الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الملكِ القديمِ الواحد، العزيزِ العظيمِ سامعِ ذكرِ الذاكرِ وحَمْدِ الحامد، وعالمِ ضميرِ المريدِ ونيةِ القاصد، لعظمتِه خضَعَ الراكعُ وذلَّ الساجد، تنزّهَ عن شريكٍ مشاققٍ أو نِدٍّ معاند، وعزَّ عن ولدٍ وجلَّ عن والد، أقسمَ على وحدانيَّتِه وما يُنكرُ إلا معاند، أحمدُه تعالى على الرخاءِ والشدائد، وأُقِرُّ بتوحيدِه إقرارَ عابد، وأصلي على رسولِه الذي كان لا يُخيبُ السائلَ القاصد، اللهم صلّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه ما رضيَ راضٍ أو عاندَ معاند.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”(ءال عمران:102). وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى:” وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ”(البقرة:235).
إخوة الإيمانِ والإسلام: يقول الله تبارك وتعالى:“إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ”(سورة ءال عمران:96). فأوّلُ بيتٍ جُعِلَ لعبادةِ اللهِ تعالى هي الكعبةُ المشرفةُ ، وأوّلُ من بنى الكعبةَ المشرفةَ هو أوّلُ رسولٍ ونبيّ سيدُنا ءادمُ عليه السلام، ثم إنها انهدمتْ بالطُّوفانِ الذي حصلَ في زمنِ سيدِنا نوحٍ عليه السلام، والذي عمَّ كلَّ الأرضِ، فأمرَ اللهُ تعالى نبيَّهُ إبراهيمَ عليه السلام ببناءِ الكعبةِ المشرفة، وأرشدهُ إلى مكانِ البيتِ الحرام، يقول ربُّ العزةِ في محكمِ كتابِه: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”(١) (سورة البقرة:127). وبعد أن فَرَغَ سيدُنا إبراهيمُ عليه السلام من بناءِ الكعبةِ المشرّفةِ مع ولدِه إسماعيل أمرهُ اللهُ أن يؤذِّنَ في الناسِ بالحجِّ قال تعالى: “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ” (سورة الحج:27)، وقد روى الحاكمُ والنَّسائيُّ والبيهقيُّ واللفظ له عن الصحابيِّ الجليل عبدِ اللهِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:” لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ : رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ فَقَالَ(٢): أَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ : رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِى قَالَ أَذِّنْ وَعَلَىَّ الْبَلاَغُ(٣) قَالَ : رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ حَجُّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ يُلَبُّونَ”(٤). فكتبَ أي أوجب اللهُ علينا الحجّ بشروطِهِ؛ لما فيه من الرسائلِ والحكمِ العظيمةِ، وهو عنوانُ خطبتِنا بإذن الله تعالى.
إخوة الإسلام: إنَّ لأَعمالِ الحجِّ وشَعَائِرِهِ فَوائِدَ وَحِكَمًا عظيمَةً ومَزايَا جَليلَةً، لو أدرَكَ كثيرٌ من المسلمينَ مَغْزاها لَتَسابَقُوا إِلَيْها؛ فالحجُّ اجتماع سَنَوِيٌّ كبيرٌ يَجْتَمِعُ فيهِ مئَاتُ الآلافِ من المسلمينَ على كلمَةِ لا إلهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، وهناكَ يَدْعونَ رَبَّهُم وخالِقَهُم ويتعارَفُونَ وَيَأْتَلِفُون، هناكَ في تلكَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ يَتَذَكَّرُ المسلِمُ أَخَاهُ المسلِمَ وَمَا لَهُ مِنْ حُقُوقٍ، فتتَجَلَّى معانِي الأُخُوَّةِ بَيْنَ المسلمينَ في أَجْلَى صُوَرِها، فَالحجَّاجُ جميعُهُم قد لَبِسُوا لباسَ الإِحرامِ قائِلِينَ: “لَبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك، لبيْكَ لا شريكَ لَكَ لبيك، إِنَّ الحمدَ والنعمةَ لَكَ وَالملك، لا شريكَ لكَ“. وهم مُتّجَرِّدونَ من مباهِجِ الحَياةِ الدنيا الفانيةِ، صغيرُهُم وكبيرُهُم، غَنِيُّهُم وفقيرُهُمْ كلُّهُم سَوَاءٌ لا يَتَفاضَلُونَ إلاَّ بالتَّقوَى.
والحَجُّ تَمْرِينٌ عَمَلِيٌّ لِلإِنسانِ عَلَى الصَّبرِ وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ والمصاعِبِ لِمُواجَهَةِ مَشاكِلِ الحيَاةِ وَلِنَيْلِ الدَّرجاتِ العُلَى وَالفَوْزِ بِجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، وليس الحجُّ موعدا لمعصيةِ الله تعالى، وسبِّ المسلمين، والاعتداءِ عليهم وترك الصبرِ على أذاهم، وقد روى البخاريُّ في صحيحِه عن الصحابيِّ الجليلِ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:”مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”.فمن لم يرفُثْ أي لم يُجَامِعْ وهو في الإِحْرَامِ، ولَم يَفْسُقْ أي تَجَنَّبَ الكَبَائِرَ كسِبَابِ المسْلِمِ وضَرْبِهِ ظُلْمًا، ونَحوِ ذلك، رجع كيومَ ولدتْهُ أمُّه، أي غفرت له الكبائرُ والصغائر، ولكن لا يعني هذا أن يترك قضاءَ صلاةٍ أو صيامٍ أو دَينٍ أو نحوِ ذلك. وليُنتبهْ من أنه حَتَّى يُكَفِّرَ الحَجُّ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ وَيَجْعَلَ الإِنْسَانَ بِلَا ذَنْبٍ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، لا بدَّ من شروطٍ قد يَغْفُل عَنْهَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمِنْ ذَلِكَ أن يكونَ حجُّه صحيحًا. وأَنْ تَكُوْنَ نِيَّتُهُ خَالِصَةً للهِ تَعَالَى، وأن يكونَ المالُ الذي تزوّدَ به لحجِّهِ طيبًا حلالًا، بخلافِ من يقصِدُ الحجَّ بمالٍ حرامٍ كمالِ الرّبا أو غيرِه مما يُحصِّلُهُ كثيرٌ من الناسِ اليومَ بطرقٍ فاسدةٍ خارجةٍ عن قانونٍ الشرعِ فلا تكونُ له هذه المزيةُ. وقد قال العالمُ الجليلُ عبدُ الله الحدادُ الحضرميُّ:”إن من تكلّف الحجّ شوقًا إلى بيت الله وحرصًا على إقامة الفريضةِ إيمانُه أكملُ وثوابُه أعظمُ وأجْزَلُ، لكنْ بشرطِ أن لا يُضيِّعَ بسببِهِ شيئًا من الفرائِضِ، وإلا كان ءاثمًا واقعًا في الحرجِ كمن بنى قصرًا وهدم مِصرًا“(٥)، وهذا كمن يُضيِّعُ النفقةَ الواجبةَ عليه. نسأل الله تعالى أن يرزقَنا الوقوفَ على عرفاتٍ قبلَ الممات، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
إخوةَ الإسلام: تدخلُ علينا أيام العشرِ من ذي الحجةِ المباركةِ يومَ الأربعاءِ أو الخميسِ القادم، ورسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: “إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ؛ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئاً”رواه الإمام مسلم. فيُسنُّ ويستحبُّ لمن أرادَ أن يضحيَ أن لا يأخذَ شيئًا من شَعَرِهِ من ليلةِ اليومِ الأوّلِ من ذي الحجةِ إلى الفراغِ من ذَبحِ الأضحية، سواءٌ شعرَ رأسِهِ أو غيرِه، وسواءٌ أكان الأخذُ بقصٍّ أم نتفٍ أم غيرِه، وكذلك لا يأخذُ شيئًا من ظُفْرِهِ، إلا أنه لو فعل شيئا من ذلك فلا إثمَ عليهِ؛ بل يُكره ذلك عندَ السادةِ الشافعيةِ وأضحيتُهُ صحيحةٌ. والحكمةُ من ذلك أن يبقى كاملَ الأجزاءِ ليُعتَقَ كلُّه من النار، وأما التطيّب أو معاشرةُ الزوجةِ فلا تحرم ولا تكره، نسألُ اللهَ تعالى أن يُعتقَنا من النار، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:“إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- روى البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:” قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ”. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ناقلا عن الحافظِ ابن الجوزي في كيف يجاب على ما ورد في الأحاديث من أن سيدنا إبراهيم هو أول من بنى الكعبة المشرفة، وسليمان هو أول من بنى بيت مقدس، ما نصه:” وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بني الكعبة ولا سليمان أول من بني بيت المقدس فقد روينا أن أول من بني الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بني إبراهيم الكعبة بنص القرآن”.
- أي اللهُ عز وجلّ، وكلام الله تعالى صفته أزليٌّ لا أول له، أبديٌّ لا نهاية له، فلا يُبتدأ ولا يُختتم.
- جاء في بعض الروايات، كما عند الحافظ البيهقي في شعب الإيمان والحافظ ابن حجر في فتح الباري:أن الله تعالى أسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء قول سيدنا إبراهيم عليه السلام، فأجابه من آمن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
- صححه الحاكم في المستدرك، وحسنه وقوّاه الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
- كتاب النصائح الدينية والفوائد الإيمانية، للعالم عبد الله الحداد الحضرمي.