تعبر عن عيوب في أحد الزوجين بل في طريقة التواصل بينهما، وهي عبارة عن شحنة زائدة ناتجة عن إحباطات ومشكلات طارئة تُفَرَّغ ضد الطرف الآخر، وقد تكون لسبب تافه لا علاقة للطرف الآخر به، ولا نقول بأن حصول بعض المشاكل تُلغي المودة والرحمة بين الأزواج، فكثير من الأزواج تحصل بينهما مشاكل وخلافات لا تؤدي إلى النكد والانفصال، ولكن المهم ألا تكون هذه الخلافات سببا في دمار ما هو جميل في علاقة الزوجين.
عواقب النكد
- يؤثر سلبًا على الحياة الزوجية
- عند المرأة، النكد يؤثر في قدرتها على احتمال هذه الحياة النفسية
- الأمراض التي تصيب الإنسان بسبب الغضب والنكد
- تصل إلى الأبناء فيشعرون بالخطر والقلق والتوتر
- يقل إحساس الأبناء بالاطمئنان فضلا عن إمكانية إصابتهم ببعض الأمراض
حلول لفض الاشتباك
منع الخلافات أمر صعب، فالخلاف أمر يندرج في واقع الحال بين البشر، وخاصة إذا كان هناك احتكاكات يومية، فلا تخلو من اختلافات في وجهات النظر، تجعل من الصعب منعها، فسبيل الحل هو إيجاد أسلوب للتفاهم.
ففض المشاحنات بين الزوجين يتطلب اعتماد الأسلوب الذي يؤدي إلى حل الخلافات وليس تصعيدها، وأُولى الخطوات هي:
- ضبط النفس والتفكير في أسباب المشكلة
- مناقشة الطرف الآخر والاستماع لرأيه، بهدف فهم وجهة نظره
- تقييم المشكلة بموضوعية وهذا يتطلب قدرًا من المرونة والتسامح في العلاقة للوصول إلى قناعة مشتركة
وفي حال عدم التوصل إلى قناعة مشتركة فلا بأس من تأجيل الموضوع لفترة، وقد يجدي الصمت في حال كون أحد الطرفين في مزاج عصبي أو عندما لا يمتلك رؤية واضحة للموضوع المختلَف عليه.
نصائح للزوجات
- لا تجعلي الابتسامة تفارق وجهك فهي رسالة غير مباشرة لحالة الحب والرضا وعدم الاستعداد للنكد
- عوِّدي نفسك على طلب ما تريدين أو طرح الموضوع مرة واحدة، فالإلحاح أمر مزعج بالنسبة إلى الزوج إلا إذا كان الأمر مُلِح
- عودي نفسك على الدعابة، ولا تجعلي من التوافه مآسيًا
- حاولي السيطرة على انفعالاتك في مواقف الغضب، ولا تلجئي إلى الشجار أو الصوت العالي
- تحدثي بهدوء عما يُسَبِّبُ لك الضيق، وتخيري وقتًا مناسبًا عندما يكون زوجك هادئًا متفرغًا
- راعي ظروف زوجك المادية والنفسية، وشاركيه في حل همومه ومشكلاته بدلا من أن تضيفي إليه همومًا وأعباءً جديدة، بل تعاوني معه على تخطي العقبات
- لا تقارني بين زوجك وأقرانه من أصحاب الدخل الأعلى أو المزايا المعيشية الرحبة فتلك المقارنة مجلبة للنكد
- لا تستفزي زوجك ولا تذكِّريه بمشكلات سابقة، فهذا يجعله أكثر عصبية واستعدادًا للنكد
- تجنبي إيذاء مشاعر شريكك أو كرامته باللفظ أو القول أو الإشارة، فتلك الإهانات تصيب الحالة العاطفية للطرف المهان بنوع من الشروخ يصعب إصلاحها
- عليك باحترام الرجل الذي هو زوجك، وابتعدي عن إهانته أو الاستخفاف والاستهزاء به، ولا تسفهي ءارائه، وإذا فعلت أو قلت شيئًا بدون احترام فعليك بالاعتذار، واقبلي إجاباته دون تقديم أيّ انتقادات
من المسؤول عن النكد؟
يتهم البعض أن الزوجة هي المسؤولة عما يحدث من نكد في الحياة الزوجية، والحقيقة أنها مسؤولة عن جزء منه، والمرأة هي مصدر البهجة والسعادة في البيت، وينعكس ذلك على الزوج والأولاد، وإن كانت في نفسية سيئة فإن ذلك ينعكس أيضا على زوجها وأولادها، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن السعادة الزوجية تكون بحسن تعاون الزوجين، وأن المسؤولية مشتركة بين الطرفين في إنجاح الحياة الزوجية، ولكن هناك صفات إذا كانت في الزوجة وغلبت على سلوكياتها في حياتها الزوجية تحول عش الزوجية إلى عيش لا يطاق.
فوائد الزواج
قال تعالى
وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
سورة الروم
فالزواج نعمة من نعم الله على عباده التي لا تُعد ولا تحصى، وفيه فضائل جليلة وفوائد جمَّة أنعم الله بها على كل زوجين، ففي الزواج:
- سكن للجسد والعاطفة والنفس والروح
- والمودة إن كانت بين الزوجين تدفعهما للعطاء دون انتظار المقابل فيتسامى كلاهما إلى منزلة الإحسان لتكون نفسهما معطاءة لتكميل كل منهما الآخر
- رحمة تتجاوز التشفي واصطناع المشاكل، رحمة تدفع الظلم والجور، رحمة تجعل الحياة سهلة هينة سعيدة هانئة
- محبة، فبعقد زواجهما صارا كواحد، لأن كل منهما يمثل النصف للآخر ، ولن يكونا كذلك مع الأنانية وحب الذات
نصائح لمن يريد تأسيس بيت
تعلم علم الدين
عليكم بأن تقصدوا باب العلم بتعلم ما افترض الله عليكم وتعلم أحكام النكاح وأن يعرف كل واحد من الزوجين ما له وما عليه
عليكم بتقوى الله
إن أردتم حصول البركة فعليكم بتقوى الله؛ لأن البركة حصول الخير ونماؤه ودوامه، بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
حفظ الأسرار
فعليكم بحفظ الأسرار وعدم التحدث بها
قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِنَّ مِنْ أَشَرّ النَّاس عِنْد اللَّه مَنْزِلَة يَوْم الْقِيَامَة الرَّجُل يُفْضِي إِلَى اِمْرَأَته وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُر سِرّهَا
رواه مسلم
في هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم إِفْشَاء الرَّجُل مَا يَجْرِي بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَة فِيهِ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل ونحو ذلك.
الحذر من الغضب
الغضب داء فاحذره، إلا أن تُنتهك محارم الله
قال الله تعالى
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
سورة البقرة
حسن الظن بينكما
إقامة جدار من الثقة المتبادلة بينكما (حسن الظن بينكما) لأن حسن الظن يؤدي إلى سلامة الصدر، وتدعيم روابط الألفة والمحبة
قال رسول الله ﷺ
إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا
القوامة في البيت للرجل
قال تعالى
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ
سورة النساء
يقال قوام وقيم أي أمين عليها، يتولى أمرها ويصلحها في حالها، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فعلى الزوج أن يبذل المهر والنفقة، ويحسن العشرة ويأمرها بطاعة الله ويرغب إليها شعائر الإسلام من صلاة وصيام وغيرهما، وعليها له الطاعة والحفظ لماله والإحسان إلى أهله.
وعلى كل من الزوجين أن يعمل على إصلاح نفسه لحياة أجمل، وأن يقدم كل واحد منهم التنازلات للوصول إلى هذا الهدف الراقي والسامي، وألا يعتبر الأزواج في حال حصول الخلاف بينهم أنهم في معركة وحرب وأن يتعاملا برقي لتخطي الأزمات والخلافات، وأسأل الله القدير أن يجعل السعادة والألفة والمودة والرحمة بينكم وأن يجمع بينكم في خير، والله المُوفق لما يحب ويرضى.
نصيحة في الختام
البيت السعيد كالبذرة إذا أردت أن تنضج وتزهر فتعاهدها بالسقاية والحفظ.
اللهم أزل الشحناء والبغضاء من بيوتنا، واجعلها قائمة على طاعتك وتقواك، وأسأل الله القدير أن يجعل السعادة والألفة والمودة والرحمة بينكم وأن يجمع بينكم في خير، والله المُوفق لما يحب ويرضى.
أخي الزوج/ أختي الزوجة: لا بد أن يدرك كل منكما أنكما في مركب واحد، وأن كلاكما إن جعل النكد هو أسلوب التعامل مع الآخر، فقد فتح باب الخراب على حياته الزوجية، وكان هو أول من يصطلي بنارها فَيفقد الأمن والاستقرار في بيته.
وكما قيل من يزرع الريح يحصد العاصفة، ومن أراد السعادة الزوجية فلا بد أن يكون متفهمًا بقلبه وعقله المعاني الحقيقية لأعظم كلمتين في العلاقة الزوجية: المودة والرحمة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين.
وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بارك الله فيكم