بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
سورة الحديد: 25
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ
رواه البخاري ومسلم
أَيَّدَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِمُعجِزَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى صِدقِ رِسَالَتِهِ وَدَعوَتِهِ، مُعجِزَاتٍ عَجَزَ النَّاسُ عَن أَن يُعَارِضُوهَا بِالمِثلِ، مُعجِزَاتٍ خَارِقَةٍ لَم يَعتَدِ النَّاسُ حُصُولَ مِثلِهَا، حَصَلَت أَمَامَ أَعيُنِهِم فَأَبهَرَتِ العُقُولَ وَحَيَّرَتِ الأَفهَامَ، فَآمَنَ العَاقِلُ مِنهُم، وَمَا استَطَاعَ المُكَذِّبُونَ رَدَّهَا إِلَّا بِكَلِمَاتٍ وَاهِيَةٍ تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ تَكَبُّرِهِم وَحِقدِهِم وَكُرهِهِم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَتَى كَانَ الحَجَرُ يُسَلِّمُ عَلَى البَشَرِ، وَمَتَى كَانَ الجَمَلُ يَشتَكِي لِرَجُلٍ رَآهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَمَتَى كَانَ الجِذعُ اليَابِسُ يَشعُرُ وَيُحِسُّ وَيَبكِي لِفِرَاقِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمِن هَذِهِ المُعجِزَاتِ البَاهِرَاتِ الَّتِي حَصَلَت لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ غَزَالَةٌ فِي البَادِيَةِ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، فَمَا الَّذِي حَصَلَ فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ؟
ذكر الحادثة
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيمٍ وَغَيرُهُم عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعضِ سِكَكِ المَدِينَةِ فَمَرَرنَا بِخِبَاءِ أَعرَابِيٍّ (مِثلُ الخَيمَةِ) وَإِذَا بِظَبيَةٍ (أَي غَزَالَةٍ) مَشدُودَةٍ إِلَى الخِبَاءِ (أَي مَربُوطَةٍ بِالخِبَاءِ)، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الأَعرَابِيَّ اصطَادَنِي، وَفِي رِوَايَةٍ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَومٍ صَادُوا ظَبيَةً فَشَدُّوهَا عَلَى عَمُودِ فُسطَاطٍ (وَهُوَ نَوعٌ مِن بُيُوتِ الشَّعَرِ) فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ أُخِذْتُ وَلِيَ وَلَدَانِ فِي البَرِّيَّةِ، وَقَد انعَقَدَ اللَّبَنُ فِي أَخلَافِي، فَلَا هُوَ يَذبَحُنِي فَأَستَرِيحَ، وَلَا يَدَعُنِي فَأَرجِعَ إِلَى وَلَدَيَّ فِي البَرِّيَّةِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِن تَرَكتُكِ تَرجِعِينَ؟“، قَالَت: نَعَم، وَفِي رِوَايَةٍ: فَاستَأذِنْ لِي أُرضِعهُمَا وَأَعُودَ إِلَيهِم، قَالَ ﷺ: “وَتَفعَلِينَ؟“، قَالَت: نَعَم، فَقَالَ ﷺ: “أَينَ صَاحِبُ هَذِهِ؟“، فَقَالَ القَومُ: نَحنُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ: “خَلُّو عَنهَا حَتَّى تَأتِيَ خِشفَهَا (أَي وَلَدَهَا) تُرضِعَهَا وَتَرجِعَ إِلَيكُم“، فَقَالُوا: مَن لَنَا بِذَلِكَ؟ قَالَ ﷺ: “أَنَا“، فَأَطلَقُوهَا فَذَهَبَت فَأَرضَعَت ثُمَّ رَجَعَت إِلَيهِم فَأَوثَقُوهَا، فَمَرَّ بِهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: “أَينَ صَاحِبُ هَذِهِ؟“، قَالُوا هُوَ ذَا نَحنُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ ﷺ: “تَبِيعُونَهَا؟” فَقَالُوا: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ: “خَلُّوا عَنهَا“، وَأَطلَقُوهَا، فَذَهَبَت وَهِيَ تَضرِبُ بِرِجلِهَا الأَرضَ فَرَحًا وَتَقُولُ: أَشهَدُ أَن لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ زَيدُ بنُ أَرقَمَ: فَأَنَا وَاللهِ رَأَيتُهَا تَسبَحُ فِي البَرِّيَّةِ وَهِيَ تَقُولُ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
الحكم على الحديث من حيث الصحة
قَالَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ مُحَمَّدُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ: (وَأَمَّا حَدِيثُ الظَّبيَةِ فَأَخرَجَهُ البَيهَقِيُّ مِن طُرُقٍ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ وَذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الشِّفَا وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الدَّلَائِلِ).
ثُمَّ قَالَ: (وَقَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ: لَكِنَّهُ وَرَدَ فِي الجُملَةِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ يُقَوِّي بَعضُهَا بَعضًا أَورَدَهَا الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي المَجلِسِ الحَادِي وَالسِّتِّينِ مِن تَخرِيجِ أَحَادِيثِ المُختَصَرِ).
فَالحَدِيثُ فِي الأَصلِ ضَعِيفٌ إِلَّا أَنَّهُ لَهُ شَوَاهِدُ يُقَوِّي بَعضُهَا بَعضًا تَجعَلُهُ يَرتَقِي إِلَى دَرَجَةِ القَبُولِ عِندَ المُحَدِّثِينَ، وَعَلَى فَرَضِ كَونِهِ ضَعِيفًا فَيَجُوزُ وَيُستَحَبُّ العَمَلُ فِي الفَضَائِلِ وَالتَّرغِيبِ وَالتَّرهِيبِ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ مَا لَم يَكُن مَوضُوعًا، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَذكَارِ.
الخاتمة
مِن صِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِي تَحَلَّى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ خُلُقُ الرَّحمَةِ وَالرَّأفَةِ بِالغَيرِ، كَيفَ لَا وَهُوَ المَبعُوثُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، فَقَد وَهَبَهُ اللهُ قَلبًا رَحِيمًا يَرِقُّ لِلضَّعِيفِ، وَيَحِنُّ عَلَى المِسكِينِ، وَيَعطِفُ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى صَارَتِ الرَّحمَةُ لَهُ سَجِيَّةً، فَشَمِلَتِ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ، وَالقَرِيبَ وَالبَعِيدَ، حَتَّى الجَمَادَ وَالحَيَوَانَ.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يُعَطِّفَ قَلبَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَينَا، وَيَرزُقَنَا شَفَاعَتَهُ فِي الآخِرَةِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلبَيهَقِيِّ.
- دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيمٍ.
- تَخرِيجِ أَحَادِيثِ إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ.
- إِتْحَافِ السَّادَةِ المُتَّقِيْنَ للزَبِيْدِيِّ