الخطبة الأولى
الحمد للهِ الواحدِ القهارِ، العزيزِ الغفَّارِ، مُكوِّرِ الليلِ على النهار، تذكرةً لأولي القلوبِ والأبصارِ، وتبصرةً لذوي الألبابِ والاعتبار، فضّل من شاء من خلقِه على من شاء وجعل سيدَنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم خيرَ من وطِئَ هذه الدار، أحمدُه تعالى أن هدانا للدينِ الصحيحِ دينِ الإسلامِ المنقِذِ لمن مات عليه من الخلودِ في النار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، ولا زوجةَ ولا ولدَ له، شهادةً أسألُ ربي لي ولكم النجاةَ بها في دارِ القرار. وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا محمدا عبدُه ورسولُه بشّرَ وأنذر مهما تغيرت عليه الأحوالُ والأطوار، اللهم صلِّ وسلم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه الطيبين الطاهرين الأبرار.
عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ تعالى حقَّ تقاتِه ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون، اتقوا يومَ القيامةِ، فإن اللهَ عز وجل قال في ءاخرِ ءايةٍ أنزلَها على نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: “وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” ( البقرة:281) فاللهَ اللهَ عبادَ الله.
إخوة الإسلام: قال الله تعالى: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ” (البقرة:213) أي أن الناس كانوا كلَّهم على دينٍ واحدٍ وهو الإسلامُ ثم اختلفوا فبقيَ بعضُهم على الإسلامِ وكفرَ بعضُهم، فبعثَ اللهُ النبيينَ ليبشّروا من أسلمَ بالجنةِ، وينذروا من كفرَ بالعذابِ في الآخرة، فكانت وظيفةُ الأنبياءِ والرسلِ إخوةَ الإسلام الدعوةَ إلى دينِ اللهِ تعالى الإسلام، والتبشيرَ بالجنةِ والإنذارَ من النارِ وعذابِها، ومن هنا يعلمُ أيها المسلمون بطلانُ ما يدّعيه البعضُ من أن الرسولَ مأمورٌ بالتبليغِ والدعوةِ إلى دينِ الله تعالى، وأما النبيُّ فليس مأمورا بذلك، ويزعمون أن هذا هو الفرقَ بين النبيِّ والرسول، وليس هذا بصحيح، فالرسولُ والنبيُّ كلاهما مأمورٌ بالتبليغِ، فكيف يَعلمُ النبيُّ من الأنبياءِ بالشركِ مثلا ولا يكونُ مأمورًا بالدعوةِ إلى توحيدِ اللهِ تعالى؟!! وانتبهْ أخي المسلم للآيةِ التي ذكرناها فاللهُ تعالى يقول:“فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ” فهذا بيانٌ من اللهِ تعالى أن الأنبياءَ من كان منهم رسولا ومن لم يكنْ مأمورٌ بالتبليغِ والتبشيرِ والإنذار. وإنما الفرق بين النبيِّ والرسولِ أن الرسولَ من أوحي إليه بشرعٍ يشتملُ على حكمٍ جديدٍ لم يكنْ في شرعِ الرسولِ الذي قبلَه كسيدِنا محمدٍ وعيسى وموسى فإن هؤلاءِ كلُّ واحدٍ منهم رسول ونبي. وأما النبيّ غيرُ الرسولِ فهو من أوحي إليه باتباعِ شرعِ الرسولِ الذي كان قبلَه وأُمر بتبليغِ ذلك، ولم يوحَ إليه بأي حكمٍ جديد، وذلك كسيّدنا يحيى عليه السلام فقد كان على شرع سيّدِنا موسى عليه السلام، فكلُّ رسولٍ نبيٌّ وليس كلُّ نبيٍّ رسولا. فانتبهْ أخي لهذا المعنى الدقيق(1).
إخوة الإسلام: لقد كان الأنبياءُ كلُّهم على دينٍ واحدٍ وهو دينُ الإسلامِ فكلُّهم دعَوا إلى عبادةِ اللهِ وحدَه وعدمِ الإشراكِ به شيئًا والتصديقِ بأنبيائِه، ولكنْ شرائعُهم أي الأحكام كانت مختلفةً، ومثال ذلك: أنه كان جائزًا في شرعِ سيدِنا ءادمَ أن يتزوَّجَ الأخُ من أختِه إن لم تكنْ توأمةً له لأن حواءَ رضي الله عنها ولدت أربعينَ بطنًا في كلِّ مرةٍ كانت تلدُ ذكرًا وأنثى، فكان يجوزُ للذكرِ أن يتزوَّجَ أختَه التي ليست توأمةً له وكان حرامًا عليه أن يتزوج الأخُ بأختِه التي هي توأمةٌ له ثم نسخَ الله تعالى هذا الحكمَ بعد موتِ سيدِنا ءادمَ عليه السلام وحرّمَ زواجَ الأخِ بأختِه إن كانت توأمةً له أو لم تكن. وأيضًا كان مفروضًا في بعضِ شرائعِ أنبياءِ بني إسرائيل صلاتانِ في اليومِ والليلةِ، وفي شرعِ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم خمسُ صلوات. وأما الدينُ فواحدٌ لا غير، وهو الإسلام ، فقد قال الله تعالى: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” (ءال عمران:19) ولم يقل عزّ وجلّ إن الدين عند محمدٍ!! كما يزعمُ البعضُ ويظنّ!! وكيف يكونُ نبيٌّ من أنبياءِ اللهِ تعالى على غير الإسلام واللهُ تعالى يقولُ في القرءانِ الكريمِ: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (ءال عمران:85) نسألُ الله أن يفقِّهنا في دينِنا.
أخي المسلم: اعلم أنه لا يصحُّ منك صلاةٌ ولا صيامٌ ولا حجٌ ولا زكاةٌ ولا صدقةُ ولا أيُّ عملٍ لله تعالى ؛ بل ولا تكونُ مسلما ولا مؤمنا بدون الإيمانِ برسلِ اللهِ تعالى وأنبياءه جميعِهم، وهذا معنى قولِ اللهِ تعالى: “لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ” أي لا نفرِّقُ بالإيمانِ بين أحدٍ من رسلِ الله تعالى(2)، أي نؤمنُ بهم جميعِهم ولا نكفُرُ بواحدٍ منهم، فالطعنُ في نبيٍّ واحدٍ طعنٌ في جميعِ الأنبياء، فيجبُ أن نؤمنَ بكل الأنبياءِ الذين أرسلهم الله تعالى وعددهم مائةٌ وأربعةٌ وعشرون ألف نبيّ، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، ومَن ذكر منهم في القرءانِ خمسةٌ وعشرون رسولا، وأولُهم هو سيدُنا ءادمُ عليه السلام(3)، وأما سيدُنا نوحُ عليه السلام فهو أول نبيٍّ ورسولٍ يرسلُ إلى الكفارِ، فكلُّ الأنبياءِ قبلَه لم يرسلوا إلى الكفارِ بل إلى المسلمين، وأما خاتَمُ النبيينَ وأفضلُهُم فهو نبيُّنا وسيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: “أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ” نسألُ اللهَ تعالى أن يجمعَنا بنبيّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبأنبيائِه عليهم الصلاةُ والسلامُ في جنّات النعيم، إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
اسمعْ وانتبهْ أخي جيدا لما سأقولُ؛ فإنه من أساسياتِ الدينِ التي يجبُ أن يعتقدَها كلُّ مسلمٍ في أنبياءِ اللهِ تعالى، والجهلُ فيه أو التشكيكُ أمرٌ خطير، فقد اتفقَ المسلمونَ على أنَّ الأنبياءَ معصومونَ من الكفرِ قبلَ النبوةِ وبعدَها، وكذلك من كبائرِ الذنوبِ كالزنى وأكلِ الربا وغيرِ ذلك، وكذلك من الذنوبِ الصغيرةِ التي فيها خِسةٌ ودناءَةٌ كسرِقةِ حبّةِ عنبٍ مثلا. وكذلك اتفقوا على أن جميعَ الأنبياءِ متصفونَ بالصدقِ فيستحيلُ عليهم الكذب، وتجبُ لهم الفطانةُ فيستحيلُ عليهم البلادةُ أو أن يكونَ الواحد منهم غبيا، ويستحيلُ عليهم الخيانةُ وعدمُ الأمانةِ وكذا يستحيلُ أن يكونَ الواحدُ منهم جبانًا، فكلهم شجعان، ويستحيل عليهم كلُّ ما ينفِّرُ عن قَبولِ الدعوةِ منهم، فهذه هي القاعدةُ أخي المسلم فاحفظها جيدا، كلُّ ما ينفِّرُ عن قَبولِ الدعوةِ من الأنبياء مستحيلٌ عليهم، فإذا عرفت ذلك علمت أن سيدَنا إبراهيم لم يعبدْ صنما ولا شمسا ولا قمرا في حياتِه ولم يكذبْ أبدا، وأن سيدَنا يوسفَ لم يزنِ ولم يهُمَّ بالزنى، وأن سيدَنا أيوب لم يخرجْ منه الدود ولا أصابه مرضٌ منفِّر، وأن سيدنا موسى وسيدَنا عيسى لم يكونا على غيرِ دينِ الإسلامِ طرفةَ عين، وأنَّ سيدنا محمدا ما كان ضالا أي متبعا غيرَ الحقِّ قبل أن يوحى إليه، فانتبهْ جيدا أخي المسلم لما تسمعُ من قَصَصِ الأنبياءِ المكذوبة، وكن حذِرا، فإيمانُك واعتقادك في أنبياء الله تعالى يجب أن يكون مبنيا على هذه القاعدةِ: كل ما ينفِّرُ عن قَبولِ الدعوةِ من الأنبياءِ يستحيلُ عليهم قبل النبوةِ وبعدها، نسأل الله تعالى أن يفقِّهَنا في دينِنا، وأن يخرجَنا من هذه الدنيا بسلام، إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم اسقنا الغيثَ ولا تجْعَلْنا من القانطين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- ذكر هذا التفسير والفرق شيخ الشافعية والأشاعرة أبو منصور البغدادي.
- وأما الحديث الذي في البخاري ومسلم وهو :”لا تخيروا بين الأنبياء” فمعناه لا تدخلوا في التفضيل بين الأنبياءِ بآرائكم.
- ورد هذا كله في حديث صحيح رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده وغيرهما.