بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ﴾، [سورة البقرة: 148].
الصَّلَاةُ أَفضَلُ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ، وَأَدَاءُ الصَّلَاةِ فِيهِ خَيرٌ عَظِيمٌ وَثَوَابٌ كَبِيرٌ، وَمِن فَضلِ اللهِ تَعَالَى أَن جَعَلَ لَنَا فِي الصَّلَاةِ الكَثِيرَ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي تَزِيدُ مِن ثَوَابِهَا وَتَجبُرُ خَلَلَهَا وَتَرفَعُ مِن شَأنِ فَاعِلِهَا وَدَرَجَتِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَمِن هَذِهِ السُّنَنِ الَّتِي تَكَادُ تُنسَى عِندَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ دُعَاءُ الِافتِتَاحِ
- فَمَا هُوَ الِافتِتَاحُ؟
- وَمَا هِيَ الرِّوَايَاتُ الوَارِدَةُ فِيهِ؟
- وَمَا هُوَ حُكمُهُ؟
هَذَا وَغَيرُهُ سَنَتَنَاوَلُهُ فِي هَذَا المَقَالِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
ما معنى الافتتاح؟
- الِافتِتَاحُ فِي اللُّغَةِ: الِابتِدَاءُ
- وَشَرعًا: دُعَاءٌ مَخصُوصٌ يُطلَبُ بِهِ افتِتَاحُ الصَّلَاةِ، وَلَهُ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ.
ما هو دعاء الافتتاح؟
عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفً وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ، اللهم أَنتَ المَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَنتَ رَبِّي وَأَنَا عَبدُكَ ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي فَاغفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ، وَاهدِنِي لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ وَالخَيرُ كُلُّهُ فِي يَدَيكَ، وَالشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيكَ، تَبَارَكتَ وَتَعَالَيتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
الروايات الواردة في دعاء الافتتاح مع حل الألفاظ لكل دعاء
قَد وَرَدَ فِي دُعَاءِ الِافتِتَاحِ الكَثِيرُ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ:
- مِنهَا مَا رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسكُتُ بَينَ التَّكبِيرِ وَبَينَ القِرَاءَةِ إِسكَاتَةً – أَو قَالَ هُنَيَّةً – فَقُلتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسكَاتُكَ بَينَ التَّكبِيرِ وَالقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللهم بَاعِد بَينِي وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللهم نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ (أَي مِنَ الوَسَخِ)، اللهم اغسِل خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
- وَمِنهَا مَا رُوِيَ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَستَفتِحُ صَلَاتَهُ يَقُولُ: «سُبحَانَكَ اللهم وَبِحَمدِكَ، تَبَارَكَ اسمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ (الجَدُّ العَظَمَةُ، أَي مَنزِلَتُكَ عَالِيَةٌ)، وَلَا إِلَهَ غَيرُكَ»، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ.
- وَمِنهَا مَا رُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهتُ وَجهِيَ (أَي بِالعِبَادَةِ، أَي أَخلَصتُ عِبَادَتِي للهِ) لِلَّذِي فَطَرَ (الفَاطِرُ مِن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَمَعنَاهُ: الَّذِي فَطَرَ الخَلقَ أَيِ اختَرَعَهُم وَأَوجَدَهُم وَخَلَقَهُم) السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا (أَي مَائِلًا عَنِ البَاطِلِ إِلَى دِينِ الحَقِّ وَهُوَ الإِسلَامُ، وَهُوَ دِينُ خَلِيلِ اللهِ إِبرَاهِيمَ وَإِخوَانِهِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي (وَهُمَا مِنَ الأَفعَالِ الِاختِيَارِيَّةِ) وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي (وَهُمَا مِنَ الأَفعَالِ غَيرِ الِاختِيَارِيَّةِ) للهِ رَبِّ العَالَمِينَ (أَي كُلُّهَا مِلكٌ للهِ تَعَالَى وَبِمَشِيئَتِهِ وَبِخَلقِهِ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى القَائِلِينَ بِأَنَّ الأَفعَالَ الِاختِيَارِيَّةَ خَارِجَةٌ عَن مَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى)، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ، اللهم أَنتَ المَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَنتَ رَبِّي وَأَنَا عَبدُكَ ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي فَاغفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنتَ، وَاهدِنِي لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ وَالخَيرُ كُلُّهُ (اعتِقَادًا وَقَولًا وَفِعلًا) فِي يَدَيكَ (أَي فِي تَصَرُّفِكَ، وَقِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَن كَثرَةِ الخَيرَاتِ وَالفَضَائِلِ مِنَ اللهِ تَعَالَى)، وَالشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ (أَي لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيكَ)، أَنَا بِكَ (أَعُوذُ وَأَعتَمِدُ عَلَيكَ) وَإِلَيكَ (أَي أَلتَجِئُ إِلَيكَ)، تَبَارَكتَ وَتَعَالَيتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
- وَمِنهَا مَا رُوِيَ عَنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً – قَالَ عَمرٌو: لَا أَدرِي أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ – فَقَالَ: «اللهُ أَكبَرُ كَبِيرًا، اللهُ أَكبَرُ كَبِيرًا، اللهُ أَكبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمدُ للهِ كَثِيرًا، وَالحَمدُ للهِ كَثِيرًا، وَالحَمدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبحَانَ اللهِ بُكرَةً وَأَصِيلًا ثَلَاثًا، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ مِن نَفخِهِ (أَي كِبرِهِ المُؤَدِّي إِلَى الكُفرِ) وَنَفثِهِ (أَي سِحرِهِ) وَهَمزِهِ (أَي وَسوَسَتِهِ)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.
وَالمُختَارُ مِن هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا هُوَ رِوَايَةُ: «وَجَّهتُ وَجهِيَ»، كَمَا قَالَ البَيهَقِيُّ فِي الخِلَافِيَّاتِ.
متى يسن دعاء الافتتاح
يُسَنُّ دُعَاءُ الِافتِتَاحِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ بَعدَ تَكبِيرَةِ الإِحرَامِ وَقَبلَ التَّعَوُّذِ أَوَّلَ رَكعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ فِي فَتحِ الوَهَّابِ وَأَسنَى المَطَالِبِ وَغَيرِهِ.
فَإِذَا نَسِيَ الشَّخصُ دُعَاءَ الِافتِتَاحِ أَو تَرَكَهُ عَمدًا وَشَرَعَ بِالتَّعَوُّذِ أَوِ الفَاتِحَةِ لَم يَعُد إِلَيهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَهُوَ دُعَاءٌ لِافتِتَاحِ الصَّلَاةِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ.
حكم دعاء الافتتاح في المذاهب الأربعة
دُعَاءُ الِافتِتَاحِ سُنَّةٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ مُطلَقًا لِمَن أَحرَمَ فِي صَلَاةِ فَرضٍ وَهِيَ الصُّبحُ وَالظُّهرُ وَالعَصرُ وَالمَغرِبُ وَالعِشَاءُ أَو نَفلٍ كَالرَّوَاتِبِ قَبلَ الفَاتِحَةِ سِرًّا، وَهُوَ سُنَّةٌ عِندَ الحَنَفِيَّةِ وَالحَنَابِلَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيلِ كَمَا قَالَ ابنُ قُدَامَةَ فِي المُغنِي، وَخَالَفَ المَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا هُوَ مَكرُوهٌ فِي الصَّلَاةِ المَكتُوبَةِ عَلَى المَشهُورِ عِندَهُم، وَقَالَ بَعضُهُم هُوَ مَندُوبٌ.
الخاتمة
فِي الخِتَامِ، لَا بُدَّ لِكُلِّ مُسلِمٍ مِن أَن يَتَزَوَّدَ لِلآخِرَةِ، فَلَا أَحَدَ مِنَّا غَنِيٌّ عَنِ الحَسَنَاتِ وَلَا يَحتَاجُهَا، فَدُعَاءُ الِاستِفتَاحِ وَغَيرُهُ مِنَ السُّنَنِ الكَثِيرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيرِهَا ذُخرٌ وَزَادٌ لِمَن أَرَادَ السَّفَرَ إِلَى الآخِرَةِ، وَقَد فَسَّرَ العُلَمَاءُ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا﴾، [سورة القصص: ٧٧]، أَي لَا تَنسَ أَن تَتَزَوَّدَ مِن دُنيَاكَ لِآخِرَتِكَ بِعَمَلِ الطَّاعَاتِ، فَالعَيشُ البَاقِي هُوَ عَيشُ الآخِرَةِ أَمَّا الدُّنيَا فَزَائِلَةٌ فَانِيَةٌ، فَالعَاقِلُ لَا يَعمُرُ الدَّارَ الفَانِيَةَ وَيَترُكُ الدَّارَ البَاقِيَةَ، نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى حُسنَ الخِتَامِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- مُسنَدِ أَحمَدَ.
- مُسنَدِ الشَّافِعِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ لُمَلَّا عَلِيٍّ القَارِي.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- البَيَانِ لِلعِمرَانِيِّ.
- الخِلَافِيَّاتِ لِلإِمَامِ البَيهَقِيِّ.
- الفِقهِ عَلَى المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ لِلجَزِيرِيِّ.
- المُغنِي لِابنِ قُدَامَةَ المَقدِسِيِّ.
- المِصبَاحِ المُنِيرِ لِلفَيُّومِيِّ.