بيان أن التوسل ليس هو العبادة

بيان أن التوسل ليس هو العبادة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

مقدمة

إِنَّ التَّوَسُّلَ سُنَّةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ حَثَّ عَلَيهِ القُرءَانُ وَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَالصَّحَابَةُ عَلَّمُوهُ لِمَن بَعدَهُم، وَمَعلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَ لِنَقضِ الشِّركِ لَا لِلحَثِّ عَلَيهِ وَتَعلِيمِهِ، فَالتَّوَسُّلُ لَو كَانَ شِركًا وَعِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى لَمَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلصَّحَابَةِ وَلَمَا عَلَّمَهُ الصَّحَابَةُ لِمَن بَعدَهُم.

قَالَ اللهُ تَعَالَى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ

سورة المائدة :35

وَقَد وَرَدَ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عُثمَانَ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَ الأَعمَى أَن يَقُولَ: “اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، ‌يَا ‌مُحَمَّدُ ‌إِنِّي ‌أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِتُقضَي لِي“، ثُمَّ عَلَّمَ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ هَذَا الدُّعَاءَ لِرَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيهِ الكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَقَالَ: وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ.

فَمَا هِيَ العِبَادَةُ الَّتِي مَن صَرَفَهَا لِغَيرِ اللهِ صَارَ مُشرِكًا وَمَا هُوَ التَّوَسُّلُ وَمَا الفَرقُ بَينَهُمَا؟

بيان معنى العبادة

العبادة لغة

‌الْعِبَادَةُ لُغَةً: مِن عَبَدَ يَعبُدُ عِبَادَةً وَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ، عَبَدْتُ اللهَ أَعْبُدُهُ ‌عِبَادَةً وَهِيَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ وَالْفَاعِلُ عَابِدٌ وَالْجَمْعُ عُبَّادٌ وَعَبَدَةٌ.

العبادة شرعا

العِبَادَةُ شَرعًا: هِيَ أَن يَصرِفَ العَبدُ أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ وَنِهَايَةَ التَّذَلُّلِ للهِ تَعَالَى.

فَهَذِهِ هِيَ العِبَادَةُ الَّتِي مَن صَرَفَهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى صَارَ مُشرِكًا، وَلَيسَ مَعنَاهَا مُجَرَّدَ الطَّاعَةِ أَوِ النِّدَاءِ أَوِ الاستِعَانَةِ أَوِ الاستِغَاثَةِ.

أقوال العلماء في تعريف العبادة

  • قَالَ الحَافِظُ النَّحوِيُّ اللُّغَوِيُّ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ: (الْعِبَادَةُ أَقْصَى غَايَةِ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ)، ذَكَرَ ذَلِكَ عَنهُ الإِمَامُ اللُّغَوِيُّ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ.
  • وَقَالَ الرَّاغِبُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ مُفْرَدَاتِ الْقُرْءَانِ: (الْعِبَادَةُ غَايَةُ التَّذَلُّلِ).
  • وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: (وَالْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ) نَقَلَهُ عَنهُ الزَّبِيدِيُّ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ.

معنى التوسل

التوسل لغةً

التَّوَسُّلُ لُغَةً: مَأخُوذٌ مِنَ الجَذرِ (و س ل)، وَمَعنَى وَسَلَ كَمَا قَالَ الفَيرُوزَءابَادِيُّ: تَقَرَّبَ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: الوَسِيلَةُ القُربَةُ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ مِن تَوَسَّلَ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا أَي تَقَرَّبَ إِلَيهِ، وَجَمعُهَا وَسَائِلُ.

التوسل شرعًا

التَّوَسُّلُ فِي الشَّرعِ: هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَنفَعَةٍ أَوِ اندِفَاعِ مَضَرَّةٍ مِنَ اللهِ بِذِكرِ اسمِ نَبِىٍّ أَو وَلِيٍّ إِكرَامًا لِلمُتَوَسَّلِ بِهِ وَطَلَبًا لِحُصُولِ البَرَكَةِ وَسُرعَةِ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ.

فَالطَّلَبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ وَالأَولِيَاءَ لَا يَخلُقُونَ مَضَرَّةً وَلَا مَنفَعَةً، وَلَكِن نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى بِذِكرِهِم لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنُزُولِ البَرَكَةِ وَسُرعَةِ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ.

من أقوال العلماء في التوسل

أَلَّفَ الإِمَامُ الفَقِيهُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيٌّ السُبكِيُّ كِتَابًا خَاصًّا يُبَيِّنُ فِيهِ جَوَازَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَسَمَّاهُ شِفَاءَ السَّقَامِ فِي زِيَارَةِ خَيرِ الأَنَامِ، وَقَالَ فِيهِ: اعلَم أَنَّهُ يَجُوزُ وَيَحسُنُ التَّوَسُّلُ وَالاستِعَانَةُ وَالتَّشَفُّعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رَبِّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَجَوَازُ ذَلِكَ وَحُسنُهُ مِنَ الأُمُورِ المَعلُومَةِ لِكُلِ ذِي دِينٍ المَعرُوفَةِ مِن فِعلِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ وَسِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءِ وَالعَوَامِ مِنَ المُسلِمِينَ.

الفرق بين العبادة والتوسل

العِبَادَةُ هِيَ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ وَأَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ، أَمَّا مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ الَّذِي هُوَ لَيسَ أَعلَى دَرَجَاتِ التَّذَلُّلِ فَلَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ، وَمُجَرَّدُ الطَّاعَةِ أَوِ النِّدَاءِ أَوِ الاستِعَانَةِ أَو نَحوُ ذَلِكَ لَيسَ هَذَا عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، فَاللهُ أَمَرَنَا مَثَلًا أَن نُطِيعَ وَنَتَذَلَّلَ لِوَالِدِينَا حَيثُ قَالَ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، [سورة الإسراء: 24]، وَأَمَرَنَا أَن نُطِيعَ أُولِي الأَمرِ فِيْ غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، [سورة النساء: 59]، فَلَو كَانَ مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ أَوِ الطَّاعَةِ لِمَخلُوقٍ عِبَادَةً فَكَيفَ يَأمُرُ اللهُ بِهِ.

رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ عِندَمَا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: “مَا هَذَا؟” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي رَأَيتُ أَهلَ الشَّامِ يَسجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِم وَأَسَاقِفَتِهِم وَأَنتَ أَولَى بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَا تَفْعَلْ، لَوْ كُنْتُ ءَامُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا“، فَلَم يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَفَرْتَ، وَلَا قَالَ لَهُ أَشْرَكْتَ، مَعَ أَنَّ سُجُودَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَظهَرٌ كَبِيرٌ مِن مَظَاهِرِ التَّذَلُّلِ، إِنَّمَا نَهَاهُ عَن ذَلِكَ فَقَط، وَاستَدَلَّ العُلَمَاءُ مِن هَذَا أَنَّ السُّجُودَ لِإِنسَانٍ عَلَى وَجهِ التَّحِيَّةِ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا مُعَاذٌ حَرَامٌ فِيْ شَرْعِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لَكِنَّهُ لَيسَ كُفرًا.

فَالتَّوَسُّلُ هُوَ الطَّلَبُ مِنَ اللهِ عَلَى مَعنَى الأَخذِ بِالأَسبَابِ، فَنَحنُ نَطلُبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَنَدعُو اللهَ تَعَالَى وَنَأخُذُ سَبَبًا يُقَرِّبُ دُعَاءَنَا مِنَ الاستِجَابَةِ وَهُوَ ذِكرُ نِبِيٍّ أَو وَلِيٍّ صَالِحٍ أَو نَحوُ ذَلِكَ.

فَالطَّلَبُ مِنَ اللهِ لَا مِنَ العَبدِ، فَاللهُ هُوَ خَالِقُ الأَسبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ وَهُوَ الضَّارُّ وَالنَّافِعُ عَلَى الحَقِيقَةِ فَكَمَا أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا مَرِضَ جَازَ لَهُ أَخذُ الدَّوَاءِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي الشِّفَاءِ، كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَن يَتَوَسَّلَ أَي أَن يَطلُبَ مِنَ اللهِ حُصُولَ مَنفَعَةٍ أَوِ اندِفَاعِ مَضَرَّةٍ بِذِكرِ اسمِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ إِكرَامًا لِلمُتَوَسَّلِ بِهِ وَلِسُرعَةِ استِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلَا خَلطَ بَينَ التَّوَسُّلِ وَالعِبَادَةِ  عِندَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ.

الخاتمة

يَتَلَخَّصُ مِمَّا مَضَى أَنَّهُ لَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ مُجَرَّدُ النِّدَاءِ لِحَىٍّ أَو مَيِّتٍ وَلا مُجَرَّدُ التَّعظِيمِ وَلَا مُجَرَّدُ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ وَلَا مُجَرَّدُ قَصدِ قَبرِ وَلِىٍّ لِلتَّبَرُّكِ وَلَا مُجَرَّدُ طَلَبِ مَا لَم تَجرِ بِهِ العَادَةُ بَينِ النَّاسِ وَلا مُجَرَّدُ صِيغَةِ الِاستِعَانَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، أَي لَيسَ ذَلِكَ شِركًا لِأَنَّهُ لا يَنطَبِقُ عَلَيهِ تَعرِيفُ العِبَادَةِ عِندَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ، ثُمَّ إِنَّ التَّوَسُّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَو بِغَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ أَو بِالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إِنَّمَا هُوَ مِن بَابِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ، فَضلًا عَن وُرُودِ مِئَاتِ الأَدِلَّةِ مِنَ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ وَأَقوَالٍ مِن عُلَمَاءِ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ وَغَيرِهِم سَلَفًا وَخَلَفًا فِي إِثبَاتِ جَوَازِ ذَلِكَ.

فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَن لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيءٍ حَتَّى يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ مِنهُ وَمَا حَرَّمَ وَإِلَّا عَرَّضَ نَفسَهُ لِلهَلَاكِ، هَذَا وَكَم مِن أُنَاسٍ أَطلَقُوا أَلسِنَتَهُم بِتَكفِيرِ المُسلِمِينَ المُتَوَسِّلِينَ وَالمُستَغِيثِينَ وَالمُتَبَرِّكِينَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لِجَهلِهِم بِمَعنَى العِبَادَةِ وَالتَّوَسُّلِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “مَن قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا فَإِن كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَت عَلَيهِ” رواه مسلم.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  3. مُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ.
  4. لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورٍ.
  5. تَاجِ العَرُوسِ لِلزَّبِيدِيِّ.
  6. القَامُوسِ المُحِيطِ لِلفَيرُوزَءابَادِيِّ.
  7. مُفرَدَاتِ القُرءَانِ لِلأَصبَهَانِيِّ.
  8. شِفَاءِ السَّقَامِ فِي زِيَارَةِ خَيرِ الأَنَامِ.
أدلة التبرك من فعل الرسول ﷺ والصحابة الكرام

أدلة التبرك من فعل الرسول ﷺ والصحابة الكرام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: فَقَد…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share