بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
سورة ءال عمران (52 – 53)
استَمَرَّ أَكثَرُ بَنِي إِسرَائِيلَ عَلَى كُفرِهِم وَضَلَالِهِم وَعِنَادِهِم، وَءَامَنَ بِعِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ القَلِيلُ، وَكَانَ مِنهُم طَائِفَةٌ صَالِحَةٌ كَانُوا لَهُ أَنصَارًا وَأَعوَانًا قَامُوا بِمُتَابَعَتِهِ وَنُصرَتِهِ وَإِعَانَتَهِ عَلَى نَشرِ دِينِ الإِسلَامِ الحَقِّ الَّذِي أَرسَلَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِيَدعُوَ إِلَيهِ، وَلَمَّا أَخَذَت دَعوَتُهُ تَنتَشِرُ وَيَكثُرُ أَتبَاعُهُ وَمُنَاصِرُوهُ حَسَدَهُ اليَهُودُ وَتَآمَرُوا عَلَيهِ وَأَخَذُوا يُدَبِّرُونَ مَكِيدَةً لِقَتلِهِ وَالتَّخَلُّصِ مِنهُ.
ذكر مكيدة اليهود ورفع عيسى عليه السلام إلى السماء
عِندَمَا رَأَى اليَهُودُ انتِشَارَ دَعوَةِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَأَنَّ النَّاسَ صَارُوا يَدخُلُونَ فِي دَعوَتِهِ وَكَثُرَ مُحِبُّوهُ، اغتَاظُوا مِن ذَلِكَ وَحَسَدُوهُ وَأَرَادُوا قَتلَهُ كَعَادَتِهِم، فَهُم قَتَلَةُ الأَنبِيَاءِ، فَوَشَوا بِهِ إِلَى بَعضِ المُلُوكِ وَعَزَمُوا عَلَى قَتلِهِ وَصَلبِهِ، فَسَارَ المَلِكُ وَمَعَهُ اليَهُودُ إِلَى سَيِّدِنَا عِيسَى، فَأَحَسَّ سَيِّدُنَا عِيسَى بِهِم وَكَانَ مَعَ الحَوَارِيِّينَ فِي بَيتٍ، فَقَالَ لَهُم: أَيُّكُم يُلقَى عَلَيهِ شَبَهِي وَيُقتَلُ مَكَانِي فَيَكُونَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ؟، فَقَامَ شَابٌّ أَحدَثُهُم سِنًّا فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: اجلِس، ثُمَّ أَعَادَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَقَالَتَهُ، فَعَادَ الشَّابُ وَقَالَ: أَنَا، ثُمَّ أَعَادَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَقَالَتَهُ، فَعَادَ الشَّابُّ الثَّالِثَةَ وَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ لَهُ عَلَيهِ السَّلَامُ: أَنتَ هُوَ، فَأَلقَى اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى هَذَا الشَّابِّ، فَدَخَلَ اليَهُودُ البَيتَ وَأَخَذُوا الشَّابَ فَقُتِلَ وَصُلِبَ بَعدَ أَن رُفِعَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن رَوزَنَةٍ فِي البَيتِ – وَهِي نَافِذَةٌ فِي أَعلَى الحَائِطِ – إِلَى السَّمَاءِ وَأَهلُ البَيتِ يَنظُرُونَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلقِصَّةِ أَنَّ شَخصًا أَخبَرَ اليَهُودَ بِمَكَانِ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَذَهَبَ مَعَهُم، فَلَمَّا وَصَلُوا البَيتَ قَالَ: أَنَا أَدخُلُ خَلفَهُ، فَدَخَلَ فَأُلقِيَ عَلَيهِ شَبَهُ عِيسَى، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَا أَحَدَ فِي البَيتِ، فَرَآهُ اليَهُودُ وَظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ.
فَأنَقذَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن مَكِيدَتِهِم وَمَكرِهِم وَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ مِن بَينِ أَظهُرِهِم مِن رَوزَنَةٍ كَانَت فِي سَقفِ البَيتِ.
وَذَهَبَ اليَهُودُ وَأَخبَرُوا أَنَّهُم قَتَلُوا هَذَا الشَّخصَ وَهُم يَعتَقِدُونَهُ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَهُم فِي ذَلِكَ غَالِطُونَ، وَسَلَّمَ لَهُم كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى فِيمَا ادَّعَوهُ وَكِلَا الفَرِيقَينِ فِي ذَلِكَ مُخطِئُونَ.
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الرَّدِّ عَلَى اليَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُم قَتَلُوا نَبِيَّ اللهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، [سورة النساء: 157، 158].
وَقَدِ افتَرَقَ أَهلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِرَقًا، فِرقَةً قَالَت: هُوَ اللهُ، وَفِرقَةٌ قَالَت: هُوَ ابنُ اللهِ، وَفِرقَةٌ قَالَت: هُوَ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَهَؤُلَاءِ هُمُ المُسلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الفِرقَتَانِ عَلَى المُسلِمَةِ فَقَتَلُوهَا فَلَم يَزَلِ الإِسلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
الخاتمة
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
سورة ءال عمران (55)
مَعنَى قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، أَي قَابِضُكَ إِلَى السَّمَاءِ وَأَنتَ حَيٌّ يَقظَانَ عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ، وَيَجُوزُ أَن يُفَسَّرَ بِأَنَّ هَذَا مِن بَابِ المُقَدَّمِ وَالمُؤَخَّرِ فَبِحَسَبِ اللَّفْظِ ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مُقَدَّمٌ، أَمَّا بِحَسَبِ الْمَعْنَى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مُؤَخَّرٌ ﴿وَرَافِعُكَ﴾ مُقَدَّمٌ.
فَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أَيْ إِلَى مَحِلِّ كَرَامَتِي أَيِ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مُشَرَّفٌ عِنْدِي وَهُوَ السَّمَاءُ، ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ مُخَلِّصُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيِ الْيَهُودِ، ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أَيْ بَعْدَ إِنْزَالِكَ إِلَى الأَرْضِ، أَيْ مُمِيتُكَ بَعْدَ إِنْزَالِكَ إِلَى الأَرْضِ.
هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمُوَافِقُ لِلأَحَادِيثِ، وَهَكَذَا فَسَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ تَرْجُمَانُ الْقُرْءَانِ الآيَةَ، أَيْ مِنْ بَابِ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، [سُورَةَ الأَعْلَى: 4، 5]، فَالْغُثَاءُ هُوَ الْيَابِسُ الْمُتَكَسِّرُ وَالأَحْوَى هُوَ الأَخْضَرُ، وَالنَّبَاتُ أَوَّلًا يَكُونُ أَحْوَى أَيْ أَخْضَرَ ثُمَّ يَكُونُ غُثَاءً أَيْ يَابِسًا مُتَكَسِّرًا.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أَي جَاعِلُ مَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى الإِسلَامِ وَالتَّوحِيدِ، وَهُم مَن بَقِيَ بَعدَ رَفعِهِ إِلَى السَّمَاءِ عَلَى الإِسلَامِ، ثُمَّ بَعدَ انقِرَاضِهِم تَأتِي أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ هُم مُتَّبِعُوا عِيسَى عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِن تَوحِيدِ اللهِ وَسَائِرِ أُصُولِ العَقِيدِة وَالأَحكَامِ الَّتِي اتَّفَقَت عَلَيهَا شَرَائِعُ الأَنبِيَاءِ، فَهُم فَوقَ الكَافِرِينَ مِن حَيثُ المَعنَى وَالحُكمِ فَإِنَّ مَن مَعَهُ الحَقُّ فَهُوَ فَوقَ غَيرِهِ، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ءَاخِرُ الأُمَمِ المُسلِمَةِ أَتبَاعِ الأَنبِيَاءِ فِي الإِسلَامِ وَالتَّوحِيدِ وَأَنَّهُم يَبقَونَ إِلَى نِهَايَةِ الدُّنيَا.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- القُرْآنِ الْكَرِيْمِ.
- تَفْسِيْرِ الْقُرْطُبِيِّ لِلْإِمَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
- تَفْسِيْرِ الرَّازِي لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ
- تَارِيْخِ الطَّبَرِيِّ لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ.
- البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ لِابْنِ كَثِيْرٍ.