كيف يثبت شهر رمضان

كيف يثبت شهر رمضان

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُل هِيَ مَوَاقِيتُ للنَّاسِ وَالحَجِّ

سورة البقرة: 189

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

صُومُوا ‌لِرُؤيَتِهِ، وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ

رَوَاهُ البُخَارِيُّ وُمَسلِمٌ

أَجمَعَتِ الأُمَّةُ الإِسلَامِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ المُرَاقَبَةِ العِيَانِيَّةِ لِلهِلَالِ، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِن أَحكَامٍ شَرعِيَّةٍ، لَا سِيَّمَا هِلَالُ رَمَضَانَ حَتَّى تُعرَفَ عِدَّةُ الصِّيَامِ.

كيفية ثبوت شهر رمضان

يَثبُتُ شَهرُ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ ذَكَرٍ حُرٍّ عَدلٍ بَالِغٍ عَلَى رُؤيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِقَولِهِ: أَشهَدَ أَنِّي رَأَيتُ هِلَالَ رَمَضَانَ، أَو بِإِتمَامِ عِدَّةِ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا إِذَا لَم يُرَ الهِلَالُ.

فَإِن شَهِدَتِ الأُنثَى وَالصَّبِيُّ وَالعَبدُ وَالفَاسِقُ لَم يَقبَلِ القَاضِي شَهَادَتَهُم، وَوَجَبَ عَلَى مَنِ اعتَقَدَ صِدقَهُم فِي قَلبِهِ الصِّيَامُ.

وَالعَدلُ هُوَ مَن يُؤَدِّي الفَرَائِضَ، وَيَجتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ الكَبَائِرَ، وَلَا يُكثِرُ مِنَ الصّغَائِرِ حَتَّى تَغلِبَ حَسَنَاتِهِ، ويُحافِظُ عَلَى أَخلَاقِ أَهلِ الفَضلِ مِن أَمثَالِهِ.

فَإِذَا شَهِدَ العَدلُ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ عِندَ القَاضِي وَأَثبَتَ القَاضِي هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَجَبَ الصِّيَامُ عَلَى أَهلِ بَلَدِ الإِثبَاتِ، وَعَلَى سَائِرِ أَهلِ البِلَادِ القَرِيبَةِ مِن بَلَدِ الرُّؤيَةِ مَعَ اتِّحَادِ المَطَالِعِ، أَي أَن يَتَّحِدَ مَطلَعُ شُرُوقِ الشَّمسِ وَغُرُوبِهَا وَنَحوُ ذَلِكَ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيتُ الهِلَالَ فَقَالَ: “أَتَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟”، قَالَ: نَعَم، قَالَ: “أَتَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟” قَالَ: نَعَم، قَالَ: “يَا بِلَالُ، أَذِّن فِي النَّاسِ، فَليَصُومُوا غَدًا“.

وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأُمِّ

فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّةُ هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرَآهُ رَجُلٌ عَدْلٌ رَأَيْتُ أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ.

قَالَ فِي التَّنبِيهِ: وَلَا يَجِبُ صَومُ شَهرِ رَمَضَانَ إِلَّا ‌بُرُؤيَةِ ‌الهِلَالِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيهِم وَجَبَ عَلَيهِم استِكمَالُ شَعبَانَ.

كيفية ثبوت الأشهر الهجرية ما عدا رمضان

لَا تَثبُتُ سَائِرُ الشُّهُورِ سِوَى رَمَضَانَ إِلَّا بِشَاهَدَةِ رَجُلَينِ عَدلَينِ حُرَّينِ، فَلَا يُكتَفَى بِرَجُلٍ وَاحِدٍ.

قَالَ الشِّيرَازِيُّ فِي التَّنبِيهِ

وَلَا يُقبَلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدلَانِ.

حكم الاعتماد على الحساب والفلك في إثبات شهر الصيام

أَجمَعَ فُقَهَاءُ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِنَ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ وَغَيرِهِم عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاعتِمَادُ عَلَى المُنَجِّمِينَ وَالفَلَكِيِّينَ وَالحُسَّابِ فِي إِثبَاتِ شَهرِ الصِّيَامِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَد ذُكِرَ عِندَهُ رَمَضانُ فَقَالَ: “لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَاقدُرُوا لَهُ”، رَوَاهُ البُّخَارِيُّ.

وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا“، يَعنِي مَرَّةً تِسعَةً وَعِشرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.

وَقَالَ الشَّيخُ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي أَسنَى المَطَالِبِ: ‌وَلَا ‌عِبرَةَ ‌بِالمُنَجِّمِ أَي بِقَولِهِ فَلَا يَجِبُ بِهِ الصَّومُ وَلَا يَجُوزُ.

‌قَالَ ابنُ عَابِدِينَ الحَنَفِيُّ: وَلَا ‌عِبرَةَ ‌بِقَولِ ‌المُؤَقِّتِينِ أَي فِي وُجُوبِ الصَّومِ عَلَى النَّاسِ، بَل فِي المِعرَاجِ ـ أَي فِي كِتَابِ المِعرَاجِ ـ: لَا يُعتَبَرُ قَولُهُم بِالإِجمَاعِ.

ثم قال: وَوَجهُ مَا قُلنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَم يَعتَمِدِ الحِسَابَ، ‌بَل ‌أَلغَاهُ ‌بِالكُلِّيَّةِ بِقَولِهِ: “نَحنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا“.اهـ

وَفِي كِتَابِ الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلدِّردِيرِ فِي مَذهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ: ‌لَا ‌يَثبُتُ ‌رَمَضَانُ ‌بِمُنَجِّمٍ، أَي بِقَولِهِ، لَا فِي حَقِّ غَيرِهِ وَلَا فِي حَقِّ نَفسِهِ.اهـ

وَفِي كِتَابِ كَشَّافِ القِنَاعِ عَن مَتنِ الإقنَاعِ فِي مَذهَبِ الإِمَامِ أَحمَدَ: وَإِن نَوَاهُ أَي: صَومَ يومِ الثَّلَاثِينَ مِن شَعبَانَ ‌بِلَا ‌مُستَنَدٍ ‌شَرعيٍّ ‌مِن ‌رُؤيَةِ هِلَالِهِ، أَو إِكمَالِ شَعبَانَ، أَو حَيلُولَةِ غَيمٍ، أو قَتَرٍ وَنَحوَه، كَأَن صَامَهُ لِحِسَابٍ وَنُجُومٍ، وَلَو كَثُرت إِصَابَتُهُمَا أَو مَع صَحوٍ، فَبَانَ مِنهُ (أَي وَلَو ظَهَرَ أَنَّهُ مِن رَمَضَانَ بَعدَ ذَلِكَ)، لَم يُجزِئهُ صُومُهُ (فَعَلَيهِ قَضَاءُ هَذَا اليَومِ)، لِعَدَمِ استِنَادِهِ لِمَا يُعَوَّلُ عَلَيهِ شَرعًا.اهـ

فائدة

فِي مَذهَبِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا رُؤِيَ الهِلَالُ فِي أَيِّ بَلَدٍ مِنَ البِلَادِ وَجَبَ عَلَى المُسلِمِينَ أَن يَصُومُوا، وَلَا يُشتَرَطُ عِندَهُمُ اتِّحَادُ المَطَالِعِ.

الخاتمة

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا

سورة النساء: 65

أَوجَبَ الشَّرعُ الشَّرِيفُ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ ﷺ اتِّبَاعًا كَاملًا، وَحَذَّرَ مِن فِعلِ اليَهُودِ الذِينَ يُؤمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَيكفُرُونَ بِبَعضٍ، وَللهِ دَرُّ القَائِلِ:

وَكُلُّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ
فَحَقُّهُ التَّسلِيمُ وَالقَبُولُ

فَلَا يَجُوزُ تَقدِيمُ النَّظَرِ وَالرَّأيِّ عَلَى مَا شَرَعَهَ الرَّسُولُ ﷺ، فالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، وَمَا شَرَعَ اللهُ حُكمَا مِن أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ إِلَّا لِحِكمَةٍ، فَيَجِبُ عَلَينَا الإلتِزَامُ بِهَا، سَوَاءً عُلِمَتِ الحِكمَةُ بِالنِّسبَةِ لَنَا أَم لَم تُعلَم، وَهَذَا ابتِلَاءٌ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاختِبَارٌ لِيُظهِرَ لِلمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﷺ مِمن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ، وَمَن انقَلَبَ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيئًا، وَسَيَجزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ، وَباللهِ التَّوفِيقُ، إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرآنِ الكَرِيمِ.
  2. صَحِيحِ البُّخَارِيِّ.
  3. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  4. سُنَنِ أَبِي دَاودَ.
  5. التَّنبِيهِ لِلشِّيرَازِيِّ.
  6. عُمدَةِ السَّالِكِ لِابنِ النَّقِيبِ.
  7. شَرحِ ابنِ قَاسِمٍ الغَزِيِّ.
  8. أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  9. رَدِّ المُحتَارِ عَلَى الدُّرِّ المُختَارِ لِابنِ عَابِدِينَ الحَنَفِيِّ.
  10. كَشَّافِ القِنَاعِ عَن مَتنِ الإِقنَاعِ لِلبُهُوتِيِّ الحَنبَلِيِّ.
  11. الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلدِّردِيرِ المَالِكِيِّ.
استقبال شهر رمضان

استقبال شهر رمضان

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share