هذا حديثٌ ورد بعدّةِ روايات لا يمكن الجمعُ بينها، وللأشاعرةِ فيه مسلكان بعضُهم صحَّحه مع التأويل كالإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم وقسم آخر من الأشاعرة قالوا هذا الحديث مضطرب لا حجةَ به في الصفات.
الحديث
جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال له: يا رسول الله كان عندي غنم وكانت جاريتي هذه ترعى لي غنمي فجاء الذئبُ على غنمة فأكلها فغضِبتُ فصكَكتُها فأريد أن أُعتقَها إن كانت مؤمنة، فيُروى أنَّ النبيَّ قال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء فقال: “اعتقها فإنها مؤمنة“
تفسير النووي
يقول الإمام النوويّ: السؤال بأين هنا سؤالٌ عن المكانةِ لا عن المكان؛ لأن أين تأتي في اللغة للسؤال عن المكان وتأتي للسؤال عن المكانة، ومستحيل أن يكون النبيُّ سألها عن مكانٍ لله؛ لأن الله خالق المكان وكان موجودًا قبل خلق المكان فبقيَ ذاك التأويل سؤالٌ عن المكانة، وقولُها في السماء أي رفيعُ القدرِ جدًا وهذا معروفٌ عند العرب، لذلك قال النابغة الجعديّ أمام الرسول صلى الله عليه وسلم:
بلغنا السماءَ مجدُنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوقَ ذلك مظهرا
فقال له النبيّ: إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة يا رسول الله، قال: أجل إن شاء الله.
فهنا السماء أُريدَ به رفعةُ القدر ولم يُرِد به أن الله محصورٌ في السماء كيف يُحصَر الخالق بشىءٍ هو خلقه!! هذا لا يجوز.
تفسير القسم الآخر من الأشاعرة
القسمُ الآخر من الأشاعرة فقالوا: هذا الحديث لا حجةَ به في الصفات وهذا القول الأصوَب.
لماذا رد قسم من الأشاعرة هذا الحديث؟
السبب الأول
قالوا: لأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم ذكرَ في الحديث الذي رواه الشيخان وهو متواتر رواه خمسة عشر صحابيًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أُمرتُ أن أُقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله“، فبيّن أن طريقَة الدخول في الإسلام النطق بالشهادتين، فيستحيل على رسول الله أن يحكُمَ لإنسانٍ بأنه مسلم لمجرد أنه قال: الله في السماء.
السبب الثاني
قالوا: لا نعتمد هذه الرواية التي في صحيح مسلم وإنما الرواية الموافقة للأصول هي التي رواها الإمام مالك في الموطأ بلفظ: “أتشهدين أن لا إله إلا الله؟“، قالت: نعم، قال لها الرسول: “أتشهدين أني رسول الله؟“، قالت: نعم، قال: “أعتقها فإنها مؤمنة“، هذه الرواية موافقة للأصول.
ويقول الإمامُ الشافعيّ: (إذا ذُكِر الحديث فمالكُ النَّجم)، يقولُ الإمام أبو بكرٍ الخطيبُ البغدادي الذي قيل فيه: إن المؤلفين في كتب الحديثِ دِراية عيالٌ على كتبِه: (لا يُقبَل الحديث إذا عارضَ الحديثَ المتواتر ولم يقبل تأويل).
خلاصة قول العلماء
حديثُ الجارية إما أن نُأوّلَه بما ذكرنا أو أن نقول كما قال الفريق الآخر من الأشاعرة والماتريدية: حديثٌ مضطرب لا يُحتَجُ به في العقيدة لذلك الإمام مسلم لم يورِده في كتابِ الإيمان بل أورده في بابِ تحريمِ الكلامِ في الصلاة ليبيِّن أنه لا يُحتَجُّ به في العقيدة.
فوائد
الحديث المتواتر
الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ هُوَ أَنْ يُخْبِرَ عَدَدٌ كَثِيرٌ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ بِحَادِثَةٍ قَوْلِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ عَادَةً أَنْ يَتَوَاطَؤُا عَلَى الْكَذِبِ، كَالأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ عَنْ وُجُودِ فِرْعَوْنَ فِيمَا مَضَى، وَكَالأَخْبَارِ عَنْ وُجُودِ بُلْدَانٍ نَائِيَةٍ نَحْنُ مَا شَاهَدْنَاهَا.
الحديث المضطرب
الحديثُ المُضْطَرِبُ معناهُ أنْ يَرِدَ الحديثُ بِعدّةِ ألفاظ بحيثُ لا يُمكِنُ الجَمْع، والحُكْمُ فيهِ أنَّه يكونُ ضعيفًا ولا يُحْتَجُُ بهِ لإثْباتِ الصِّفاتِ (أي لإثباتِ صفاتِ اللهِ عزَّ وجلَّ).
وحديثُ الجاريةِ الاضطرابُ فيه ظاهر فقدْ رواهُ مالِكٌ بلفظِ “أتَشْهَديــنَ” فقالَتْ أشْهَــدُ. وروايةُ مسلمٌ قالَ لها “أيـنَ الله” وهوَ سؤالٌ عن المَكانََةِ لا عنْ المكان. فهذا الاختلافُ في اللفظِ يُوضِحُ الاضْطِراب، ومالِكٌ أضْبَطُ للحديثِ من مسلم بلِ اتَّفقَ العلماءُ على أنَّ مالِكًا رضيَ اللهُ عنهُ أضْبَطُ رُواةِ الحديثِ. ومِمَّنْ ذَكَرَ منَ العُلماءِ أنَّهُ لا يؤخذُ بالحديثِ الضَّعيفِ لإِثْباتِ صِفاتِ اللهِ الحافظُ ابنُ حجر في شرحِ البخاريّ في كتابِ العِلْم.
يقولُ الإمامُ الطَّحَاويُّ عنِ اللهِ عزَّ وجلّ: “ولا تَحْويهِ الجِهاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدعات”. معناهُ اللَهُ موجودٌ بِلا مكان.
طريقة الدخول في الاسلام هي النطق بالشهادتين
الذي يريد أن يدخل الإسلام لا بُدَّ له من النطق بالشهادتين باللسان بحيث يُسمِعُ نفسه على الأقل.. فلا يُجزِئُ أنْ يُمِرَّها على قلبه فقط.
بل هي قول باللسان واعتقاد معنى الشهادتين بالقلب.
وهذه مسألة مُجمع عليها فلا سبيل للدخول في دين الإسلام إلا بالنُّطقِ بالشهادتين.
ويصح الإسلام بجميع اللغات فلو أراد أعجميّ الدخول بالإسلام فيصح لو ترجم الشهادتين للغته قال الأردبيليّ في الأنوار ” ويصح الإسلام بجميع اللغات
الشهادتان
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ