بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
سورة المؤمنون (115)
لَقَدْ حَثَّ الشَّرعُ الحَنِيفُ عَلَى اغتِنَامِ الأَوقَاتِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، فَإِنَّ الدُّنيَا دَارُ العَمَلِ وَالآخِرَةَ دَارُ الجَزَاءِ عَلَى العَمَلِ.
وَلِبَيَانِ نِعمَةِ هَذَا العُمُرِ وَلِلتَّنبِيهِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ اغتِنَامِ الزَّمَنِ بِمَا فِيهِ رِضَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَقسَمَ سُبحَانَهُ فِي أَكثَرَ مِن آيَةٍ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ بِبَعضِ الأَزمَانِ خُصُوصًا، فَإِنَّنَا نَقرَأُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّنبِيهَ عَلَى نِعمَةِ الزَّمَنِ وَمَدحَ مَنِ اغتَنَمَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ وَذَمَّ مَنْ لَم يَغتَنِمْهُ بِمَا يُرضِي خَالِقَهُ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، [سورة العصر].
قَالَ الإِمَامُ الرَّازِيُّ: أَقسَمَ اللهُ تَعَالَى بِالعَصرِ الَّذِي هُوَ الزَّمَنُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الأَعَاجِيبِ، لِأَنَّهُ يَحصُلُ فِيهِ السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَالصِّحَّةُ وَالسَّقَمُ، وَالغِنَى وَالفَقْرُ، وَلِأَنَّ العُمُرَ مِنْ أَعظَمِ النِّعَمِ نَفَاسَةً وَغَلَاءً.
ثُمَّ إِنَّ الَّليلَ وَالنَّهَارَ فُرصَةٌ يُضَيِّعُهَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، يَفْرَحُوْنَ بِتَضْيِيعِهَا، وَلَقَدْ قِيلَ:
إِنَّا لَنَفْـــرَحُ بِالْأَيَّـــامِ نَقْطَعُهَـــا
وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى نَقْصٌ مِنَ الْأَجَلِ
قَالَ قَتَادَةُ
اعلَمُوا أَنَّ طُولَ العُمُرِ حُجَّةٌ، فَنَعُوذُ بِاللهِ أَنْ نُعَيَّرَ بِطُولِ العُمُرِ
اعمل لما بعد موتك واحذر من الغفلة
يَا أَخِي المُسلِمَ ، لَعَلَّهَا أَيَّامٌ أَو سَاعَاتٌ أَو دَقَائِقُ أَو أَقَلُّ تَمضِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ثُمَّ يَنتَهِي بِهِ الأَمرُ إِلَى القَبرِ.
تُرَى أَلَيسَ الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعدَ المَوتِ؟ بَلَى وَاللهِ، أَلَيسَ الكَيِّسُ الفَطِنُ الذَّكِيُّ هُوَ الَّذِي حَاسَبَ نَفسَهُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا قَبلَ أَن يُحَاسَبَ فِي الآخِرَةِ؟ بَلَى وَاللهِ.
فَالغَفلَةُ لَا تَنفَعُ ، وَمَتَاعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ، فبَادِر وَأَسرِع إِلَى التَّوبَةِ، فَإِنَّهُ قَد يَمُرُّ عَلَى الإِنسَانِ أَحيَانًا أَوقَاتٌ يَكُونُ فِيهَا مِنَ الغَافِلِينَ ثُمَّ يَتَيَقَّظُ وَيَنتَبِهُ فَيَطرُقُ بَابَ التَّوبَةِ، وَبَابُ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ مَا لَم تَصِلِ الرُّوحُ إِلَى الحُلقُومِ أَي مَا لَم يُغَرغِر، وَلَم تَطلُعِ الشَّمسُ مِن مَغرِبِهَا، وَمَا لَم يَرَ مَلَكَ المَوتِ عَزرَائِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ.
فَهَنِيئًا لِمَن تَابَ إِلَى اللهِ تَوبَةً نَصُوحًا، فَالفَرحَةُ عَظِيمَةٌ جِدًّا حِينَمَا يَجِدُ المُؤمِنُ التَّقِيُّ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الصَّالِحُ فِي صَحِيفَةِ أَعمَالِهِ يَومَ القِيَامَةِ مَا يَسُرُّهُ بَينَمَا هُنَاكَ ءَاخَرُونَ خَاسِرُونَ هَالِكُونَ، وَهُوَ مَعَ المُؤمِنِينَ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يُسقَونَ مِن رَحِيق الجَنَّةِ، يَطعَمُونَ مِن طَعَامِهَا، وَيَجتَمِعُونَ بِسَيِّدِ العَالَمِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
قَالَ بَعضُهُم:
مَضَى أَمسُكَ المَاضِي شَهِيدًا مُعَدِّلَا
وَأَعْقَبَـــهُ يَـــومٌ عَلَيـــكَ جَدِيـــــدُ
فَإِنْ كُنــــتَ بِالأَمسِ اقتَرَفتَ إِسَاءَةً
فَثَـــنِّ بِإِحسَــــانٍ وَأَنـــــتَ حَمِيدُ
وَلَا تُـــرجِ فِعــلَ الخَيرِ يَومًا إِلَى غَدٍ
لَعـــلَّ غَـــدًا يَــأتِي وَأَنْـــتَ فَقِيـدُ
لَا تُرْجِ: أيْ لَا تُؤَخِّرْ.
ماذا أنت فاعل الآن، وأنت تودع سنتك؟
- وَدِّعِ السَّنَةَ بِالِازدِيَادِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ وَالبِرِّ وَالإِحسَانِ.
- حَافِظ عَلَى الصَّلَاةِ فِيها، وَابقَ عَلَيهَا بَقِيَّةَ عُمُرِكَ وَفِي سَائِرِ عَمَلِكَ، فَالصَّلَاةُ عَمُودُ الإِسلَامِ وَمَن ضَيَّعَ الصَّلَاةَ فَاتَهُ الخَيرُ الكَبِيرُ.
- اجعَلِ الصَّومَ لَكَ حِصْنًا حَصِيْنًا مِن شَيَاطِينِ الإِنسِ وَالجِنِّ، فَالصَّومُ يَحفَظُكَ مِنَ الشُّرُورِ وَالآثَامِ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، فَاجعَل لَكَ وِردًا مِنَ الصَّومِ كُلَّ العَامِ، فَلَو أَخلَصتَ النِّيَّةَ فِي ذَلِكَ حَفِظَكَ اللهُ مِنَ الشُّرُورِ وَالآثَامِ.
- قُمِ اللَّيلَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا، وَلَا تُقَصِّر عَنهُ سَائِرَ العَامِ.
فَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “أَتَانِي جِبرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عِش مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ وَأَحبِب مَن شِئتَ فَإِنَّك مُفَارِقُه، وَاعمَل مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِه، وَاعلَم أَنَّ شَرَفَ المُؤمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيلِ وَعِزُّهُ استِغنَاؤُه عَنِ النَّاسِ“، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الأَوسَطِ وَغَيرُهُ. - اقرَأ القُرءَانَ وَاجعَل لَكَ وِردًا مِنهُ، وَإِيَّاكَ أَن تَهجُرَهُ، قَالَ عَمرُو بنُ العَاصِ: كُلُّ آيَةٍ فِي القُرآنِ دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ وَمِصبَاحٌ فِي بُيُوتِكُم، وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ البَيتَ الَّذِي يُتلَى فِيهِ القُرآنُ اتَّسَعَ بِأَهلِهِ وَكَثُرَ خَيرُهُ وَحَضَرَتهُ المَلَائِكَةُ وَخَرَجَت مِنهُ الشَّيَاطِينُ، وَإِنَّ البَيتَ الَّذِي لَا يُتلَى فِيهِ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ضَاقَ بِأَهلِهِ وَقَلَّ خَيرُهُ وَخَرَجَت مِنهُ المَلَائِكَةُ وَحَضَرَتهُ الشَّيَاطِينُ.
- حَافِظ قَدْرَ وُسعِكَ عَلَى قَلبِكَ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَصُنْ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَفُؤَادَكَ عَمَّا لَا يَنبَغِي رَجَاءَ كَمَالِهِ، وَاحفَظ قَلبَكَ طَوَالَ العُمُرِ مِنَ الحَسَدِ وَالكِبرِ وَالحِقدِ وَالغِلِّ.
الاشتغال بالعلم من أهم الأمور
إِنَّنَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى العِبَادَاتِ وَإِلى مِفتَاحِ الخَيرَاتِ وَإِلَى مَا نَشغَلُ بِهِ الأَوقَاتِ، لَم نَجِدْ أَنفَسَ وَلَا أَعلَى وَلَا أَعظَمَ وَلَا أَرقَى وَلَا أَنبَلَ وَلَا أَرفَعَ مِن عِلمِ الدِّينِ مَنزِلَةً عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ ابنُ رَجَبٍ
وَقَد نَصَّ الأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ عَلَى أَنَّ طَلَبَ العِلمِ أَفضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةَ أَفضَلُ مِنَ الصِّيامِ المُتَطَوَّعِ بِهِ، فَيَكُونُ العِلمُ أَفضَلَ مِن صِيَامِ النَّفلِ بِطَرِيقِ الأَولَى، فَإِنَّ العِلمَ مِصبَاحٌ يُستَضَاءُ بِهِ فِي ظُلمَةِ الجَهلِ وَالهَوَى.
قَالَ ابنُ سِيرِينَ
إِنَّ قَومًا تَرَكُوا العِلمَ وَاتَّخَذُوا مَحَارِيبَ فَصَلَّوا وَصَامُوا بِغَيرِ عِلمٍ، وَاللهِ مَا عَمِلَ أَحَدٌ بِغَيرِ عِلمٍ إِلَّا كَانَ مَا يُفسِدُ أَكثَرَ مِمَّا يُصلِحُ.
وَلِهَذَا كَانَ اهتِمَامُ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِعِلمِ الدِّينِ وَبِطَلَبَةِ العِلمِ عَظِيمًا لِذَلِكَ كَثُرَ الخَيرُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ فِي عَصرِهِم.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ: «حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: »الرَّجُلُ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ أَوْ يَصُومُ وَيُصَلِّي تَطَوُّعًا؟ فَقَالَ: يَكْتُبُ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَذَاكُرُ الْعِلْمَ بَعْضَ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْيَائِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: «بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ تَتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةِ تَطَوُّعٍ، وَبَابٌ مِنَ الْعِلْمِ تُعَلِّمُهُ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ مِائَةِ رَكْعَةِ تَطَوُّعٍ»، وَقَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “إِذَا جَاءَ الْمَوْتُ طَالِبَ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مَاتَ شَهِيدًا“، رَوَاهُ الْفَسَوِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ.
وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُخَرِّجُ فِي رَمَضَانَ فُقَهَاءَ، فِي ثَلَاثِينَ يَومًا يَخرُجُ الوَاحِدُ مِنهُم فَقِيهًا مِن عِظَمِ هِمَّتِهِم، فَيَنبَغِي عَلَينَا أَن نَقتَدِيَ بِمِثلِ هَؤُلَاءِ وَنَعمَلَ بِعَمَلِهِم، فَاملَؤُوا أَوقَاتَكُم بِطَلَبِ العِلمِ، فَمَرَاتِبُ العِلمِ وَالعُلَمَاءِ – وَهِيَ المَرتَبَةُ الَّتِي يَغبِطُ النَّاسُ عَلَيهَا صَاحِبَهَا – لَا تُدرَكُ بِالأَمَانِي، إِنَّمَا تُدرَكُ بِالأَخذِ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَتَعَبٍ وَسَهَرٍ وَإِخلَاصٍ وَصَفَاءِ نِيَّةٍ.
وَلَقَد قِيلَ: اعلَم أَنَّ الرَّاحَةَ لَا تُنَالُ بِالرَّاحَةِ، وَمَعَالِيَ الأُمُورِ لَا تُنَالُ بِالفُتُورِ، وَمَن زَرَعَ حَصَدَ، وَمَن جَدَّ وَجَدَ، وَقَد قِيلَ:
تَــأَهَّبَ لِلَّذِي لَابُــدَّ مِنْــهُ
فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ الْعِبَادِ
أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ
لَهُــمْ زادٌ وَأَنْــتَ بِغَيْرِ زَادِ
وَقَالَ بَعضُهُم:
نَسِيــرُ إِلَـى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ
وَأَيَّامُنَـــا تُطْوَى وَهُــنَّ مَرَاحِـــلُ
وَمَـا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا
فَكَيْـفَ بِهِ وَالشَّيْبُ لِلرَّأسِ شَاعِلُ
تَرَحَّـلْ مِـنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
فَعُمْـــرُكَ أَيَّـــامٌ وَهُــنَّ قَلَائِـــلُ
كل يوم لك يبعدك عن الدنيا ويقربك من الآخرة
يَا مَن قَد أَنذَرَهُ يَومُهُ وَأَمسُهُ، وَحَادَثَهُ بِالعِبَرِ قَمَرُهُ وَشَمسُهُ، وَاستُلِبَ مِنهُ وَلَدُهُ وَأَخُوهُ وَعَرشُهُ، وَهُوَ يَسعَى إِلَى الخَطَايَا مُشِيرًا وقَد دَنَا حَبسُهُ.
كَأَنَّكَ بِالمَوتِ وَقَدِ اختَطَفَكَ اختِطَافَ البَرق، وَلَم تَقدِر عَلَى دَفعِه عَنكَ بمُلكِ الغَربِ وَالشَّرق، وَنَدِمتَ عَلَى تَفرِيطِكَ بَعدَ اتِّسَاعِ الخَرق، وَتَأَسَّفتَ عَلَى تَركِ الأُولَى، وَالأُخرَى أَحَقّ.
وَتَجرِي دُمُوعُ الأَسَفِ وَابِلًا وَرَذَاذًا، وتَنقَطِع الأَكبَادُ مِن الحَسَرَاتِ أَفلَاذًا، وَيَهُبُّ لَهِيبُ النَّارِ عَلَى الكُفَّار فَيَجعَلُهُم جُذَاذًا، وَلَا يَجِدُ العَاصِي مَلجَأً وَلَا مَلَاذًا.
فَذَاكَ يَومُ ثُبُورِ المُنَافِقِين، وَسُرُورِ المُوَافِقِين، وَسَلَامَةِ الصَّادِقِين، وَفَوزِ السَّابِقِين، وَالنَّارُ قَد انطَبَقَت عَلَى الفَاسِقِين.
فَيَا عَثْرَةَ العَاصِينَ لَقَد صَعُبَ تَلَافِيهَا، وَيَا خِيرَةَ المُخلِصِينَ لَقَد تَكَامَل صَافِيهَا، إِذ أُدخِلُوا جَنَّةً أَشرَقَ ظَاهِرُهَا وَاستَنَارَ خَافِيهَا.
فَانظُرُوا عبادَ اللهِ فَرقَ مَا بَينَ الفَرِيقَينِ بِحُضُورِ قَلب، وَاستَلِبُوا زَمَانَ الصِّحَّةِ بِفِعلِ الخَيرِ أَيَّمَا سَلب، فَاللَّذَّاتُ تَفنَى وَيَبقَى العَارُ وَالقَلب.
الشتاء ربيع المؤمن
أَكثِرُوا مِنَ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّنَا فِي وَقتٍ أَخبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنهُ بِأَنَّهُ مِنَ المَوَاسِمِ الَّتِي يَكثُرُ فِيهَا الخَيرُ لِلمُؤمِنِ، وَهُوَ مَوسِمُ الشِّتَاءِ، فَيَنبَغِي عَلَى المُؤمِنِ أَن يَغتَنِمَ الشِّتَاءَ لِأَنَّ نَهَارَهُ قَصِيرٌ فَيَصُومُهُ بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَا يَكُونُ فِي الصَّيفِ مِنَ الحَرِّ الَّذِي يُسَبِّبُ الظَّمَأَ، وَلَيلُ الشِّتَاءِ طَوِيلٌ فَيَقُومُهُ المُؤمِنُ وَيَنَامُ فِيهِ وَهُوَ مُرتَاحٌ، فَاغتَنِم أَخِي أَوقَاتَكَ، فَقَد رَوَى ابنُ الجَوزِيِّ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَم يَكُن لَهُ وَقتٌ يَنَامُ فِيهِ، فَكَانَ يَنعَسُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَلَا تَنَامُ؟ فَقَالَ: كَيفَ أَنَامُ؟! إِن نِمتُ بِالنَّهَارِ، ضَيَّعتُ حُقُوقَ النَّاسِ، وَإِن نِمتُ بِاللَّيلِ ضَيَّعتُ حَظِّيَ مِنَ القِيَامِ فِي طَاعَةِ اللهِ.
وَقَالَ الجُنَيدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَا رَأَيتُ أَعبَدَ للهِ تَعَالَى مِن سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ، أَتَت عَلَيهِ ثَمَانٍ وَسَبعُونَ سَنَةً مَا رُؤِيَ قَطُّ مُضطَجِعًا إِلَّا فِي عِلَّتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا.
وَقَالَ الجُنَيدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: سَمِعتُ السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: لَولَا الجُمُعَةُ وَالجَمَاعَةُ مَا خَرَجتُ مِن بَيتِي، وَلَلَزِمتُ بَيتِيَ فِي العِبَادَةِ حَتَّى أَمُوتَ.
خاتمة وعظة
قَالَ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: يَا عَجَبًا كَيفَ أَنِسَ بِالدُّنيَا مُفَارِقُهَا، وَأَمِنَ النَّارَ وَارِدُهَا، كَيفَ يَغْفُل عَمَّن لَا يُغْفَل عَنهُ، كَيفَ يَفرَحُ بِالدُّنيَا مَن يَومُهُ يَهْدِمُ شَهرَهُ، وَشَهرُهُ يَهْدِمُ سَنَتَهُ، وَسَنَتُهُ تَهْدِمُ عُمُرَهُ، كَيفَ يَلَهُو مَن يَقُودُهُ عُمُرُهُ إِلَى أَجَلِهِ وَحَيَاتُهُ إِلَى مَوتِهِ.
إِخوَانِي، الدُّنيَا فِي إِدبَارٍ، وَأَهلُهَا مِنهَا فِي استِكثَارٍ، وَالزَّارِعُ فِيهَا غَيرَ التَّقِيِّ لَا يَحْصُدُ إِلَّا النَّدَمَ.
قَالَ لُقمَانُ لِابنِهِ: يَا بُنَيَّ لِكُلِّ إِنسَانٍ بَيْتَانِ، بَيتٌ شَاهِدٌ وَبَيتٌ غَائِبٌ، فَلَا يُلْهِينَّكَ بَيْتُكَ الحَاضِرُ الَّذِي عُمُرُكَ فِيهِ قَلِيلٌ عَن بَيْتِكَ الغَائِبِ الَّذِي عُمُرُكَ فيه طَوِيلٌ.
فَمَن عَرَفَ قِيمَةَ العُمُرِ لَم يُفَرِّط فِيهِ، فَليَنظُرِ الشَّابُّ فِي حِرَاسَةِ بِضَاعَتِهِ، وَليَتَحَفَّظِ الكَهلُ بِقَدرِ استِطَاعَتِهِ، وَليَتَزَوَّدِ الشَّيخُ لِلَّحَاقِ بِجَمَاعَتِهِ، وَليَنظُرِ الهَرِمُ أَنْ يُؤْخَذَ مِن سَاعَتِهِ.
دعاء
اللهم اقسِم لَنَا مِن خَشِيتَكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيكَ، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مَصَائِبَ الدُّنيَا، وَمَتِّعنَا بِأَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَن ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَن عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَن لَا يَرْحَمُنَا، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، وَمِن عَذَابِ القَبْرِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَوَاعِظُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرْآنِ الْكَرِيْمِ.
- تَفْسِيْرِ الْقُرْطُبِيِّ لِلْإِمَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
- تَفْسِيْرِ الرَّازِي لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ.
- التَّبْصِرَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ.
- لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ لِابْنِ رَجَبٍ.