الحديث السادس عشر والحديث السابع عشر

وعن أبي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، رضِيَ اللهُ عنهُ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا” رواهُ مسلمٌ. 

وفي هذا الحديث الترغيبُ في التوبة وعدمِ تأخيرِها وبيانُ أنَّ لها وقتًا لا تقبل به، وبيان واحد من هذه الأوقات، وفيه الترغيب بالإكثار من التوبة في كل وقت ليلًا كان أو نهارًا.

وعن أبي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، رضِي الله عنه، عن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ (قال الحافظ النووي: بسطُ اليد استعارة فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ قَالَ الْمَازِرِيُّ الْمُرَادُ بِهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ وَإِنَّمَا وَرَدَ لَفْظُ بَسْطِ الْيَدِ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا رَضِيَ أَحَدُهُمِ الشَّيْءَ بَسَطَ يَدَهُ لِقَبُولِهِ وَإِذَا كَرِهَهُ قَبَضَهَا عَنْهُ فَخُوطِبُوا بأمرٍ حِسِّيٍّ يفهمُونَه وهو مجاز فإن اليَدَ الْجَارِحَةَ مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) ليتُوب مُسيءُ النَّهَارِ (قال المناوي: مما اجترح فيه وهو إشارَةٌ إلى بسط يد الفضل والإنعام لا إلى الجارحة التي هي من لوازم الأجسام فالبسط في حقه عبارة عن التوسع في الجود والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة) وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ (وقد وردَ في القرءانِ نِسبةُ اليدِ والعينِ والوجهِ إلى الله، لكن هذه الألفاظُ الثلاثة لا تأتي بمعنى الجارحة في حقِ اللهِ لأنّ في ذلك تشبيهًا لله بخلقه. وبما أنّ القرءانَ توقّفَ عندَ هذه الألفاظِ لم يجز إضافةُ شىءٍ لم يضفهُ اللهُ إلى نفسِهِ فيكفُرُ من يقول: للهِ أذُنٌ ليست كآذاننا.  وكذلك ما ورد “كِلتَا يَدَيهِ يَمِين” أي لا نقص في صفة الله سبحانه وليس معناه أن الله يتصف باليد الجارحة اليمين والشمال لأن الله منزه عن ذلك وكل موضع ورد فيه ذكر اليد أو اليمين أو الكف أو “كِلتَا يَدَيهِ يَمِين” أو مَا في الحديث: “مَا مِن قَلبٍ مِن قُلُوبِ بَنِي آدَمَ إِلَّا بَينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ“، فإنه يجب أن يصرف عن ظاهره كما نقل الإجماع على وجوب صرف الأخبار المتشابهة عن ظواهرها الفقيه الحنفي ملا علي القاري في كتابه المرقاة في شرح المشكاة، وأن من حملها على ظاهرها أو على ما كان من معاني الأجسام وصفات المخلوقين فإنه يكفر. ومن أراد السلامة والنجاة فليثبت على عقيدة أهل السنة والجماعة السلف والخلف لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فيقول إن هذه الأخبار لها معان توافق التنزيه والتوحيد من غير تشبيه لله بخلقه بالمرة)

(فائدة في معاني اليد في لغة العرب: واليد تأتي لمعان كثيرة منها القوة، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَده عبارَة عَن قدرته وإحاطته بِجَمِيعِ مخلوقاته، والدليل من القرءان على أن اليد تَأتِي: بِمَعْنى الْقُوَّة  قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾، وَبِمَعْنى: النِّعْمَة تَقول: كم من  يَد لي عِنْد فلَان، أَي: كم من نعْمَة أسديتها إِلَيْهِ، وَبِمَعْنى الْجَارِحَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وَبِمَعْنى الذل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ أَي عَن ذل، وَقَوله تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ قيل: فِي الْوَفَاء، وَقيل: فِي الثَّوَاب. وَالْيَد السُّلْطَان، وَالْيَد الطَّاعَة، وَالْيَد الْجَمَاعَة،  وَفِي الحَدِيث: “وَأَخَذَ بِهِم يَدَ الْبَحْرِ” ، يُرِيد طَرِيق السَّاحِل، وَالْيَد الْحِفْظ والوقاية، وَيَدُ الْقوس أَعْلَاهَا، وَيَدُ السَّيْف قَبضته، وَيَد الطَّائِر جنَاحه، وبايَعتُه يدًا بيد أَي بِالنَّقْدِ .اهـ) 

قوله ﷺ: ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ (يعني يقبل التوبة من العصاة ليلاً ونهاراً  في أي وقت كان فبسطُ اليد عبارة عن قبول التوبة، وفيه تنبيه على سَعَةِ رحمَةِ اللّه وكثرَةِ تجاوُزِه عن المذنِبِين، وقد وصفَ الله تعالى المؤمنِين بقولِه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ وقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى بِالتَّوْبَةِ فَقَالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وَوَعَدَ الْقَبُولَ فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ وفتح باب الرجاء فقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

إِخْوَانِي: الذُّنُوبُ تُغَطِّي عَلَى الْقُلُوبِ، فَإِذَا أَظْلَمَتْ مِرْءاةُ الْقَلْبِ لم يَبِن فيها وَجْهُ الْهُدَى، وَمَنْ عَلِمَ ضَرَرَ الذَّنْبِ اسْتَشْعَرَ النَّدَمَ.

وقال بعض الصالحين: (مِنَ الاغْتِرَارِ أَنْ تُسِيءَ فَيُحْسَنَ إِلَيْكَ فَتَتْرُكَ التوبة توهما أنك تُسامح في الهفوات)، فوا عجبا لِمَنْ يَأْمَنُ وَكَمْ قَدْ أُخِذَ آمِنٌ مِنْ مَأْمَنٍ.

قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لا تُؤَخِّرِ التَّوْبَةَ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً.

وقد قيل: 

قَائِدُ الْغَفْلَةِ الأَمَلْ … وَالْهَوَى رَائِدُ الزَّلَلْ

قَتَلَ الْجَهْلُ أَهْلَهُ … وَنَجَا كُلُّ مَن عَقَلْ

أَيُّهَا الْمُبْتَنِي الْحُصُونَ وَقَدْ شَابَ وَاكْتَهَلْ

أَخْبَرَ الشَّيْبُ عَنْكَ أَنَّكَ فِي آخِرِ الأَجَلْ

فَعَلامَ الْوُقُوفُ فِي عَرْصَةِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلْ

مَنْزِلٌ لَمْ يَزَلْ يَضِيقُ وَيَنْبُو بِمَنْ نَزَلْ

أَنْتَ فِي مَنْزِلٍ إِذَا حَلَّهُ نَازِلٌ رَحَلْ

وروى ابن الجوزي عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ أنه قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا مَارًّا مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فِي صَحْرَاءَ، إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَبْرٍ مُسَنَّمٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَبَكَى. فَقُلْتُ: قَبْرُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ حُمَيْدِ بْنِ جَابِرٍ أَمِيرِ هَذِهِ الْمُدُنِ، كَانَ غَرِيقًا فِي بِحَارِ هَذِهِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا، لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ سُرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَلاهِي دُنْيَاهُ ثُمَّ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَنَامَ مَعَ مَنْ يَخُصُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَرَأَى رَجُلا وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ بِيَدِهِ كِتَابٌ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: (تُؤْثِرُونَ فَانِيًا عَلَى بَاقٍ، وَلا تَغْتَرَّ بِمُلْكِكَ وَسُلْطَانِكَ وَعَبِيدِكَ وولَدك، فَإِنَّ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ جَسِيمٌ لَوْلا أَنَّهُ عَدِيمٌ، وهو مُلك لولا أنّ بعده هُلك، وَهُوَ فَرح وَسُرُورٌ لَوْلا أَنَّهُ لَهْوٌ وَغُرُورٌ، وَهُوَ يومٌ لَوْ كَانَ يُوثَقُ فِيهِ بغدٍ، فَسَارِعْ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾)، فَانْتَبَهَ فَزِعًا مَرْعُوبًا وَقَالَ: هَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَوْعِظَةٌ. فَخَرَجَ مِنْ مُلْكِهِ لا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ وَقَصَدَ هَذَا الْجَبَلَ فَتَعَبَّدَ فِيهِ، فَلَمَّا بَلَغَنِي أَمْرُهُ قَصَدْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِبَدْءِ أَمْرِهِ وَحَدَّثْتُهُ بِبَدْءِ أَمْرِي فَمَا زِلْتُ أَقْصُدُهُ حَتَّى مَاتَ، وَهَذَا قَبْرُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وقال عليه الصلاة والسلام: حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها (أي إن الحال هكذا في فتح باب قبول التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها)” رواه مسلم.

وطلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما نعلم وهو ثابت في الصحيحين.

قَالَ شيخنا رحمه الله تعالى: «السَّمَاءُ الْأُولَى هَذِهِ أَوْسَعُ مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ بِآلَافِ الْمَرَّاتِ، يُوجَدُ فِيهَا بَابٌ وَاحِدٌ يُسَمَّى بَابَ التَّوْبَةِ، خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ، وَلَا يَزَالُ مَفْتُوحًا إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَهَذَا الْبَابُ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَة، إِذَا كَانَ بَابٌ وَاحِدٌ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَة فَكَيْفَ يَكُونُ جُمْلَةُ السَّمَاءِ».

يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾.

وأشراطُ (علامات) السّاعَةِ الكُبرى عَشَرةٌ، وهي: خُروجُ الدَّجَّالِ، ونُزُولُ المَسِيحِ، وخروجُ يأجوجَ ومأجَوجَ، وطُلوعُ الشَّمس من مغرِبها، وخروجُ دابَّةِ الأرضِ، ونُزولِ الدُّخَان، وثَلاثةُ خُسوفٍ، وخُروجِ نارٍ من قَعرِ عدن باليمنِ، وهدم الكعبة، ورفع القرآن من الصدور والسطور.

وهَذهِ الأُمورُ الثلاثَةُ: خُروجُ الدَّجَّالِ ، ونُزُولُ المَسِيحِ ، وخروجُ يأجوجَ ومأجَوجَ هِيَ أَوَلُ أَشرَاطِ السّاعَةِ الكُبرى العَشَرة. ثُم بَعدَ ذَلِكَ تَحصُلُ بَقيةُ العَشَرةِ وهي: طُلوعُ الشَّمس من مغرِبها ، الشَمسُ كل يومٍ تستأذنُ من ربها بالشروق فيؤذنُ لها حتى يأتي ذلك اليومُ فتستأذن ربها فلا يؤذَنُ لَهَا فَتُشرِقُ من المغرِبِ.

وفي نَفسِ اليومِ الذي تطلع فيه الشمس من مغربها تَخرُجُ دابَّةُ الأرضِ، وَهذِهِ الدابَّةُ تُكَلِمُ الناسّ وتميّزُ المؤمنَ من الكافر ولا أحد منهُم يَستطيعُ أن يَهرُبَ منها وقد ذكرها اللهُ تعالى في القرءان، قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.

فَطُلوعُ الشمس من مغرِبِها وخُروجُ دابَّةِ الأرضِ تَحصُلانِ في يومٍ واحدٍ بين الصُّبحِ والضُّحى، بعد ذلك لا يقبلُ الله من أحدٍ توبةً ، الكافرُ إن أسلَمَ بَعدَ ذَلِكَ لا يَقبَلُ اللهُ إسلامَهُ والمُسلمُ الفاجِرُ إن تَابَ لا يَقبَلُ اللهُ توبَتَهُ، فبَابُ التوبَةِ مفتوحٌ إلى اليومِ الذي تَطلُعُ فيهُ الشمس من مغربها ويحصل خروج الدابة فيه.

أما الساعة فتقوم على شرار الناس فإن جميع المسلمين من البشر على الأرض يموتون قبل قيام الساعة بمائة عام ثم يتكاثر الكفار حتى تقوم الساعة عليهم.

مواعظ وعِبَر: قال كثيرُ بن مُرَّةَ ويزِيدُ بن شُرَيحٍ وغيرُهما مِن السَّلف: إذا طلعت الشمس من مغربها طُبِع على القلوب بما فيها، وتُرفع الحفظة والعمل.

فالواجبُ على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أنْ لا يقدِرَ عليها ويُحالَ بينَه وبينها، إمَّا بمرضٍ أو موت، أو بأنْ يُدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل.

ومتى حِيلَ بين الإنسان والتوبة لم يبق له إلا الحسرةُ والأسفُ عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعُهُ الأمنية.

قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

وقال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

وقال عز وجل: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

فإذا كان الأمرُ على هذا فيتعيَّنُ على المؤمن اغتنامُ ما بقي من عمره، ولهذا قيل: إنَّ بقية عمر المؤمن لا قيمة له (أي لا يُقَدَّرُ بقيمة يباع فيها فهو غالٍ).

وقال سعيدُ بن جُبير: كلّ يوم يعيشه المؤمن غنيمة.

وقال بكر المزني: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: يا ابنَ آدم، اغتنمني لعلَّه لا يومَ لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: يا ابنَ آدم، اغتنمني لعلَّه لا ليلة لك بعدي.

وقد قيل

اغتَنِمْ في الفراغ فَضْلَ رُكوعٍ … فعسى أنْ يكونَ موتُك بَغتة

كم صَحيحٍ رأيتَ من غيرِ سُقم … ذهَبتْ نفسُهُ الصحيحة فلتَة 

وقال بعض الصالحين:

مَضَى أَمسُكَ الماضي شَهيداً مُعدّلاً … وأَعْقَبَهُ يَومٌ عَليكَ جَديدُ

فإنْ كُنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً … فَثَنِّ بإحسَانٍ وأنتَ حَميدُ

ولا تُرجِ فِعلَ الخيرِ يوماً إلى غَدٍ … لَعلَّ غَداً يَأتِي وأَنْتَ فَقِيدُ

وليتذكر العاقل أنه قد يصبح عاصيا فيموت قبل توبته أو أنه قد يمسي عاصيا فيموت قبل توبته، فكم من شخص قال سأتوب غدا فنام ولم يستيقظ، وكم من شخص قال سأتوب عند المساء فمات من يومه، فوطِّن قلبك بما جاء عن ابنِ عَمَر حيث كان يَقولُ: (إذا أَمسيتَ، فَلا تَنتَطِر الصَّباح، وإذا أَصْبَحْتَ فلا تَنتَظِرِ المساءَ).

وهذا يعلمنا أنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر: يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل. وينبغي أن لا يؤخر توبته، ولا ينتظر إرضاء شهوة النفس أولا. وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم.

قال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون أنّه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.

وكان النَّبيُّ ﷺ يقول: “مَالِي وَلِلدُّنيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ (نامَ القَيلُولَةَ) فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا“.

ومن وصايا سيدنا عيسى عليه السلام لأصحابه أنَّه قال لهم: (اعبُروها ولا تَعمُرُوها)، ورُوي عنه أنَّه قال: (من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً، تِلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قرارًا).

ودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ، فقال: أمرتحلٌ؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طرداً.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: (ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ).

وقال بعضُ الحكماء: عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه يشتغلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة.

وقيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحتَ؟ قال: ما ظَنُّك برجل يرتَحِلُ كلَّ يومٍ مرحلةً إلى الآخرة.

وقال الحسن: إنَّما أنت أيامٌ مجموعة، كلّما مضى يومٌ مضى بعضُك، وقال: يا ابنَ ءادم، إنَّما أنت بين مطيتين يُوضعانِكَ، يُوضِعُك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، حتى يُسلِمَانِك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابنَ ءادم خطرًا (أي من الذي هو في خطر أكثر منك).

وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف – والله – إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.

وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبَه إذا أراد النوم.

وقد أنشد بعضُ السَّلف:

إِنَّا لَنَفرَحُ بِالأَيَّامِ نَقطَعُهَا … وَكُلُّ يَومٍ مَضَى يُدنِي مِنَ الأَجَلِ 

فَاعمَلْ لِنَفسِكَ قَبلَ المَوتِ مُجتَهِدًا … فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالخُسرَانُ فِي العَمَلِ 

وقال عمر رضي الله عنه: اجلسوا إلى التوّابـين فإنهم أرق أفئدة.

الحديثُ السابعَ عشرَ

وعَنْ أبي هُريْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُول اللهِ ﷺ: “مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ” رواهُ مسلمٌ.

قوله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ تَابَ) أي تاب توبة صحيحة جامعة لأركان التوبة التي ذكرنا قبلُ ( قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) وبطلوعها من المغرب يغلق باب التوبة . قال النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء : هذا حد لقبول التوبة وقد جاء في الحديث الصحيح بأن للتوبة بابا مفتوحا فلا تزال مقبولة حتى يغلق فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق وامتنعت التوبة على من لم يكن تاب قبل ذلك اهـ ( تاب الله عليه ) أي قَبِلَ توبتَه. قال النووي: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرما منه وفضلا، وقد عرفنا قبولها بالشرع والإجماع، ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها.

الله تعالى لا يجب عليه شيء لا يجب عليه أن يُدخل المطيع الجنة ولا غير ذلك ولا أن يقبل توبة تائب بل هذا وعد من الله عز وجل، وهذا الأمر خلاف قول المعتزلة فإنهم قالوا: إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح للعبد، فرد عليهم أهل السنة بقولهم: ما كان الأصلح للعبد فليس واجبا على الله.

قالَ أهلُ السنةِ: اللهُ تعالى لا يجبُ عليهِ شىءٌ لأنَّه لا غالبَ لهُ، فَمَنْ جَعَلَ اللهَ يجبُ عليهِ شىءٌ فهذا ليسَ مسلمًا، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ وعدًا منَّا.

ومن أسباب تعجيل التوبة وعدمِ تأخيرها الخوف من الله تعالى، روى ابن الجوزي بسنده إلى مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً وَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ وَإِذَا عَلَيَّ لَيْلٌ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ بَابٍ صَغِيرٍ، وَإِذَا بِصَوْتِ شَابٍّ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِكَ مُخَالَفَتَكَ، وَقَدْ عَصَيْتُكَ حِينَ عَصَيْتُكَ وَمَا أَنَا بِعَذَابِكَ جَاهِلٌ، وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ وَلا بِعِلْمِكَ بِحَالِي مُسْتَخِفٌّ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وَغَلَبَتْ عَلَيَّ شِقْوَتِي، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمُرْخَى عَلَيَّ، والآن فَمِن عذَابِك مَن يُنقِذُنِي، وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي، وَاسَوْأَتَاهْ مِنْ تصرُّم أَيَّامِي فِي مَعْصِيَةِ رَبِّي، يَا وَيْلِي! كَمْ أَتُوبُ وَكَمْ أَعُودُ، قَدْ حان لي أن أستحي مِنْ رَبِّي. قَالَ مَنْصُورٌ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلامَهُ قُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. بِسْمِ الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ الآيَةَ. فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاضْطِرَابًا شَدِيدًا وَمَضَيْتُ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَجَعْتُ، وَإِذَا جِنَازَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ، وَعَجُوزٌ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ؟ فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي لا تُجَدِّدْ عَلَيَّ أَحْزَانِي. قُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، قَالَتْ هَذَا وَلَدِي، مَرَّ بِنَا الْبَارِحَةَ رَجُلٌ قَرَأَ ءايَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ، فَلَمْ يَزَلِ ابْنِي يَبْكِي وَيَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ مَنْصُورٌ: هكذا والله صفة الخائفين يا ابن عَمَّارٍ.

يَا صَاحِبُ الْخَطَايَا أَيْنَ الدُّمُوعُ الْجَارِيَةُ، يَا أَسِيرَ الْمَعَاصِي ابْكِ عَلَى الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ، يَا مُبَارِزًا بِالْقَبَائِحِ أَتَصْبِرُ عَلَى الْهَاوِيَةِ؟! يَا نَاسِيًا ذُنُوبَهُ وَالصُّحُفُ لِلْمُنْسَى حَاوِيَةٌ، أَسَفًا لَكَ إِذَا جَاءَكَ الْمَوْتُ وَمَا أَنَبْتَ وَاحَسْرَةً لَكَ إِذَا دُعِيتَ إِلَى التَّوْبَةِ فَمَا أَجَبْتَ كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا نُودِيَ بِالرَّحِيلِ وَمَا تَأَهَّبْتَ، أَلَسْتَ الَّذِي بَارَزْتَ بِالْكَبَائِرِ وَمَا رَاقَبْتَ: وقد قيل: 

قَدْ مَضَى فِي اللَّهْوِ عُمْرِي … وَتَنَاهَى فِيهِ أَمْرِي

شَمَّرَ الأَكْيَاسُ (أي الأذكياء) وَأَنَا … وَاقِفٌ قَدْ شِيبَ أَمْرِي

لَيْتَنِي أَقْبَلُ وَعْظِي … لَيْتَنِي أَسْمَعُ زَجْرِي

كُلَّ يَوْمٍ أَنَا رَهْنٌ … بَيْنَ آثَامِي وَوِزْرِي

لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَى لِي … هِمَّةً فِي فَكِّ أَسْرِي

أَوْ أُرَى فِي ثَوْبِ صِدْقٍ … قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ قَبْرِي

وَيْحَ قَلْبِي مِنْ تَنَاسِيهِ … مَقَامِي يَوْمَ حَشْرِي

وَاشْتِغَالِي عَنْ خَطَايَا … أَثْقَلَتْ وَاللَّهِ ظَهْرِي

كَانَ لِبَعْضِ الْعُصَاةِ أُمٌّ تَعِظُهُ وَلا يَنْثَنِي؛ فَمَرَّ يَوْمًا بِالْمَقَابِرِ فَرَأَى عَظْمًا نَخِرًا، فَمَسَّهُ فَانْفَتَّ فِي يَدِهِ فَأَنِفَتْ نَفْسُهُ فَقَالَ لِنَفْسِهِ: أَنَا غَدًا هَكَذَا! فَعَزَمَ عَلَى التَّوْبَةِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ (فهي قبلة الدعاء) وَقَالَ: يَا إِلَهِي اقْبَلْنِي وَارْحَمْنِي. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أُمِّهِ حَزِينًا فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ مَا يُصْنَعُ بِالآبِقِ (أي الفارِّ من سيده) إِذَا أَخَذَهُ سَيِّدُهُ؟ فَقَالَتْ: يَغُلُّ قَدَمَيْهِ وَيَدَيْهِ وَيُخَشِّنُ مَلْبَسَهُ وَمَطْعَمَهُ. قَالَ: يَا أُمَّاهُ أُرِيدُ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ وَأَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ وَافْعَلِي بِي مَا يُفْعَلُ بِالْعَبْدِ الآبِقِ مِنْ مَوْلاهُ، لَعَلَّ مَوْلايَ يَرَى ذُلِّي فَيَرْحَمُنِي. فَفَعَلَتْ بِهِ مَا طلب. فَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَخَذَ فِي الْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ لَيْلَةً: يَا بُنَيَّ ارْفُقْ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ إِنَّ لِي مَوْقِفًا طَوِيلا بَيْنَ يَدَيْ رَبٍّ جَلِيلٍ، فَلا أَدْرِي أَيُؤْمَرُ بِي إِلَى ظِلٍّ ظَلِيلٍ أَوْ إِلَى شَرٍّ مُقِيلٍ، إِنِّي أَخَافُ عَنَاءً لا رَاحَةَ بَعْدَهُ أَبَدًا، وَتَوْبِيخًا لا عَفْوَ مَعَهُ. قَالَتْ: فَاسْتَرِحْ قَلِيلا. فَقَالَ: لَسْتُ للرَّاحَةِ أَطْلُبُ يَا أُمَّاهُ، كَأَنَّكِ بِالْخَلائِقِ غَدًا يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَنَا أُسَاقُ إِلَى النَّارِ مَعَ أَهْلِهَا! فَمَرَّتْ بِهِ ليلةً في تهجُّدِه هذه الآيةُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُوْنَ﴾ فَتَفَكَّرَ فِيهَا وَبَكَى وَاضْطَرَبَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ أُمُّهُ تُنَادِيهِ وَلا يُجِيبُهَا فَقَالَتْ لَهُ: يَا قُرَّةَ عَيْنِي أَيْنَ الْمُلْتَقَى؟ فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فِي مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ فَسَلِي مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ عَنِّي!. ثُمَّ شَهَقَ شَهْقَةً فَمَاتَ. رَحِمَهُ اللَّهُ. فَخَرَجَتْ أُمُّهُ تُنَادِي: أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى الصَّلاةِ عَلَى قَتِيلِ النَّارِ! فَلَمْ يُرَ أَكْثَرُ جَمْعًا وَلا أَغْزَرُ دَمْعًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. هَذِهِ وَاللَّهِ عَلامَةُ الْمُحِبِّينَ وَأَمَارَاتُ الصَّادِقِينَ وَصِفَاتُ الْمَحْزُونِينَ. ورآهُ بعضُ أصحابِه في المنامِ وهو في الجنةِ عليهِ حُلَّةٌ خضراءُ يمشي ويقرأُ قولَه تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُوْنَ﴾ ويقولُ: وعِزَّتِهِ وجلالِه لقدْ سألنِي وغفرَ لي وتجاوزَ عني ألا أبلغوا عني أمي. 

سُبْحَانَ مَنْ وَفَّقَ [لِلتَّوْبَةِ] أَقْوَامًا، ثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِهَا أَقْدَامًا، كَفُّوا الأَكُفَّ عَنِ الْمَحَارِمِ احْتِرَامًا، وَأَتْعَبُوا فِي اسْتِدْرَاكِ الْفَارِطِ عِظَامًا، فَكَفَّرَ عَنْهُمْ ذُنُوبًا وَآثَامًا، وَنَشَرَ لَهُمْ [بِالثَّنَاءِ] عَلَى مَا عَمِلُوا أَعْلامًا، فَهُمْ عَلَى رِيَاضِ الْمَدَائِحِ بِتَرْكِ الْقَبَائِحِ يَتَقَلَّبُونَ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ.

كَشَفَ لَهُمْ سَجْفَ الدُّنْيَا فَرَأَوْا عُيُوبَهَا، [وَأَسْبَلُوا مِنْ دُمُوعِ الأَجْفَانِ عَلَى تِلْكَ الأَشْجَانِ غُرُوبَهَا، وَاشْتَغَلُوا بِالطَّاعَاتِ فَحَصَّلُوا مَرْغُوبَهَا، وَحَثَّهُمُ الإِيمَانُ عَلَى الْخَوْفِ فَمَا يَأْمَنُونَ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ.

نَدِمُوا عَلَى الذُّنُوبِ فَنَدَبُوا، وَسَافَرُوا إِلَى الْمَطْلُوبِ فَاغْتَرَبُوا، وَسَقَوْا غَرْسَ الْخَوْفِ دَمْعَ الأَسَفِ وَشَرِبُوا، فَإِذَا أَقْلَقَهُمُ الْحَذَرُ طَاشُوا وَهَرَبُوا، وَإِذَا هَبَّ عَلَيْهِمْ نَسِيمُ الرَّجَاءِ عَاشُوا وَطَرِبُوا، فَتَأَمَّلْ أَرْبَاحَهُمْ وَتَلَمَّحْ مَا كَسَبُوا، وَاعْلَمْ أَنَّ نَيْلَ النَّصِيبِ بِالتَّعَبِ يَكُونُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ.

نَظَرُوا إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ، فَعَلِمُوا أَنَّهَا لا تَصْلُحُ لِلْقَرَارِ، وَتَأَمَّلُوا أَسَاسَهَا فَإِذَا هُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فغَيَّبُوا بالصيام لذة الهوى بالنهار، وبالأسحار هم يَسْتَغْفِرُونَ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ.

أَبْدَانُهُمْ قَلْقَى مِنَ الْجُوعِ وَالضَّرَرِ، وَأَجْفَانُهُمْ قَدْ حَالَفَتْ فِي اللَّيْلِ السَّهَرَ، وَدُمُوعُهُمْ تَجْرِي كَمَا يَجْرِي دَائِمَةُ الْمَطَرِ، وَالْقَوْمُ قَدْ تَأَهَّبُوا فَهُمْ عَلَى أَقْدَامِ السَّفَرِ، عَبَرُوا عَلَيْكُمْ وَمَرُّوا لَدَيْكُمْ وَمَا عِنْدَكُمْ خَبَرٌ، وَتَرَنَّمَ مُنْشِدُوْهُمْ فَمَا لَكُمْ لَا تَسْمَعُونَ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ.

يا رب بَيِّنْ لَنَا طَرِيْقَ النَّجَابَةِ، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَافْتَحْ لأَدْعِيَتِنَا أَبْوَابَ الإِجَابَةِ، يَا مَنْ إِذَا سَأَلَهُ الْمُضْطَرُّ أَجَابَهُ، يَا من إِذَا شَاءَ شيئًا يَكُونُ، التَّائِبُونَ العابدون.