ومن يتوكل على الله فهو حسبه

ومن يتوكل على الله فهو حسبه

الخطبة الأولى

الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا وَاضِعَ لِمَا رَفَعَ، وَلا رَافِعَ لِمَا وَضَعَ، وَلا وَاصِلَ لِمَا قَطَعَ، وَلا مُفَرِّقَ لِمَا جَمَعَ، سُبْحَانَهُ مِنْ مُقَدِّرِ ضُرٍّ وَنَفْعٍ، مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ قَنَعَ، وَمَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ بِالكُفْرِ وَقَعَ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَعْطَى وَمَنَعَ، وَأَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ أَحْكَمَ مَا صَنَعَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ جَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَعَلَا نُوْرُ دَعْوَتِهِ وَسَطَعَ، صلى الله على محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ لِنَهْجِهِ اتَّبَعَ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ وَعَلَا صَوْتُهُ وَارْتَفَعَ، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ فِي سورةِ الطلاقِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أيْ فهوَ كافيهِ، إخوةَ الإيمانِ روى أحمدُ فِي مسندِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَاريِّ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتْلُو عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: “يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُم”، فَما أعظمَ أنْ يكونَ المسلمُ متوكلًا علَى خالِقِهِ عزَّ وجلَّ، فلَا تتركْ أخي واجبًا مهما كانَ ولَا تأتِ معصيةً مهما كانتْ صغيرةً أوْ كبيرةً ولَا تخشَ فِي ذلكَ تغيرَ الزمانِ بلْ توكَّلْ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ في كلِّ الأحوالِ، والتوكلُ إخوةَ الإيمانِ معناهُ الاعتمادُ بالقلبِ علَى اللهِ وحدَهُ لأنَّهُ سبحانَهُ خالقُ كلِّ شَيءٍ مِنَ المنَافعِ والمضَارِّ وسائِرِ مَا يَدخُلُ فِي الوجُودِ فلَا ضَارَّ ولَا نافعَ علَى الحقيقةِ إلَّا اللهُ، فإذَا اعتقدَ العبدُ ذلكَ ووَطَّنَ قلبَهُ علَيهِ وأدامَ ذُكْرَهُ كانَ اعتمادُهُ علَى اللهِ فِي أمُورِ الرِّزْقِ والسّلامةِ مِنَ المضَارِّ واجتنبَ اللجوءَ إلَى المعصيةِ لَا سيَّمَا عندَ الضيقِ، وقدْ روَى الإمامُ أحمدُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: “لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا (أيْ تخرجُ فِي أولِ النهارِ وليسَ فِي بطونِهَا أكلٌ) وَتَرُوحُ بِطَانًا (أيْ وترجعُ إلَى أعشاشِهَا وقدِ امتلأَتْ بطونُهَا)). واعلموا إخوةَ الإيمانِ أنَّ التوكلَ لَا ينافي الأخذَ بالأسبابِ، ففي صحيحِ ابنِ حبانَ أنَّ رجلًا قالَ للنبيِّ ﷺ: أُرْسِلُ ناقتِي وأتوكلُ؟ أيْ هلْ أتركُ ناقتِي مِنْ غيرِ أنْ أَرْبِطَهَا وأتَوَكَّلُ علَى اللهِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ: “اعْقِلْهَا (أيِ ارْبِطْهَا) وَتَوَكَّلْ“، فجملةُ التوكّلِ تفويضُ الأمرِ إلَى اللهِ تعالَى والثِّقةُ بهِ معَ مَا قُدّرَ للعبدِ مِنَ التّسَبُّبِ أيْ مباشرةِ الأسبابِ. وينبغي أنْ نعلمَ عبادَ اللهِ أنَّ التوكلَ علَى اللهِ هوَ نتيجةٌ لمعرفةِ اللهِ تعالَى، فَمَنْ عَرَفَ اللهَ بأنَّهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، وأنَّهُ لَا خالقَ إلَّا اللهُ، ولَا نافعَ علَى الحقيقةِ إلَّا اللهُ، ولَا ضارَّ علَى الحقيقةِ إلَّا اللهُ، ولَا رازقَ إلَّا اللهُ، وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ، ولا يحصلُ شيءٌ إلَّا بمشيئتِه، لمْ يَسَعْهُ إلَّا أنْ يتوكلَ علَى اللهِ وحدَهُ، فيقولَ أنَا أعتمِدُ بقلبيَ الاعتمادَ الحقيقيَّ علَى اللهِ فلَا يُصيبُنِي إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لِي، قالَ تعالَى فِي سورةِ التوبةِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾،  فليكنِ اعتقادُكَ أخي المسلمَ أنَّ أيَّ ضررٍ يحصُلُ فاللهُ خالِقُهُ، وَأنَّ أيَّ نفعٍ يحصُلُ فاللهُ خالِقُهُ وَأَنَّ أيَّ شىءٍ يحصُلُ لِي فاللهُ يَخْلُقُهُ، والذِي يَقْوَى هذَا فِي قلبِهِ يُسَلِّمُ أمرَهُ للهِ عزَّ وجلَّ، وإذَا اعتقَدَ شخصٌ أنَّ أحدًا غيرَ اللهِ يخلقُ ضرَرًا أوْ نفعًا لَا يكونُ مسلمًا، فقد قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيْرًا﴾.

إخوةَ الإيمانِ إنَّ لنَا قدوةً عظيمةً بِأنبياءِ اللهِ تعالَى فَهُمْ مَنْ نَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ التوكلَ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ وخصوصًا مِنْ سيدِنَا محمدٍ ﷺ فقدْ دَعَى إلَى اللهِ عزَّ وجلَّ مَعَ تكالُبِ المشركينَ عليهِ وَنَصَرَهُ اللهُ وأَعْلَى ذِكْرَهُ وَرَفَعَ مَقَامَهُ، قالَ تعالى في وصفِ مَا جرَى لنبيِّهِ ﷺ وأصحابِه رضيَ اللهُ عنهُم: “الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ”، وكذَلكَ خليلُ اللهِ إبراهيمُ عليهِ السلامُ فقدْ صَنَعُوْا لَهُ الْمَنْجَنِيْقَ لِيَرْمُوهُ مِنْ مكانٍ بعيدٍ، فَأَخَذُوا يُقَيِّدُوْنَهُ وهوَ متوكلٌ علَى اللهِ حقَّ توكلِهِ، فَلَمَّا وَضَعُوْهُ فِي كَفَّةِ هذَا الْمَنْجَنِيْقِ مُقَيَّدًا وأُلْقِيَ فِي النَّارِ قَالَ بِلِسَانِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل» أيْ نِعْمَ الموكولُ إليهِ أمرُنَا. فَلَمَّا أُلْقِيَ لَمْ تَحْرِقْهُ النَّارُ وَلَمْ تُصِبْهُ بِأَذًى، لأنَّ النَّارَ لَا تُحْرِقُ بِذَاتِهَا وَطَبْعِهَا وَإِنَّمَا اللهُ يَخْلُقُ الإِحْرَاقَ فِيْهَا. وروى البخاريُّ عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ رضيَ الله عنهُ أنه قال: «كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ ‌أُلْقِيَ ‌فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». وقد قيل:

تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِيْ الْأَمْرِ كُلِّهِ … فَمَا خَابَ حَقًّا مَنْ عَلَيْهِ تَوَكَّلَا

وَكُنْ وَاثِقًا بِاللهِ وَاصْبِرْ لِحُكْمِهِ … تَفُزْ بِالَّذِيْ تَرْجُوْهُ مِنْهُ تَفَضُّلَا

هذَا واعلمُوا أنَّ مَنْ توكَّل علَى اللهِ كفَاهُ، ومَنْ آمنَ بِهِ هدَاهُ، ومَنْ عَمِلَ جازَاهُ، ومَنْ وثِقَ بِهِ نَجّاهُ، ومَنْ دَعَاهُ أجَابَ دُعَاهُ، فَهُوَ الذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ، وَيُعْطِي الذِي سَأَلَهُ مَا تَمَنَّاهُ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُتَوَكِّلِيْنَ عَلَيْهِ حَقَّ التَّوَكُّلِ. 

أقولُ قوليَ هذَا وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ فيَا فوزَ المستغفرين.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ: إنَّ ما يُقَوِّي التوكلَ في قلبِ المؤمنِ مَا روَى أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: “مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا ‌بِالنَّاسِ ‌لَمْ ‌تُسَدَّ ‌فَاقَتُهُ وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ (أيْ كانَ متوكلًا علَى اللهِ شاكِيًا أمرَهُ لهُ سبحانَهُ)، فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ (أي يسَّر اللهُ له رزقًا)”.اهـ فالرزق مضمون من عندِ اللهِ تعالى، لا يزيدُ بحرصِ قويٍّ، ولا ينقصُ بعجزِ ضعيفٍ.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ ﴿إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهم اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، المتحابين فيك والمتناصحين فيك، والمتباذلين فيك، وجنبنا الفتن والآثام والشرور واجعلنا من عبادك المتوكلين عليك، اللهم عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ، اللهم وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهم اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَّ العالمين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ. ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ اللهم وفقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ.

سنن الوضوء

سنن الوضوء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد: سنن…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share