المحتويات
- المقدمة
- ما معنى الإيمان بالقدر؟
- تعريف القضاء والقدر والمشيئة الإلهية
- مفهوم القضاء والقدر والمشيئة في الإسلام
- توضيح المشيئة الإلهية وأثرها في حياة الإنسان
- الآيات التي تؤكد عموم مشيئة الله
- حكمة الله في خلق الخير والشر
- معنى أن كل شيء يحصل بمشيئة الله
- الأحاديث النبوية التي تؤكد أهمية الإيمان بالقضاء والقدر
- أقوال الصحابة وأهل العلم في الإيمان بالقضاء والقدر
- من أقوال الأئمة في القضاء والقدر
- الظلم يستحيل في حق الله
- التحذير من الاعتراض على قدر الله
- الإيمان بالقضاء والقدر والمؤمن بين الخوف والرجاء
- القدر سر الله في خلقه فلا تتكلف
- قصص وأمثلة للتسليم بقضاء الله وقدره
- عبارات لَا يجوز قولها
- التحذير من إساءة الفهم والاعتقاد الفاسد في أمر القدر
- الخاتمة
- المصادر
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
اعلَم – يَا طَالِبَ الحَقِّ – أَنَّ الإِيمَانَ بِالقَدَرِ قَد عَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن أَعظَمِ أُمُورِ الإِيمَانِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ المَشهُورِ، وَمَن أَخَلَّ بِهِ (أَي لَم يُؤمِن بِتَقدِيرِ اللهِ تَعَالَى وقَضائِه وَقَدَرِهِ) فَهُوَ غَيرُ مُؤمِنٍ بِاللهِ تَعَالَى، حَتَّى لَو قَالَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ ثُمَّ قَالَ: لَا أُؤمِنُ بِالقَدَرِ مَا صَحَّ لَهُ الإِيمَانُ، لِأَنَّهُ كَذَّبَ القُرآنَ وَمَن كَذَّبَ القُرآنَ لَا يَكُونُ مِنَ المُؤمِنِينَ.
وَالإِيمَانُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ يُعِينُ الإِنسَانَ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالِاعتِمَادِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَبعَثُ الرَّاحَةَ وَالطُّمَأنِينَةَ فِي القَلبِ لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِتَقدِيرِ اللهِ فَلَا يُصِيبُ العَبدَ شَيءٌ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ إِلَّا بِتَقدِيرِ اللهِ، فَلَا يَتَكَلَّفُ فِي حِفظِ نَفسِهِ مِنَ الأَخطَارِ وَلَا يَلجَأُ إِلَى الحَرَامِ لِدَفعِ المَضَارِّ، وَتَهُونُ عَلَيهِ المَصَائِبُ، وَقَد رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبْعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبْعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ -أَي جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ- نَفَثَ فِي رُوْعِي –أَي نَفسِي وَقَلبِي– أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلْكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ».
ما معنى الإيمان بالقدر؟
مَعنَاهُ الإِيمَانُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَحصُلُ فِي هَذَا العَالَمِ مِن حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وخَاطِرٍ وَكَلامٍ وَاعتِقَادٍ فِي القَلبِ إِنَّمَا يَحصُلُ بِتَقدِيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَشِيئَتِهِ، اللهُ شَاءَ لَهُ أَن يَحصُلَ، وَلَو أَنَّ اللهَ لَم يَشَأ حُصُولَهُ مَا حَصَلَ، فَلَا يَحصُلُ شَيءٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى:﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾، [سورة التكوير: 29]، هَذَا مَعنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ.
تعريف القضاء والقدر والمشيئة الإلهية
ما هو القضاء؟
اعلَم أَنَّ القَضَاءَ لَهُ عِدَّةُ مَعَانٍ:
- مِنهَا التَّكوِينُ أَيِ الخَلقُ، وَهُوَ المُرَادُ هُنَا فِي هَذَا المَبحَثِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبعَ سَمَاوَاتٍ﴾، [سورة فصلت: 12]، أَي خَلَقَهُنَّ.
- وَمِنهَا الحُكمُ، يُقَالُ قَضَى القَاضِي عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا أَي حَكَمَ عَلَيهِ بِهِ.
- وَمِنهَا الأَمرُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، [سورة الإسراء: 23]، أَي أَمَرَ رَبُّكَ وَحَتَّمَ وَأَلزَمَ.
- وَمِنهَا الِانتِهَاءُ مِنَ الأَمرِ، يُقَالُ قَضَيتُ أَمرَ كَذَا وَانقَضَى الأَمرُ أَيِ انتَهَى وَصَارَ الأَمرُ مَفرُوغًا مِنهُ.
- وَمِنهَا الإِعلَامُ وَالإِخبَارُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَينَا إِلَىٰ بَنِي إِسرَائِيلَ فِي الكِتَابِ﴾، [سورة الإسراء: 4]، أَي أَعلَمنَاهُم.
ما هو القدر؟
القَدَرُ لَهُ مَعنَيَانِ:
- يُطلَقُ بِمَعنَى التَّقدِيرِ ـ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفتَازَانِيُّ فِي المَقَاصِدِ ـ فَيَكُونُ صِفَةً للهِ، وَالتَّقدِيرُ جَعلُ كُلِّ شَيءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ، وَعَبَّرَ عَنهُ بَعضُ العُلَمَاءِ: القَدَرُ هُوَ تَدبِيرُ الأَشيَاءِ عَلَى وَجهٍ مُطَابِقٍ لِعِلمِ اللهِ الأَزَلِيِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ فَيُوجِدُهَا اللهُ فِي الوَقتِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهَا تَكُونُ فِيهِ، وَرَوَى بَعضُهُم عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ القَدَرَ هُوَ المَشِيئَةُ وَيَأتِي كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.
- وَيُطلَقُ القَدَرُ بِمَعنَى المَقدُورِ أَيِ المَخلُوقِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ: «الإِيمَانُ أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ، لِأَنَّ المَقدُورَ هُوَ الَّذِي يَنقَسِمُ إِلَى الخَيرِ وَالشَّرِّ لَا تَقدِيرُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ.
ما هي المشيئة؟
المَشِيئَةُ هِيَ الإِرَادَةُ وَمَعنَاهَا التَّخصِيصُ، أَي تَخصِيصُ اللهِ تَعَالَى المُمكِنَاتِ العَقلِيَّةَ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ وَبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، وَالمُمكِنَاتُ العَقلِيَّةُ هِيَ الأَشيَاءُ الَّتِي يَجُوزُ عَلَيهَا عَقلًا أَن تَبقَى فِي العَدَمِ وَلَا تُوجَدَ وَيَجُوزُ أَن تُوجَدَ بَعدَ أَن كَانَت مَعدُومَةً، مِثلُ هَذَا العَالَمِ.
مفهوم القضاء والقدر والمشيئة في الإسلام
قَالَ أَهلُ الحَقِّ فِي بَيَانِ ذَلِكَ: مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ (أَي مَا كَانَ مَعدُومًا ثُمَّ وُجِدَ) فَوُجُودُهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ، أَي أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّصَهُ بِالوُجُودِ فِي الوَقتِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فِي الوُجُودِ، فَكُلُّ الحَادِثَاتِ تَدخُلُ فِي الوُجُودِ بِعِلمِ اللهِ الأَزَلِيِّ، وَتَدخُلُ فِي الوُجُودِ بِتَقدِيرِ اللهِ الأَزَلِيِّ أَي تَدبِيرِهِ، وَلَيسَ مَعنَى التَّدبِيرِ التَّفكِيرَ، لِأَنَّ التَّفكِيرَ حَادِثٌ وَهُوَ مِن صِفَاتِ الخَلقِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ التَّفكِيرُ، إِنَّمَا الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ هُوَ التَّدبِيرُ، وَأَمَّا القَضَاءُ فَمَعنَاهُ التَّكوِينُ، فَبِتَكوِينِ اللهِ تَعَالَى (أَي خَلقِهِ) دَخَلَ فِي الوُجُودِ كُلُّ مَا هُوَ مِن أَفرَادِ العَالَمِ.
توضيح المشيئة الإلهية وأثرها في حياة الإنسان
إِنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنَ الكَائِنَاتِ يُوجَدُ بِتَقدِيرِ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ الأَزَلِيَّةُ الأَبَدِيَّةُ، وَلَا مَشِيئَةَ لِلعِبَادِ فِي أَنفُسِهِم وَأَفعَالِهِم إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى لَهُم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾، [سورة التكوير: 29]، عَلَّقَ مَشِيئَتَهُم وَمَا يَصدُرُ مِنهُم بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى فَلَا تُوجَدُ دُونَهَا.
فَمَشِيئَتُهُ تَعَالَى سَابِقَةٌ وَمَشِيئَةُ العِبَادِ حَادِثَةٌ، فَلَا يَحصُلُ مِنَ الخَلقِ مَشِيئَةٌ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ لَهُم أَن يَشَاؤُوا، وَقَد وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَ بَعضَ بَنَاتِهِ: «مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمَشِيئَةُ اللهِ لَا تَتَغَيَّرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَمَشِيئَةُ اللهِ تَعَالَى شَامِلَةٌ لِكُلِّ شَيءٍ، حَيثُ قَدَّرَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَقَادِيرَ الخَلقِ كُلَّهَا مِنَ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالطَّاعَةِ وَالمَعصِيَةِ وَالرِّزقِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَنَحوِ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِخَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَالمُرَادُ بِالتَّقدِيرِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وُجُودُ الحُرُوفِ عَلَى اللَّوحِ المَحفُوظِ لَيسَ التَّقدِيرَ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللهِ.
الآيات التي تؤكد عموم مشيئة الله
هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى شَامِلَةٌ لِكُلِّ شَيءٍ مِنهَا:
10. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةٌ وَهِيَ أَنَّ أََبَا جَهلٍ ـ لَعنَةُ اللهِ عَلَيهِ ـ لَمَّا نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُم أَن يَستَقِيمَ﴾، [سورة التكوير: 28]، قَالَ: ذَلِكَ الأَمرُ إِلَينَا إِن شِئنَا استَقَمنَا وَإِن شِئنَا لَم نَستَقِم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾، [سورة التكوير: 29]، مَعنَاهُ أَنَّ العَبدَ لَهُ مَشِيئَةٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى.
- قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، [سورة القمر: 49]
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا﴾، [سورة الفرقان: 2]
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ﴾، [سورة الصافات: 96]
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ﴾، [سورة النحل: 93]
- وَقَولُُُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلَامِ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، [سورة الأنعام: 125]
- وَقَولُ اللهِ تَعَالَى إِخبَارًا عَن سَيِّدِنَا مُوسَى: ﴿إِن هِيَ إِلَّا فِتنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهدِي مَن تَشَاءُ﴾، [سورة الأعراف: 155]
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعًا﴾، [سورة يونس: 99]
- وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ﴾، [سورة القصص: 56]
- وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾، [سورة التكوير: 29]
حكمة الله في خلق الخير والشر
اعلَم أَنَّ فِي اختِلَافِ أَحوَالِ الخَلقِ دَلِيلًا عَلَى كَمَالِ قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ، لِأَنَّ فِي اختِلَافِ أَحوَالِهِم مَزِيدَ مَعرِفَةٍ لِلعِبَادِ بِكَمَالِ قُدرَةِ الصَّانِعِ الحَكِيمِ، فَيَزدَادُونَ مِن خَوفِهِ وَإِجلَالِهِ، فَيُعلَمُ مِن ذَلِكَ أَنَّ مِن تَمَامِ القُدرَةِ خَلقَ الأَضدَادِ وَأَنَّ اللهَ شَاءَ وُجُودَ الأَضدَادِ.
وَاعلَم أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ وَاحِدَةٌ، بِمَعنَى أَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ وَلَا تَختَصُّ بِشَيءٍ دُونَ آخَرَ، وَمَن خَصَّصَهَا بِالخَيرِ دُونَ الشَّرِّ جَعَلَ شَرِيكًا مَعَ اللهِ فِي الخَالِقِيَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلقُ عَلَيهِم قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾، [سورة الرعد: 16]، فَاللهُ تَعَالَى شَاءَ الخَيرَ وَأَمَرَ بِهِ وَشَاءَ الشَّرَّ وَنَهَى عَنهُ لِحِكمَةٍ.
معنى أن كل شيء يحصل بمشيئة الله
اعلَم – رَحِمَكَ اللهُ – أَنَّ أَفعَالَ العِبَادِ وَكُلَّ مَا يَدخُلُ فِي الوُجُودِ مِن أَعيَانِ الأَشيَاءِ وَأَعرَاضِهَا، كَحَرَكَةِ العَبدِ وَسُكُونِهِ وَإِدرَاكِهِ وَخَوَاطِرِهِ وَنِيَّاتِهِ مِن خَيرٍ وَشَرٍّ وَإِيمَانٍ وَطَاعَةٍ وَكُفرٍ وَمَعصِيَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلمِ اللهِ الأَزَلِيِّ وَقَدَرِ اللهِ الأَزَلِيِّ وَقَضَاءِ اللهِ الأَزَلِيِّ، فَمَشِيئَةُ اللهِ وَعِلمُهُ وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ سَابِقٌ أَي لَا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ كَمَا أَنَّ ذَاتَ اللهِ المُقَدَّسَ لَا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ.
الأحاديث النبوية التي تؤكد أهمية الإيمان بالقضاء والقدر
حديث جبريل عليه السلام
رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن يَحيَى بنِ يَعمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَن قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصرَةِ مَعبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانطَلَقتُ أَنَا وَحُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ الحِميَرِيُّ حَاجَّينِ أَو مُعتَمِرَينِ، فَقُلنَا: لَو لَقِينَا أَحَدًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي القَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ دَاخِلًا المَسجِدَ، فَاكتَنَفتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَن يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَن شِمَالِهِ، فَظَنَنتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلتُ: أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، إِنَّهُ قَد ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقرَؤُونَ القُرآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلمَ، وَذَكَرَ مِن شَأنِهِم، وَأَنَّهُم يَزعُمُونَ أَن لَا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمرَ أُنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخبِرهُم أَنِّي بَرِيءٌ مِنهُم، وَأَنَّهُم بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحلِفُ بِهِ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ لَو أَنَّ لِأَحَدِهِم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنهُ حَتَّى يُؤمِنَ بِالقَدَرِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، إِذ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسنَدَ رُكبَتَيهِ إِلَى رُكبَتَيهِ وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخبِرنِي عَنِ الإِسلَامِ، فَأَخبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: «أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقتَ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ انطَلَقَ، فَلَبِثتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ، أَتَدرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبرِيلُ، أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم».
حديث: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس.
رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجزَ وَالكَيسَ»، أَي حَتَّى البَلَادَةَ وَالذَّكَاءَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ خَلَقَ الأَفعَالَ كُلَّهَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنَ الطَّاعَةِ وَالعِصيَانِ وَالنَّفعِ وَالضُّرِّ بِخَلقِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ كَمَا قَالَ الزَّركَشِيُّ.
حديث عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس
رَوَى مُسلِمٌ عَن يَحيَى بنِ يَعمُرَ عَن أَبِي الأَسوَدِ الدُّئَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ الحُصَينِ: أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى عَلَيهِم مِن قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم؟ فَقُلتُ: بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم، وَمَضَى عَلَيهِم، قَالَ فَقَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ظُلمًا؟ قَالَ: فَفَزِعتُ مِن ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلتُ: كُلُّ شَيءٍ خَلقُ اللهِ وَمِلكُ يَدِهِ فَلَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ، فَقَالَ لِي: يَرحَمُكَ اللهُ إِنِّي لَم أُرِد بِمَا سَأَلتُكَ إِلَّا لِأَحزِرَ عَقلَكَ إِنَّ رَجُلَينِ مِن مُزَينَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم مِن قَدَرٍ قَد سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيهِم؟ فَقَالَ: «لَا بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم وَتَصدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾».
أقوال الصحابة وأهل العلم في الإيمان بالقضاء والقدر
قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه
رُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجزَ وَالكَيسَ (أَي حَتَّى الضَّعفَ فِي الفَهمِ وَالذَّكَاءَ وَالفَطَانَةَ) وَإِلَيهِ المَشِيئَةُ (أَي لَهُ المَشِيئَةُ الشَّامِلَةُ العَامَّةُ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ) الغَالِبَةُ لِلمَشِيئَاتِ كُلِّهَا، وَبِهِ الحَولُ (أَي التَّحَوُّلُ وَالِابتِعَادُ عَنِ الشَّرِّ) وَالقُوَّةُ (أَيِ القُوَّةُ عَلَى الطَّاعَةِ)»، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ.
قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
جَاءَ فِي حَدِيثِ البَزَّارِ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ قَالَ: لَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَعرِفُ مَعنَاهَا»، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «لَا حَولَ (أَي لَا ابتِعَادَ) عَن مَعصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعِصمَةِ اللهِ (بِحِفظِ اللهِ) وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ إِلَّا بِعَونِ اللهِ.
قصيدة لبيد بن ربيعة التي كان يحبها عمر بن الخطاب
رَوَى الحَافِظُ أبُو نُعَيم عَنِ ابنِ أَخِي الزُّهرِيِّ عَن عَمِّهِ الزُّهرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَانَ يُحِبُّ قَصِيدَةَ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ الَّتِي مِنهَا هَذِهِ الأَبيَاتُ، وَهِيَ: [الرَّمَلُ]:
إِنَّ تَقوَى رَبِّنَا خَيرُ نَفَل *** وَبِإِذنِ اللهِ رَيثِي وَعَجَل
أَحمَدُ اللهَ فَلَا نِدَّ لَهُ *** بِيَدَيهِ الخَيرُ مَا شَاءَ فَعَل
مَن هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهتَدَى *** نَاعِمَ البَالِ وَمَن شَاءَ أَضَل
وَمَعنَى قَولِهِ: إِنَّ تَقوَى رَبِّنَا خَيرُ نَفَل، أَي خَيرُ مَا يُعطَاهُ الإِنسَانُ.
وَمَعنَى قَولِهِ: وَبِإِذنِ اللهِ رَيثِي وَعَجَل، أَي أَنَّهُ لَا يُبطِئُ مُبطِئٌ وَلَا يُسرِعُ مُسرِعٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ وَبِإِذنِهِ.
وَقَولِهِ: أَحمَدُ اللهَ فَلَا نِدَّ لَهُ، أَي لَا مِثلَ لَهُ.
وَقَولِهِ: بِيَدَيهِ الخَيرُ، أَي وَالشَّرُّ، وَإِنَّمَا اقتَصَرَ عَلَى ذِكرِ الخَيرِ مِن بَابِ الِاكتِفَاءِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، [سورة النحل: 81]، أَي وَالبَردَ لِأَنَّ السَّرَابِيلَ تَقِي مِنَ الأَمرَينِ لَيسَ مِنَ الحَرِّ فَقَط.
وَقَولِهِ: مَا شَاءَ فَعَل، أَي مَا أَرَادَ اللهُ حُصُولَهُ لَا بُدَّ أَن يَحصُلَ وَمَا أَرَادَ أَلَّا يَحصُلَ فَلَا يَحصُلُ.
وَقَولِهِ: مَن هَدَاهُ سُبُلَ الخَيرِ اهتَدَى، أَي مَن شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَكُونَ عَلَى الصِّرَاطِ الصَّحِيحِ المُستَقِيمِ اهتَدَى.
وَالهِدَايَةُ عَلَى وَجهَينِ:
أَحَدُهُمَا: إِبَانَةُ الحَقِّ وَالدُّعَاءُ إِلَيهِ وَنَصبُ الأَدِلَّةِ عَلَيهِ، وَعَلَى هَذَا الوَجهِ يَصِحُّ إِضَافَةُ الهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ لِلَّهِ، كَقَولِهِ تَعَالَى فِي رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾، [سورة الشورى: 52]، أَي يَا مُحَمَّدُ أَنتَ تَدُلُّ عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ، فَالأَنبِيَاءُ بِهَذَا المَعنَى هُدَاةٌ لِأَنَّهُم دَلُّوا النَّاسَ عَلَى الخَيرِ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَحَذَّرُوا النَّاسَ مِمَّا لا يُحِبُّهُ اللَّهُ، فَالأَنبِيَاءُ وَظِيفَتُهُمُ الَّتِي هِيَ فَرضٌ عَلَيهِم أَن يُؤَدُّوهَا البَيَانُ وَالدِّلالَةُ وَالإِرشَادُ، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ مَن كَانَ اللَّهُ شَاءَ لَهُ الِاهتَدَاءَ يَهتَدِي.
وَالثَّانِي: مِن جِهَةِ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، أَي خَلقِ الِاهتِدَاءِ فِي قُلُوبِهِم كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلامِ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، [سورة الأنعام: 125]، وَالإِضلالُ خَلقُ الضَّلالِ فِي قُلُوبِ أَهلِ الضَّلالِ.
وَقَولِهِ: نَاعِمَ البَالِ، أَي مُطمَئِنَّ البَالِ.
وَقَولِهِ: وَمَن شَاءَ أَضَلَّ، أَي مَن شَاءَ لَهُ أَن يَكُونَ ضَالًّا أَضَلَّهُ.
من أقوال الأئمة في القضاء والقدر
الإمام الشافعي وأشعاره عن القضاء والقدر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيمَا نَقَلَ عَنهُ البَيهَقِيُّ أَنَّهُ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ:
مَا شِئتَ كَانَ وَإِن لَم أَشَأ *** وَمَا شِئتُ إِن لَم تَشَأ لَم يَكُن
خَلَقتَ العِبَادَ عَلَى مَا عَلِمتَ *** فَفِي العِلمِ يَجرِي الفَتَى وَالمُسِن
عَلَى ذَا مَنَنتَ وَهَذَا خَذَلتَ *** وَهَذَا أَعَنتَ وَذَا لَم تُعِن
فَمِنهُم شَقِيٌّ وَمِنهُم سَعِيدٌ *** وَهَذَا قَبِيحٌ وَهَذَا حَسَن
فَفِي هَذِهِ الأَبيَاتِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: يَا رَبِّ مَا سَبَقَت بِهِ مَشِيئَتُكَ فِي الأَزَلِ لَا بُدَّ أَن يُوجَدَ وَإِن لَم أَشَأ وُجُودَهُ لِأَنَّ مَشِيئَتَكَ نَافِذَةٌ وَمُرَادَكَ لَا يَتَخَلَّفُ حُصُولُهُ، وَأَمَّا مَا أَرَدتُ أَنَا حُصُولَهُ فَلَا يَحصُلُ إِلَّا إِذَا شِئتَ أَنتَ ذَلِكَ، وَأَنتَ يَا رَبَّنَا خَلَقتَ العِبَادَ أَي أَبرَزتَهُم مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ فِي عِلمِكَ الأَزَلِيِّ، وسَعيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلقِ سَوَاءٌ كَانَ فَتًى أَو مُسِنًّا لَا يَخرُجُ عَن عِلمِكَ، فَبَعضُهُم مَنَنتَ عَلَيهِ فَوَفَّقتَهُ لِلإِيمَانِ وَالهُدَى وَالصَّلَاحِ، أَي جَعَلتَهُ يَصرِفُ اختِيَارَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقِسمٌ مِنهُم خَذَلتَهُم فَلَم تُوَفِّقهُم لِلحَقِّ بَل جَعَلتَهُم يَصرِفُونَ قُدرَتَهُم وَاختِيَارَهُم لِلشَّرِّ، وَأَعَنتَ فَرِيقًا مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا يُرضِيكَ مِنَ الأَعمَالِ وَلَم تُعِنِ الفَرِيقَ الآخَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَصَارَ النَّاسُ مَا بَينَ شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ وَقَبِيحٍ وَحَسَنٍ وَمُوَفَّقٍ وَمَخذُولٍ عَلَى حَسَبِ عِلمِكَ الأَزَلِيِّ وَمَشِيئَتِكَ الأَزَلِيَّةِ وَتَقدِيرِكَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ.
أقوال الإمام مالك في الفواحش والقدر
قَالَ مُصعَبٌ: سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكًا فَقَالَ: الفَوَاحِشُ كَتَبَهَا اللهُ عَلَينَا؟ قَالَ: نَعَم قَبلَ أَن يَخلُقَنَا وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مَن كَتَبَ اللهُ عَلَيهِ ذَلِكَ أَن يَعمَلَهَا وَيَصِيرَ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيهِ وَكُتِبَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَا أَبيَنَ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى أَهلِ القَدَرِ وَأَشَدَّهَا عَلَيهِم: ﴿وَلَو شِئنَا لَآتَينَا كُلَّ نَفسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِن حَقَّ القَولُ مِنِّي لَأَملَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ﴾، [سورة السجدة: 13]، فَلَا بُدَّ أَن يَكُونَ مَا قَالَ.
الظلم يستحيل في حق الله
تعريف الظلم ولماذا يستحيل في حق الله
عَرَّفَ العُلَمَاءُ الظُّلمَ بِعِبَارَاتٍ وَكُلُّهَا تَرجِعُ إِلَى مَعنًى وَاحِدٍ، قَالُوا:
- الظُّلمُ: وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، قَالَهُ الفَيرُوزَأبَادِيُّ.
- أَوِ التَّصَرُّفُ فِي مِلكِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ.
- أَو مُخَالَفَةُ الأَمرِ وَالنَّهيِ لِمَن لَهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ.
فَعَلَى كُلٍّ مِن هَذِهِ التَّعرِيفَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ الظُّلمُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ لَهُ وَلَا آمِرَ وَلَا نَاهِيَ لَهُ، ولِأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِيمَا هُوَ مِلكٌ لَهُ حَقِيقَةً، وَلَيسَ مِلكُهُ مَجَازِيًا كَمِلكِنَا، وَأَمَّا مِلكُنَا فَهُوَ مِلكٌ مَجَازِيٌّ، لِأَنَّ العِبَادَ وَمَا يَملِكُونَ كُلٌّ مِلكٌ للهِ تَعَالَى، لَا فَرقَ بَينَكَ وَبَينَ مَا تَملِكُهُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَونِ كُلٍّ مِلكًا للهِ تَعَالَى، أَنتَ خَلَقَكَ وَأَحدَثَكَ مِنَ العَدَمِ وَكَذَلِكَ مَا تَملِكُهُ هُوَ خَلَقَهُ وَأَحدَثَهُ مِنَ العَدَمِ.
قَالَ ابنُ رَسلَانَ الشَّافِعِيُّ:
كَذَا لَهُ أَن يُؤلِمَ الأَطفَالَا *** وَوَصفُهُ بِالظَّالِمِ استَحَالَا
وَكَذَلِكَ للهِ سُبحَانَهُ الحَاكِمِيَّةُ عَلَى العِبَادِ، فَمَا مَنَعَهُم وَنَهَاهُم عَنهُ فَعَلَيهِم أَن يَنتَهُوا عَنهُ، فَإِن لَم يَنتَهُوا تَوَجَّهَ اللَّومُ عَلَيهِم وَاستَحَقُّوا العُقُوبَةَ وَالعَذَابَ، وَهَذَا مَفهُومٌ مِن قَولِهِ ﷺ: «لَو أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهلَ أَرضِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظَالِمٍ لَهُم وَلَو رَحِمَهُم كَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمَالِهِم»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
حديث: إني حرمت الظلم على نفسي
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَروِي عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي وَجَعَلتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»، وَفِي رِوَايَةٍ بِالتَّشدِيدِ: «لَا تَظَّالَمُوا»، وَالمَعنَى أَي لَا يَظلِم بَعضُكُم بَعضًا، وَهَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَد نَهَى الشَّرعُ الحَنِيفُ عَنِ الظُّلمِ.
وَمَعنَى قَولِهِ: «إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي»، أَي: تَقَدَّستُ عَنهُ وَتَعَالَيتُ، إِذ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ظُلمٌ، سَوَاءٌ قُلنَا: إِنَّ الظُّلمَ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَحِلِّهِ، أَو أَنَّهُ التَّعَدِّي فِي مِلكِ الغَيرِ، فَكِلَاهُمَا مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ سُبحَانَهُ المَحمُودُ فِي كُلِّ أَفعَالِهِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾، [سورة فصلت: 46]، مَعنَاهُ: اللهُ جَلَّ وَعَزَّ مُستَغنٍ عَن طَاعَةِ العِبَادِ، فَمَن أَطَاعَ فَالثَّوَابُ لَهُ، وَمَن أَسَاءَ فَالعِقَابُ عَلَيهِ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾ نَفَى الظُّلمَ عَن نَفسِهِ جَلَّ وَعَزَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَإِذَا انتَفَتِ المُبَالَغَةُ انتَفَى غَيرُهَا، ودَلِيلُهُ قَولُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظلِمُ النَّاسَ شَيئًا﴾، [سورة يونس: 44].
حديث: إن الله لو عذَّب أهل أرضهِ وسماواته لعذَّبَهُم
رَوَى ابنُ حِبَّانَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ أَرضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم كَانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهم مِن أَعمَالِِهم، وَلَو أَنفَقتَ مِثلَ أُحدٍ ذَهَبًا في سَبِيلِ اللهِ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنكَ حَتَّى تُؤمِنَ بِالقَدَرِ وَتَعلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَم يَكُن لِيُخطِئَكَ وَمَا أَخطَأَكَ لَم يَكُن لِيُصِيبَكَ وَلَو مُتَّ عَلَى غَيرِ هَذَا دَخَلتَ النَّارَ».
نفي الظلم عن الله في القرآن الكريم
- قَد نَفَى اللهُ تَعَالَى عَن نَفسِهِ الظُّلمَ بِنَصِّ القُرءَانِ الكَرِيمِ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظلِمُ النَّاسَ شَيئًا﴾، [سورة يونس: 44]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِن خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لَا تُظلَمُونَ﴾، [سورة البقرة: 272]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لَا يُظلَمُونَ﴾، [سورة البقرة: 281]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَوُفِّيَت كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لَا يُظلَمُونَ﴾، [سورة آل عمران: 25]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِلعَالَمِينَ﴾، [سورة آل عمران: 108]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾، [سورة آل عمران: 117]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظلِمُ مِثقَالَ ذَرَّةٍ﴾، [سورة النساء: 40]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظلَمُونَ فَتِيلًا﴾، [سورة النساء: 49]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظلَمُونَ فَتِيلًا﴾، [سورة النساء: 77]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجزَىٰ إِلَّا مِثلَهَا وَهُم لَا يُظلَمُونَ﴾، [سورة الأنعام: 160]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظلِمَهُم وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ﴾، [سورة التوبة: 70]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُم قُضِيَ بَينَهُم بِالقِسطِ وَهُم لَا يُظلَمُونَ﴾، [سورة يونس: 47]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمنَاهُم وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُم﴾، [سورة هود: 101]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفسٍ مَا عَمِلَت وَهُم لَا يُظلَمُونَ﴾، [سورة النحل: 111]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، [سورة الكهف: 49]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾، [سورة الأنبياء: 47]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاليَومَ لَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا وَلَا تُجزَونَ إِلَّا مَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾، [سورة يس: 54]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿اليَومَ تُجزَىٰ كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت لَا ظُلمَ اليَومَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ﴾، [سورة غافر: 17]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيكُم وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾، [سورة آل عمران: 182]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾، [سورة فصلت: 46]
- وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلعَبِيدِ﴾، [سورة ق: 29].
التحذير من الاعتراض على قدر الله
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿لَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ﴾، [سورة الأنبياء: 23]، فَمَن سَأَلَ لِمَ فَعَلَ (أَيِ اعتِرَاضًا) فَقَد رَدَّ حُكمَ الكِتَابِ وَمَن رَدَّ حُكمَ الكِتَابِ كَانَ مِنَ الكَافِرِينَ.
وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا يُعتَرَضُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَقدِيرِهِ الخَيرَ وَالشَّرَّ، وَمَنِ اعتَرَضَ عَلَى اللهِ بِقَولِهِ لِمَ فَعَلَ كَذَا وَلِمَ خَلَقَ كَذَا فَقَد رَدَّ الحُكمَ المَذكُورَ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَرَدُّ النُّصُوصِ كُفرٌ، كَمَا قَالَ النَّسَفِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ.
الإيمان بالقضاء والقدر والمؤمن بين الخوف والرجاء
تفسير الحديث: كل ميسر لما خلق له
رَوَى أَصحَابُ الكُتُبِ السِّتَّةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشهُورٌ صَحِيحُ الإِسنَادِ، وَالمَعنَى أَنَّهُ مَن قُدِّر أَنَّهُ مِن أَهلِ الجَنَّةِ قُدِّرَ لَهُ مَا يُقَرِّبُهُ إِلَيهَا مِنَ الأَعمَالِ وَوُفِّقَ لِذَلِكَ، وَمَن قُدِّرَ أَنَّهُ مِن أَهلِ النَّارِ قُدِّرَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَأَتَى بِأَعمَالِ أَهلِ النَّارِ وَأَصَرَّ عَلَيهَا حَتَّى طَوَى عَلَيهِ صَحِيفَةَ عُمُرِهِ.
فَمَن رَأَى مِن نَفسِهِ الإِقبَالَ عَلَى أَمرِ الآخِرَةِ فَهَذَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ خَاتِمَتَهُ تَكُونُ حَسَنَةً، فَليُقدِمِ الشَّخصُ عَلَى عَمَلِ الآخِرَةِ.
الجواب على قول بعض الناس: الإنسان مخير أم مسير؟
إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ: الإِنسَانُ مُخَيَّرٌ أَم مُسَيَّرٌ؟ فَالجَوَابُ أَن يُقَالَ: إِنَّ الإِنسَانَ مُختَارٌ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، فَالإِنسَانُ لَهُ اختِيَارٌ لَكِنَّهُ لَا يَخرُجُ عَن مَشِيئَةِ اللهِ، فَمَشِيئَةُ الإِنسَانِ يَخلُقُهَا اللهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾، [سورة التكوير: 29]، فَلَا يُقَالُ الإِنسَانُ لَهُ اختِيَارٌ مُستَقِلٌّ عَن مَشِيئَةِ اللهِ، وَلَا يُقَالُ الإِنسَانُ لَا مَشِيئَةَ لَهُ، الإِنسَانُ يَكتَسِبُ أَعمَالَهُ فَقَط أَي يُوَجِّهُ قَصدَهُ نَحوَهَا وَلَا يَخلُقُهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾، [سورة البقرة: 286].
وَقَد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَن سَيِّدِنَا عَليٍِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ، فَقَالَ: سِرُّ اللهِ فَلا تَتَكَلَّف، فَلَمَّا أَلَحَّ السَّائِلُ، قَالَ: أَما إِذَا أَبَيتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَينَ أَمرَينِ لَا جَبْرٌ وَلَا تَفْوِيضٌ.
كيفية توازن المؤمن بين الخوف من الله والرجاء في رحمته
يَنبَغِي أَن يَكُونَ المُؤمِنُ بَينَ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ، يَخافُ عِقابَ اللهِ وَيَرجُو رَحمَةَ اللهِ، لَا يَجُوزُ أَن يَأمَنَ فَيَستَرسِلَ فِي المَعصِيَةِ اعتِمَادًا عَلَى رَحمَةِ اللهِ، وَلَا يَجُوزُ أَن يَقنَطَ فَيَقُولَ: لَن يَغفِرَ اللهُ لِي مَا فَعَلتُ مِنَ المَعَاصِي، إِنَّمَا عَلَيهِ أَن يَتُوبَ إِلَى اللهِ التَّوبَةَ الصَّادِقَةَ، فَإِذَا تَابَ تَوبَةً صَحِيحَةً غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ، هَذَا الَّذِي يَنبَغِي عَلَيهِ أَن يَفعَلَهُ، وَهَذَا مَعنَى أَن يَكُونَ بَينَ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ، فَيَنبَغِي أَن يَكُونَ المُؤمِنُ مِثلَ الطَّائِرِ الَّذِي يَطِيرُ بِجَنَاحَينِ، أَحَدُ الجَنَاحَينِ الخَوفُ وَالآخَرُ الرَّجَاءُ، وَأَمَّا عِندَ المَوتِ فَيُغَلِّبُ الرَّجَاءَ على الخَوفِ.
قَالَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ لِبَعضِ مَن جَاءَهُ يَشكُو شِدَّةَ خَوفِهِ: لَستُ أَخَافُ عَلَيكَ أَن تَخَافَ، وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَيكَ أَلَّا تَخَافَ.
القدر سر الله في خلقه فلا تتكلف
قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَأَصلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ فِي خَلقِهِ، لَم يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الخِذلَانِ وَسُلَّمُ الحِرمَانِ وَدَرَجَةُ الطُّغيَانِ، فَالحَذَرَ كُلُّ الحَذَرِ مِن ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكرًا وَوَسوَسَةً.اهـ
قَولُهُ: وَأَصلُ القَدَرِ سِرُّ اللهِ فِي خَلقِهِ، مَعنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ مَستُورٌ عَنِ العِبَادِ، فَلِذَلِكَ نُهِينَا عَنِ الخَوضِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الأَمرُ الَّذِي يَنبَغِي فِي أَمرِ القَدَرِ مَعرِفَةُ مَعنَاهُ وَمَعرِفَةُ تَفسِيرِهِ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمسِكُوا» رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.
قَولُهُ: لَم يَطَّلِع عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرسَلٌ، أَورَدَهُ الطَّحَاوِيُّ مُبَالَغَةً فِي الإِخبَارِ عَن كَونِ عِلمِ القَدَرِ مَكتُومًا أَي مَخْفِيًّا عَنِ الخَلَائِقِ أَجمَعِينَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿قُل لَا يَعلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشعُرُونَ أَيَّانَ يُبعَثُونَ﴾، [سورة النمل: 65]، وَالغَيبُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ الغَيبِ، وَالغَيبُ هُوَ مَا غَابَ عَن حِسِّ الخَلقِ، فَمَا غَابَ عَن حِسِّ الخَلقِ لَا يَعلَمُ جَمِيعَهُ إِلَّا اللهُ، وَلَم يُطلِعِ اللهُ عَلَى ذَلِكَ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا إِنَّمَا يُطلِعُ عَلَى بَعضِ الغَيبِ مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ مِن مَلَائِكَةٍ وَأَنبِيَاءَ وَأَولِيَاءَ مِنَ الإِنسِ وَالجِنِّ.
قَولُهُ: وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الخِذلَانِ وَسُلَّمُ الحِرمَانِ وَدَرَجَةُ الطُّغيَانِ، مَعنَاهُ يُؤَدِّي إِلَى الطُّغيَانِ كَمَا أَنَّ السُّلَّمَ وَالدَّرَجَةَ يُتَوَصَّلُ بِارتِقَائِهِمَا إِلَى مَا فَوقَهُمَا إِن كَانَ خَيرًا أَو شَرًّا، وَأَمَّا الخِذلَانُ فَهُوَ ضِدُّ التَّوفِيقِ فَمَن يَتَتَبَّعُ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَخذُولٌ أَي مَحرُومٌ.
قَالَ الغَزْنَوِيُّ: فَيَكُونُ التَّعَمُّقُ فِيهِ وَسِيلَةَ الخِذْلَانِ لِأَنَّ التَّعَمُّقَ فِي طَلَبِ الوُقُوفِ على الحِكْمَةِ الَّتِي كَتَمَهَا اللهُ تَعَالَى عَنِ الخَلْقِ يَكُونُ نَاشِئًا عَنِ الإِنكَارِ وَالارتِيَابِ، وَهُمَا مِن أَوصَافِ النِّفَاقِ، فَيَصِيرُ التَّعَمُّقُ فِيهِ ذَرِيعَةَ الخِذْلَانِ، ثُمَّ بِاستِمرَارِهِ على النَّظَرِ فِيمَا مُنِعَ عَن النَّظَرِ فِيهِ يَصِيرُ نَظَرُهُ سُلَّمًا لِلحِرْمَانِ عَنِ الثَّبَاتِ على الحَقِّ، ثُمَّ إِذَا كَرَّرَ وَلَم يَرْجِعْ عَن طَلَبِهِ يَنتَهِي إِلى دَرَجَةِ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ المُجَاوَزَةُ عَنِ الحَدِّ المَجعُولِ للعَبدِ، فَإِنَّهُ لَيسَ لِلعَبدِ المُنَازَعَةُ في أَحكَامِ مَوْلَاهُ.اهـ
ثُمَّ أَكثَرَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ التَّحذِيرِ مِن ذَلِكَ بِمَا زَادَهُ وَهُوَ قَولُهُ: فَالحَذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِن ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكرًا وَوَسوَسَةً، مَعنَاهُ لِيَدفَعِ الإِنسَانُ عَن نَفسِهِ مُحَاوَلَةَ الِاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مِن طَرِيقِ الوَسوَسَةِ أَو لِيَشغَل قَلبَهُ بِمَا يَحجِزُهُ عَن ذَلِكَ. وَقَد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَن سَيِّدِنَا عَليٍِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القَدَرِ، فَقَالَ: سِرُّ اللهِ فَلا تَتَكَلَّف، فَلَمَّا أَلَحَّ السَّائِلُ، قَالَ: أَما إِذَا أَبَيتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَينَ أَمرَينِ لَا جَبْرٌ وَلَا تَفْوِيضٌ.
قصص وأمثلة للتسليم بقضاء الله وقدره
قصة عروة بن الزبير وصبره على البلاء
رُوِيَ عَنِ الزُّهرِيِّ أَنَّ عُروَةَ بنَ الزُّبَيرِ لَمَّا وَقَعَتِ الأَكلَةُ فِي رِجلِهِ – وَهِيَ مَرَضٌ نُسَمِّيهِ الغَرغَرِينَا – فَقِيلَ لَهُ: أَلَا نَدعُو لَكَ طَبِيبًا؟ قَالَ: إِن شِئتُم، فَجَاءَ الطَّبِيبُ، فَقَالَ: أَسقِيكَ شَرَابًا يَزُولُ فِيهِ عَقلُكَ أَي حَتَّى لَا تَجِدَ أَلَمَ القَطعِ، فَرَفَضَ وقَالَ: لَا، اجلِبُوا لِي مَا أَسجُدُ عَلَيهِ وقَالَ لِلطَّبِيبِ: امضِ لِشَأنِكَ، فَوَضَعَ المِنشَارَ عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى وَنَحنُ حَولَهُ، فَمَا سَمِعنَا حِسًّا فَتَرَكُوا لَهُ العَظمَ الَّذِي أَسفَلَ مِنَ الرُّكبَةِ، فَلَمَّا قَطَعَهَا الطَّبِيبُ وَرَأَى القَدَمَ بِأَيدِيهِم دَعَا بِهَا، فَقَلَّبَهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي حَمَلَنِي عَلَيكِ إِنَّهُ لِيَعلَمُ أَنِّي مَا مَشَيتُ بِهَا إِلَى حَرَامٍ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ لَئِن أَخَذتَ لَقَد أَبقَيتَ، وَلَئِنِ ابتَلَيتَ لَقَد عَافَيتَ أَخَذتَ وَاحِدًا وَتَرَكتَ أَربَعَةً يَعنِي أَولَادَهُ وَأَخَذتَ وَاحِدًا وَتَرَكتَ ثَلَاثَةً يَعنِي مِن قَدَمَيهِ وَرِجلَيهِ، قَالَ: وَمَا تَرَكَ جُزأَهُ بِالقُرآنِ تِلكَ اللَّيلَةَ.
قصة أبي قلابة الجرمي مع الابتلاء
رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ الثِّقَاتِ بِسَنَدِهِ عَنِ الأَوزَاعِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: خَرَجتُ إِلَى سَاحِلِ البَحرِ مُرَابِطًا، وَكَانَ رَابِطُنَا يَومَئِذٍ عَرِيشَ مِصرَ، قَالَ فَلَمَّا انتَهَيتُ إِلَى السَّاحِلِ، فَإِذَا أَنَا بِخَيمَةٍ فِيهَا رَجُلٌ قَد قُطِعَت يَدَاهُ وَرِجلَاهُ، وَثَقُلَ سَمعُهُ وَبَصَرُهُ، وَمَا لَهُ مِن جارِحَةٍِ تَنفَعُهُ إِلَّا لِسَانُهُ وَهُوَ يَقُولُ: “اللهم أَوزِعنِي أَن أَحمَدَكَ حَمدًا أُكَافِئُ بِهِ شُكرَ نِعمَتِكَ الَّتِي أَنعَمتَ بِهَا عَلَيَّ وَفَضَّلتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقتَ تَفضِيلًا”.
قَالَ الأَوزَاعِيُّ: قَالَ عَبدُ اللهِ: وَاللهِ لَآتِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَلَأَسأَلَنَّهُ: مِن أَينَ لَهُ هَذَا الكَلَامُ؟ فَهمٌ أَم عِلمٌ أَم إِلهَامٌ أُلهِمَ؟ فَأَتَيتُ الرَّجُلَ فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَقُلتُ: سَمِعتُكَ وَأَنتَ تَقُولُ: “اللهم أَوزِعنِي أَن أَحمَدَكَ حَمدًا أُكَافِئُ بِهِ شُكرَ نِعمَتِكَ الَّتِي أَنعَمتَ بِهَا عَلَيَّ وَفَضَّلتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقتَ تَفضِيلًا” فَأَيُّ نِعمَةٍ مِن نِعَمِ اللهِ عَلَيكَ تَحمَدُهُ عَلَيهَا؟ (سَأَلَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِن صَبرِهِ لَا استِهزَاءً بِهِ أَو إِنكَارًا) وَأَيُّ فَضِيلَةٍ تَفَضَّلَ بِهَا عَلَيكَ تَشكُرُهُ عَلَيهَا؟ قَالَ: وَمَا تَرَى مَا صَنَعَ رَبِّي؟! وَاللهِ لَو أَرسَلَ السَّمَاءَ عَلَيَّ نَارًا فَأَحرَقَتنِي وَأَمَرَ الجِبَالَ فَدَمَّرَتنِي وَأَمَرَ البِحَارَ فَغَرَّقَتنِي وَأَمَرَ الأَرضَ فَبَلَعَتنِي مَا ازدَدتُ لِرَبِّي إِلا شُكرًا لِمَا أَنعَمَ عَلَيَّ مِن لِسَانِي هَذَا، وَلَكِن يَا عَبدَ اللهِ مَا دُمْتَ أَتَيتَنِي فَإِنَّ لِي بِكَ حَاجَة، قَد تَرَانِي عَلَى أَيِّ حَالَةٍ أَنَا، أَنَا لَستُ أَقدِرُ لِنَفسِي عَلَى ضُرٍّ وَلَا نَفعٍ، وَلَقَد كَانَ مَعِيَ ابنٌ لِي يَهتَمُّ بِي فِي وَقتِ صَلَاتِي فَيُوَضِّينِي، وَإِذَا جُعتُ أَطعَمَنِي، وَإِذَا عَطِشتُ سَقَانِي، وَلَقَد فَقَدتُهُ مُنذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَابحَث لِي عَنهُ رَحِمَكَ اللهُ، فَقُلتُ: وَاللهِ مَا مَشَى خَلقٌ فِي حَاجَةِ خَلقٍ كَانَ أَعظَمَ عِندَ اللهِ أَجرًا مِمَّن يَمشِي فِي حَاجَةِ مِثلِكَ، فَمَضَيتُ أَبحَثُ عَنِ الغُلَامِ، فَمَا مَضَيتُ غَيرَ بَعِيدٍ حَتَّى صِرتُ بَينَ كُثبَانٍ مِنَ الرَّملِ، فَإِذَا أَنَا بِالغُلامِ قَدِ افتَرَسَهُ سَبُعٌ وَأَكَلَ لَحمَهُ، فَاستَرجَعتُ وَقُلتُ: أَنَّى لِي وَجهٌ رَقِيقٌ آتِي بِهِ الرَّجُلَ (أَي كَيفَ سَأُخبِرُهُ بِالخَبَرِ) فَبَينَمَا أَنَا مُقبِلٌ نَحوَهُ إِذ خَطَرَ على قَلبِي ذِكرُ أَيُّوبَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أَتَيتُهُ سَلَّمتُ عَلَيهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ فَقَالَ: أَلَستَ بِصَاحِبِي؟ قُلتُ بَلَى، قَالَ: مَا فَعَلتَ فِي حَاجَتِي؟ فَقُلتُ: أَنتَ أَكرَمُ على اللهِ أَم أَيُّوبُ النَّبِيُّ؟ قَالَ بَل أَيُّوبُ النَّبِيُّ، قُلتُ هَل عَلِمتَ مَا صَنَعَ بِهِ رَبُّهُ؟ أَلَيسَ قَدِ ابتَلاهُ بِمَالِهِ وَآلِهِ وَوَلَدِهِ؟ قَالَ بَلَى قُلتُ فَكَيفَ وَجَدَهُ قَالَ وَجَدَهُ صَابِرًا شَاكِرًا حَامِدًا، قَالَ قُلتُ لَهُ: إِنَّ الغُلامَ الَّذِي أَرسَلتَنِي فِي طَلَبِهِ وَجَدتُهُ بَينَ كُثبَانِ الرَّملِ وَقَدِ افتَرَسَهُ سَبُعٌ فَأَكَلَ لَحمَهُ، فَأَعظَمَ اللهُ لَكَ الأَجرَ وَأَلهَمَكَ الصَّبرَ، فَقَالَ المُبتَلَى الحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَخلُق مِن ذُرِّيَّتِي خَلقًا يَعصِيهِ فَيُعَذِّبَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ استَرجَعَ وَشَهَقَ شَهقَةً فَمَاتَ، فَقُلتُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، عَظُمَت مُصِيبَتِي، رَجُلٌ مِثلُ هَذَا إِن تَرَكتُهُ أَكَلَتهُ السِّبَاعُ وَإِن قَعَدتُ لَم أَقدِر على ضُرٍّ وَلَا نَفعٍ، فَغَطَّيتُهُ وَقَعَدتُ عِندَ رَأسِهِ بَاكِيًا، فَبَينَمَا أَنَا قَاعِدٌ إِذ أَقبَلَ عَلَيَّ أَربَعَةُ رِجَالٍ، فَقَالُوا يَا عَبدَ اللهِ مَا حَالُكَ وَمَا قِصَّتُكَ؟ فَقَصَصتُ عَلَيهِم قِصَّتِي وَقِصَّتَهُ، فَقَالُوا لِي: اكشِف لَنَا عَن وَجهِهِ فَعَسَى أَن نَعرِفَهُ، فَكَشَفتُ عَن وَجهِهِ فَانكَبَّ القَومُ عَلَيهِ يُقَبِّلُونَهُ وَيَقُولُونَ: بِأَبِي عَينٌ طَالَمَا غَضَّت عَن مَحَارِمِ اللهِ وَبِأَبِي جِسمٌ طَالَمَا كُنتَ سَاجِدًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، فَقُلتُ مَن هَذَا يَرحَمُكُمُ اللهُ، فَقَالُوا هَذَا أَبُو قِلابَةَ الجرمِي صَاحِبُ بنِ عَبَّاسٍ، لَقَد كَانَ شَدِيدَ الحُبِّ للهِ وَللنَّبِيِّ ﷺ، فَغَسَّلنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ بِأَثوَابٍ كَانَت مَعَنَا وَصَلَّينَا عَلَيهِ وَدَفَنَّاهُ، فَانصَرَفَ القَومُ وَانصَرَفتُ إِلَى رِبَاطِي، فَلَمَّا أَن جَنَّ عَلَيَّ اللَّيلُ وَضَعتُ رَأسِي فَرَأَيتُهُ فِي المَنَامِ فِي رَوضَةٍ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ وَعَلَيهِ حُلَّتَانِ مِن حُلَلِ الجَنَّةِ وَهُوَ يَتلُو قَولَهُ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ عَلَيكُم بِمَا صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدَّارِ﴾، [سورة الرعد: 24]، فَقُلتُ أَلَستَ بِصَاحِبِي؟ قَالَ بَلَى، قُلتُ أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قَالَ إِنَّ للهِ دَرَجَاتٍ لَا تُنَالُ إِلا بِالصَّبرِ عِندَ البَلاءِ وَالشُّكرِ عِندَ الرَّخَاءِ مَعَ خَشيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ.
عبارات لَا يجوز قولها
- لَا يُقَالُ إِنَّ شَيئًا حَصَلَ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ سَوَاءٌ كَانَ خَيرًا أَم شَرًّا.
- لَا يُقَالُ لَا سَمَحَ اللهُ، لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى.
- لَا يُقَالُ اللهُ يَظلِمُكَ.
- لَا يُقَالُ اللهُ يَظلِمُكَ كَمَا ظَلَمتَنِي.
- لَا يُقَالُ لَا قَدَّرَ اللهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَحصُلُ فِي العَالَمِ هُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ.
- لَا يَجُوزُ الِاعتِرَاضُ عَلَى اللهِ.
التحذير من إساءة الفهم والاعتقاد الفاسد في أمر القدر
قَالَ الخَطَّابِيُّ: يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ مَعنَى القَدَرِ مِنَ اللهِ وَالقَضَاءِ مِنهُ الإِجبَارُ وَالقَهرُ لِلعَبدِ عَلَى مَا قَضَاهُ، وَلَيسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعنَاهُ الإِخبَارُ عَن تَقَدُّمِ عِلمِ اللهِ بِمَا يَكُونُ مِن أَفعَالِ العِبَادِ وَاكتِسَابِهَا وَصُدُورِهَا عَن تَقدِيرٍ مِنهُ وَخَلقِهِ لَهَا خَيرِهَا وَشَرِّهَا.
وَالمَعنَى أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ مِن خَيرٍ وَشَرٍّ وَنَفعٍ وَضُرٍّ فَهُوَ مُستَنِدٌ إِلَى قُدرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ تَعَالَى، فَهُوَ القَائِلُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، [سورة القمر: 49]، وَ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا﴾، [سورة الفرقان: 2]، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ.
الخاتمة
إِنَّ الوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَركَانِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ هُوَ الرِّضَا بِقَدَرِ اللهِ أَي تَقدِيرِهِ، وَأَمَّا المَقدُورُ فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّ كُلَّ المَقدُورَاتِ بِتَقدِيرِ اللهِ تَحصُلُ مَا كَانَ خَيرًا وَمَا كَانَ شَرًّا، فَمَا كَانَ مِنَ المَقدُورِ خَيرًا يَجِبُ الرِّضَا بِهِ، وَمَا كَانَ مِنهُ شَرًّا يَجِبُ كَرَاهِيَتُهُ كَالكُفرِ وَالمَعَاصِي.
وَقَد وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الصَّحِيحِ المَشهُورِ لَفظُ «وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي لَفظٍ «وَالقَدَرِ كُلِّهِ»، وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِن خَيرٍ وَشَرٍّ هُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ الأَزَلِيِّ، فَالخَيرُ مِن أَعمَالِ العِبَادِ بِتَقدِيرِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَالشَّرُّ مِن أَعمَالِ العِبَادِ بِتَقدِيرِ اللهِ لَا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ.
وَالقَدَرُ سِرُّ اللهِ فِي خَلقِهِ فَلَا تَتَكَلَّف، فَلَا يَحصُلُ فِي مِلكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ وَإِلَّا لَكَانَ مَغلُوبًا مَقهُورًا، فَأَنتَ وَمَا تَملِكُ مِلكٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَلِّم للهِ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيءٍ، فَهَذَا حَالُ المُسلِمِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- الِاعتِقَادِ وَالهِدَايَةِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ.
- الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ.
- فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِي لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- تَفسِيرِ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِأَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ.
- شَرحِ الطَّحَاوِيَّةِ لِلغَزنَوِيِّ الحَنَفِيِّ.
- شَرحِ الطَّحَاوِيَّةِ لِلقُونَوِيِّ الحَنَفِيِّ.
- شَرحِ الفِقهِ الأَكبَرِ لِمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي.