المحتويات
- مقدمة
- اغتنام مواسم الطاعة وفضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة
- فضل طلب العلم الشرعي وشرف أهله
- التعريف بكتاب داعي الفلاح
- التذكير بفضائل الذكر والتكبير والتحميد والتهليل
- رجمة الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله وذكر مكانته العلمية
- شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال
- شرح مقدمة كتاب داعي الفلاح
- بيان معنى «فالق الإصباح» و«خالق المساء والصباح»
- معنى الصلاة والسلام على النبي ﷺ
- المراد بآل النبي ﷺ
- معنى الصحابي
- بداية أحاديث الكتاب: استفتاح النهار وختمه بالخير
- فائدة في قراءة القرآن والذكر على وجه صحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لِلهِ الواحدِ القَهَّارِ، العزيزِ الغفار، مُقدرِ الأقدار، مصرّفِ الأمور مكوِّرِ الليل على النّهار، تبصِرةً لذوي القلوب والأبصار، الذي أيقظ مِنْ خلقه مَن اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعله من الأبرار، وبصَّر من أحبه فزهَّدهم في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّبِ لدار القرار، واجتنابِ ما يُسخطُه والحذرِ من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجِد في طاعاته وملازمةِ ذِكْره بالعشيِّ والإبكار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار.
أحمده أبلغ الحمد على جميع نِعَمه، وأسأله المزيدَ من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيّه وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، وأكرم السابقين واللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النّبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين.
وبعد:
اغتنام مواسم الطاعة وفضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة
فقدْ حثَّنَا الشرعُ الحنيفُ علَى اغتنامِ الأوقاتِ بمَا فيهِ منفعةٌ فقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة/105]، فحياةُ المسلمِ الفطنِ ينبغي أنْ تكونَ زاخرةً مليئةً بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وبالأعمالِ الصالحةِ وينبغي أنْ ينتقلَ مِنْ عبادةٍ إلَى عبادةٍ كحالِ الصالحينَ مِنَ السلفِ الصالحِ، وَنحنُ فِي أيامٍ العملُ الصالحُ إذَا أَوْقَعْتَهُ فيهَا فهوَ أفضلُ مِنْ أَنْ تُوقِعَهُ فِي غيرِهَا مِنْ أيامِ العامِ وَذلكَ بنصِّ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ، فَقَدْ روى البخاريُّ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: ((مَا مِنْ أَيِامٍ العَمَلُ الصَالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِّهِ الأيَامِ – يَعْنِي أَيَامَ العَشْرِ – قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا الجِهَادُ في سَبِيِلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا الجِهَادُ في سَبِيِلِ اللهِ إِلَا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِع مِنْ ذَلِكَ بِشَىٍء))، وقدْ دلَّ هذَا الحديثُ الشريفُ وغيرُهُ علَى أنَّ العملَ فِي هذهِ الأيامِ أحبُّ إلَى اللهِ مِنَ العملِ فِي أيامِ الدُّنيَا مِنْ غيرِ استثناءِ شىءٍ منهَا.
من فضائل عشر ذي الحجة
وَمِنْ فضائلِ العشرِ مِنْ ذي الحجةِ أنَّ اللهَ تعالَى أقسمَ بهَا جملةً وببعضِهَا خصوصًا: فقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ فالليالي العشرُ هيَ عشرُ ذي الحجةِ، فقدْ أخرجَ البيهقيُّ فِي الشعبِ عنْ جابرٍ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [سورة الفجر/ الآية 1-3] قالَ: “إِنَّ العَشْرَ عَشْرُ الأَضْحَى وَالوتْرُ يَومُ عَرَفَةَ وَالشَفْعُ يَومُ النَحْرِ“.
وَمِنْ فضائِلِهَا أنَّهَا مِنْ جملةِ الأربعينَ التي واعَدَهَا اللهُ عزَّ وَجَلَّ لموسَى عليهِ السلامُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾[الأعراف/ الآية 142] فقدْ روى عبدُ الرزَّاقِ فِي مصنَّفِهِ عنْ مجاهدٍ قالَ: ((مَا مِنْ عَمَلٍ في أَيَامِ السَنَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ في العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَةِ وَهِيَ العَشْرُ الَتِي أَتَمَّهَا اللهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَلَامُ))،
وَمِنْ فضائِلِهَا أنَّهَا خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ أشهرِ الحجِّ التي قالَ اللهُ فيهَا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة/ الآية 197]، وهيَ شوالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ مِنْ ذي الحجةِ،
وَمِنْ فضائِلِهَا أنَّهَا الأيامُ المعلوماتُ التي شرعَ اللهُ ذكرَهُ فيهَا علَى مَا رَزَقَ مِنْ بهيمةِ الأنعامِ يقولُ اللهُ تعالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج/ الآية 28]. وذكرَ البخاريُّ فِي صحيحِهِ، فِي بابِ فضلِ العملِ فِي أيامِ التشريقِ: وقالَ ابنُ عباسٍ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ أيامُ العشرِ والأيامُ المعدوداتُ أيامُ التشريقِ، وكانَ ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يخرُجانِ إِلَى السِّوقِ فِي أيامِ العَشرِ يُكبِّرانِ وَيكبِّرُ الناسُ بتكبيرِهِمَا. وَعَنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: ((مَا مِنْ أَيَامٍ أَعْظَمُ وَلَا أَحَبُ إِلَى اللهِ العَمَلُ فِيْهِنَ مِنْ هَذِهِ الأَيَامِ العَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيِهْنَ مِنَ التَهْلِيِلِ وَالتَكْبِيِرِ وَالتَحْمِيِدِ)) رواهُ أحمدُ. وروى البيهقي في شعب الإيمان فقال: “كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا الْتَقَيَا، وَأَرَادَا أَنْ يَتَفَرَّقَا، قَرَأَ أَحَدُهُمْ سُورَةَ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ثُمَّ سَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخِرِ أَوْ عَلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ تَفَرَّقَا”.
ومن باب التعاون على الخير والتذكير به فإننا نعينكم ونذكركم بالخير كعادتنا ولا سيّما من الإكثار من ذكر الله تعالى في هذه الأيام، فإنها أفضل أيام السنة وهي التي يُتسابق فيها للطاعات وأصناف المبرات من ذكر لله وصلاة وقيام وصدقة وتلاوة قرآن وتعليم لعلم الدين.
فلا تنسوا صيامها وحث أهاليكم على ذلك فقدْ رُوِيَ عنْ هُنيدةَ بنِ خالدٍ عنِ امرأتِهِ عنْ بعضِ أزواجِ النبيِّ ﷺ قالتْ: ((كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصومُ تسعَ ذي الحجةِ، ويومَ عاشوراء، وثلاثةَ أيامٍ مِنْ كُلِّ شهرٍ)) رواهُ أحمدُ والبيهقيُّ. وأيضا لا تَدَعُوا هذه الأيام تمضي دون أن تجعلوا لأنفسكم حصة في الصدقة لوجه الله تعالى وخصوصا في هذه الأيام فقد قالَ تعالَى فِي سورةِ البقرةِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة/ الآية 261] وقال رسوله الكريم ﷺ: ((مَا نَقَص مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَة)) رواهُ الترمذيُّ. وروى البخاريُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ ءادَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)). وروى البيهقيُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((كُلُّ امْرِئٍ فِى ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ قَالَ حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ)). وروى السيوطيُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((الصَّدَقَةُ تَمْنَعُ سَبْعِيْنَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ البَلَاءِ أَهْوَنُهَا الجُذَامُ وَالبَرَصُ)). وأخرجَ الحاكمُ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ قالَ: جاءَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ إلَى النبيِّ ﷺ بألفِ دينارٍ حينَ جَهَّزَ جيشَ العسرةِ فافرغهَا عثمانُ فِي حجرِ النبيِّ ﷺ قالَ: فجعلَ النبيُّ ﷺ يُقَلِّبُهَا ويقولُ: ((مَاْ ضَرَّ عُثْمَانَ مَاْ عَمِلَ بَعْدَ هَذَا اليَوْمِ)) قَالهَا مرارًا، وفِي روايةٍ قالَ لهُ النبيُّ ﷺ: ((غَفَرَ اللهُ لَكَ يَاْ عُثْمَاْنُ مَاْ أَسْرَرْتَ وَمَاْ أَعْلَنْتَ وَمَاْ أَخْفَيْتَ وَمَاْ هُوَ كَاْئِنٌ إِلَىْ أَنْ تَقُوْمَ الْسَّاْعَةُ)).
فضل طلب العلم الشرعي وشرف أهله
وإنّ من أعظم القرب والطاعات التي يتقرّب بها العبد إلى ربّ الأرض والسماوات التفقهَ في دين الإسلام العظيم وطلبَ العلم الشرعي الذي حثّ عليه ربنا عز وجل في كتابه الكريم فقال سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة/ الآية 122] بل لم يأمر الله تعالى عبده ورسوله محمدا ﷺ بالازدياد من شيء سواه، فقال عزّ وجلّ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه/ الآية 114]، وقد بين لنا رسولنا الأكرم ﷺ شرف العلم وأهلِه وعلوَ مرتبته وفضلَه بما لا يتردد به الإنسان أنه من أعظم ما يُتقرب به إلى الواحد الدّيّان، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)) رواهُ أبو داودَ.
وقال أحد الصالحين: “الاشتغال بعلم الدين مفتاح السعادة الأبدية”.
التعريف بكتاب داعي الفلاح
ولمّا كان هذا المعنى مستقرا في الأذهان عند السلف رحمهم الله تعالى وواضحا أثره وبركته عندهم كالعِيان، اشتغلوا بعلم الشريعة في غالب الأزمان والبلدان، إما في قراءة أو في تدريس أو في إفتاء أو في تصنيف فامتلأت المكتبات ببركة علومهم ومصنفاتهم وسعِدت حياةُ المسلمين بثمرات فقههم وكتاباتهم، ومن هذه المؤلفات المفيدة النافعة التي كُتِبَ في الأذكار الواردة عن النبي ﷺ، كتاب داعي الفلاح في أذكار المساء والصباح لواحد من فقهاء الأمة المحمدية وهو الإمام أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن السيوطي رحمه الله تعالى.
وما انتقاؤنا لهذا الكتاب إلا لإحياء تراث الأمة المحمدية وخدمةً لهذا الدين العظيم وأن تبقى قراءةُ المتون بالسند المتصل باقية مستمرة بين أهل السنة والجماعة وأيضًا لأننا نعلمُ شرف ذكر الله تعالى وشرف الذاكرين وخصوصا في هذه الأيام التي حثنا القرآن الكريم أن نكثر فيها من ذكر الله عز وجل.
التذكير بفضائل الذكر والتكبير والتحميد والتهليل
وإن من أفضل أحوال العبد المسلم وأشرفها هو حالَ ذكره لله ربّ العالمين، وكيف لا يكون كذلك وقد وصف الله المؤمنين الذّاكرين المتبتلين بوصف عظيم وأثنى عليهم في كتابه العزيز فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال/ الآية 2]، وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج/ الآية 34-35]، والمخبتون هم المطمئنون بذكر الله، ومدحَ الله تعالى البيوتَ التي يُذكَرُ فيها سبحانه صباحا ومساء ومدح الذاكرين له فيها ووعدهم الأجرَ العظيمَ فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ [النور/ 36-37]، ورغَّب سبحانه بالذكر فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد/ الآية 16]، ومدح قلوب الذاكرين وبيّن أن الذكرَ راحةٌ لقلوبِهم فقال: ﴿الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد/ الآية 28].
وقد ثبت في البخاري أنّ الرسول ﷺ كان يذكر الله تعالى في كل أحيانه وأحواله، وحضّ عليه الصلاة والسلام أمته حضًا بليغًا في أحاديثَ كثيرةٍ على ذكر الله تعالى، ومن ذلك قوله ﷺ عندما سئل: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ – أي من أحبها – قَالَ: ((أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) رواه ابن حبان. وَرَوَى مسلم عنْ أَبي سعيدٍ الخدري رضِي اللَّه عنْهُ قال: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ حفَّتْهُمُ الملائِكة، وغشِيتهُمُ الرَّحْمةُ ونَزَلَتْ علَيْهِمْ السَّكِينَة، وذكَرَهُم اللَّه فِيمن عِنْدَهُ)) رواه مسلم، غَشِيَتهم أي غَطَّتهم، وَالسَّكِينَةُ هِيَ الْوَقَارُ، والمراد بلفظ “عنده” عندية التشريف وليس المكان والجهة فربّنا لا يحتاج إلى المكان ولا يجري عليه زمان. وفي حديث أبي ذر الغفاري قال له النبي ﷺ: ((أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ تَعالَى، فَإِنَّهُ رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَلَيْكَ بِتِلاوَةِ القُرءَانِ، وذِكْرِ اللهِ تَعالَى، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ في السَّمَاءِ، وَنُورٌ لَكَ في الأَرْضِ)) رواه البيهقي.
وقالَ رسولُ اللّهِ ﷺ: ((لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي)) رواه الترمذي، وقارن رسول الله ﷺ بين الذاكر لربه وغير الذاكر فقال:((مَثَلُ الذي يَذكُرُ ربَّهُ وَالذي لا يذكُرُهُ، مَثَلُ الحيِّ والمَيِّتِ)) رواهُ البخاري، وفي لفظ لمسلم قال ﷺ: ((مَثَلُ البَيْتِ الَّذي يُذْكَرُ اللَّه فِيهِ وَالبَيتِ الذي لا يُذْكَرُ الله فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ))، وعَنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: ((سبقَ المُفَرِّدُونَ)) قالوا: ومَا المُفَرِّدُونَ يا رسُول اللَّهِ؟ قال: ((الذَّاكِرُونَ اللَّه كَثيرًا والذَّاكِراتُ)) رواه مسلم.
صاحبُ رسولِ اللهِ جابرُ بنُ سَمُرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: ((كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يطيلُ الصمتَ)) رواه الطبراني، أيِ السكوتَ أي إلا عنْ ذكرِ اللهِ وما هو منَ الدّينِ وما ينفعُهُ في معيشتِهِ. وكان الصّحابة رضوان الله عليهم على الاقتداء بالنبي ﷺ في أقواله وأحواله في ليله ونهاره يتتبعون حركاته وسكناته وتصرفاته وكلامه ويهتمون باقتفاء آثاره وما يرد عنه من أخبار وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا سمعوا من النبي ﷺ الحثَّ على ذكر معين التزموه وداوموا عليه فقد روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلّي مع رسول الله إذ قال رجل مِن القوم: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال رسول الله: ((عجِبت لها فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ))، قال ابن عمر: ما تركتهن منذ سمعتهنّ مِن رسول الله ﷺ.
رجمة الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله وذكر مكانته العلمية
مولده ونشأته وطلبه للعلم وشيوخه
ومؤلف هذا الكتاب الذي بين أيدينا والذي سنشرحه بإذن الله تعالى في هذه الأيام المباركة هو الإمام عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي. وقال هو في ترجمة نفسه: “وكان مولدي بعد المغرب ليلةَ الأحد مستهلَ رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة”، وأحضره والده وعمره ثلاث سنين مجلس ابن حجر مرة واحدة، وجعل الشيخ كمال الدين بن الهمام وصيّا عليه فلحظه بنظره ورعايته، وقال السيوطي: “ونشأت يتيمًا فحفظت القرءان ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه، والأصول، وألفية ابن مالك”. “ولما حججت شربت من ماء زمزم لأمور منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني وفي الحديث رتبة الحافظ ابن حجر”. ثم قال: “ورزقت التبحر في سبعة علوم: منها التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان على طريقة العرب البلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة”، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث قال: “ولو وجدت أكثر لحفظته”، قال: “ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك” اهـ.
زهده وعبادته
ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرّد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به والإعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وأقام في روضة المقياس فلم يتحوّل منها إلى أن مات، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته، ويعرضون عليه الأموال النّفيسة فيردّها.
ورؤي النبيّ ﷺ في المنام، والشيخ السّيوطي يسأله عن بعض الأحاديث والنبيّ ﷺ يقول له: «هات يا شيخ الحديث». ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا، والنبيّ ﷺ يقول له: «هات يا شيخ الحديث». وفي شذرات الذهب لابن العماد قال: وذكر الشيخ عبد القادر الشّاذلي في كتاب ترجمته أنّه كان يقول: رأيت النّبيّ ﷺ فقال لي: «يا شيخ الحديث». فقلت له: يا رسول الله أمن أهل الجنّة أنا؟ قال: «نعم»، فقلت: من غير عذاب يسبق. فقال: «لك ذلك».
من بعض ما روي عنه من الكرامات
ومن كراماته يرويها ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في أخبار من ذهب فقال:
وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك: أن الشيخ قال له يوما، وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة: أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك عليّ حتى أموت. قال: فقلت: نعم. قال: فأخذ بيدي وقال غمّض عينيك فغمّضتهما فمشى بي نحو سبع وعشرين خطوة. ثم قال لي: افتح عينيك، فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا أمّنا خديجة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة، وغيرهم، ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام، حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من زمزم، ثم قال لي: إن شئت تمضي معي وإن شئت تقيم حتى يأتي الحج. قال: فقلت: أذهب مع سيدي، فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي: غمّض عينيك، فغمضتهما، فهرول بي سبع خطوات. ثم قال لي: افتح عينيك، فإذا نحن بالقرب من الجيوشي.
وله شعر كثير غالبه في الفوائد العلمية والأحكام الشرعية وأجاد فيه: منه
| فــــوّض أحاديــــث الصّفا | ت ولا تشبّه أو تعطّل | |
| إن رمت إلّا الخـــوض في | تحقيـــق معظـله فأوّل | |
| إنّ المفــــوّض سالــــــــم | مما تكلّفـــــــه المعطّل |
وقال:
| لم لا نرجي العفو من ربّنا | وكيف لا نطمع في حلمـه | |
| وفي الصحيحين أتـــى إنّه | بعبده أرحـــم مــــن أمّــه |
وتوفي في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى في منزله بروضة المقياس بعد أن تمرّض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة.
شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال
ونذكركم أحبابنا أن هذا الكتاب ليس مقتصرا على الأحاديث الصحيحة بل فيه من الأحاديث الضعيفة، ولكن قال النووي رحمه الله في كتابه الأذكار: قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا.
وذكر ابن حجر ثلاثة شروط لذلك فقال:
أحدها: أن يكون الضعيف غير شديد، فيخرج ما انفرد به راوٍ من المكَذِّبِين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. نقل العلائي الاتفاق عليه.
الثاني: أن يكون مندرجًا تحت أصلٍ عام، فيخرج ما لا يكون له أصل أصلًا.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يَقُلْه، بل يعتقد الاحتياط.
شرح مقدمة كتاب داعي الفلاح
في بداية الكتاب ص 21:
ابتدأ بحمد الله اقتداء بالقرآن الكريم ولحديث النبي ﷺ الذي رواه ابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَهُوَ أَقْطَعُ)).
بيان معنى «فالق الإصباح» و«خالق المساء والصباح»
عند قوله: فالق الإصباح: هو مصدر سمّي به الصبح؛ أي خالق نور النهار.
عند قوله: خالق المساء والصباح: قال القرطبي: المساء بُدُوّ الظلام بعد المغيب. وأمّا الصباح شرعًا فمن طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس ثم الضحى فالاستواء فالزوال ومنه المساء.
معنى الصلاة والسلام على النبي ﷺ
عند قوله: والصلاة والسلام على سيدنا محمد: الصلاة منه تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، والسلام هو تسليمه إياه من كل آفة ونقص والجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى.
ثمّ إنّ الصّلاة على النّبي عند تلاقي المسلمَين والسّلام والاستغفار سُنَّةٌ. قال الحافظ أبو موسى المديني: أنشدنا أبو سعد بن الهيثم السُّلَمِي لنفسه بأصبهان:
| أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ فَقُرْبَةٌ | وَوَسِيلَةٌ تُمْحَى بِهَا الآثَامُ | |
| وَبِهَا يَنَالُ الْمَرْءُ عِزَّ شَفَاعَةٍ | تَلْقَاهُ مِنْهَا جَنَّةٌ وَسَلَامُ | |
| كُنْ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ مُلَازِمًا | فَصَلَاتُهَا الإِعْزَازُ وَالإِكْرَامُ |
عند قوله: الداعي إلى الفلاح: أي الذي يدعو إلى ما فيه فلاح الدنيا والآخرة وهو دين الإسلام وهو دين جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
عند قوله: والهادي إلى سبيل النّجاح والصلاح: (الهادي) أي: الدالّ، سبيل: طريق، وفيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى/ الآية 52].
المراد بآل النبي ﷺ
عند قوله: وعلى آله: وءالُ النبيّ معيَّنون على حسب الإطلاق:
- فإن كان فِي مَقَامِ الزَّكَاةِ: فالمقصود مُؤْمِنُوْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
- وإن كان فِي مَقَامِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ: فهُم أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ، ويدلُّ عليه ما جاء في قول الله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) فَهَذِهِ الْآيَةُ تَعْنِي أَزْوَاجَ النَّبِيِّ وَعَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ غَطَّى الرَّسُولُ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِرِدَاءٍ وَقَالَ: “اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي“.
- وإن كان فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ: فالمراد بهم أَتْقِيَاءُ أُمَّتِهِ، وعليه فيدخُل فِيهِم الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُم مِمَّنْ كَانَ تَقِيًّا مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ.
وَقَوْلُه “وَءَالِهِ” مَعْطُوفٌ عَلَى “النَبِيِّ” أَيْ ثُمَّ الصلاةُ والسَلَامُ مِنَ اللهِ عَلَى ءَالِهِ أيضًا الخ، فالصَّلَاةُ عَلَى الآل هُنَا تَبَعًا وإضافة إلى الصلاة على النبيّ لَا اسْتِقْلَالًا على وجه التخصيص والانفراد عنه.
معنى الصحابي
عند قوله: وأصحابه: وَالصَّاحِبُ لُغَةً: هُوَ مَن بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مُوَاصَلَةٌ وَمُدَاخَلَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ الصَّحَابيُّ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ على سبيل العادة بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَ وَفَاتِهِ ﷺ مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَنِ ارْتَدَّ وَمَاتَ كَافِرًا كَابْنِ خَطَلٍ. وأمّا حصرُ الصحابةِ بالعدِّ والإحصاءِ على التحديد فَقد تعذَّر بسبب تَفَرُّقِهِم في البلدانِ، ولكنْ جاءَ ضبطُهم على التقريب حيث حضروا بعضَ المشاهد في ءاخر حياة النبيّ ﷺ كغزوة تبوكَ، وحجَّةِ الوداعِ، فَرُوِي أنّ رسولُ اللهِ ﷺ مات وعِدَّةُ الصحابة مائةُ ألفٍ وأربعةَ عشرَ ألفًا، كذا نُقِل عن الصحابيّ كعب بن مالك رضي الله عنه.
عند قوله: بدا كوكب ولاح: بدا أي ظهر، لاح: غاب.
بداية أحاديث الكتاب: استفتاح النهار وختمه بالخير
الحديث الأول: أخرج الطبراني في الكبير – يعني المعجم الكبير للطبراني – عن عبد الله بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((مَن استفتحَ أولَ نهارِهِ بخيرٍ وختمَهُ بخيرٍ قالَ الله تعالى لملائكتِه: لا تكتبوا ما بينَ ذلكَ منَ الذنوبِ)).لا أصل له. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، وفيه: الجرَّاح بن يحيى المؤذن، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
التعليق على هذا الحديث:
فائدة في قراءة القرآن والذكر على وجه صحيح.
قال المناوي في شرحه: (من استفتح أوّل نهاره بخير وختمه بالخير) كصلاة وذكر وتسبيح وتحميد وتهليل وصدقة وأمر بمعروف ونهي عن منكر ونحو ذلك (قال الله لملائكته) يعني الحافظين الموكلين به (لا تكتبوا عليه ما بين ذلك من الذنوب) يعني الصغائر ويحتمل التعميم وفضل الله عظيم.
سُئِل أحد الصالحين: هل كان الصحابة يرتلون القرآن ترتيلا؟ فأجاب: نعم، أهل التجويد تعلموا التجويد منهم، كلهم كانوا يقرأون بالتجويد، ما كانوا يقرأون قراءة سطحية كما يقرأ أكثر الناس اليوم، كانوا يقرأون القرآن بالتجويد الحقيقي، الذي يقرأ القرآن كما أُنزِلَ ثوابه يكون كاملا.
وقال رضي الله عنه: القارئ إذا مدَّ المقصور أو قَصَرَ الممدود في قراءة القرآن ما عليه معصية وإن كان هو يعرف القراءة الصحيحة. القرآن الكريم إذا ترك شيء فيه من صفات الحروف كالغنة في موضعها والترقيق في موضعه والتفخيم في موضعه بعد المحافظة على مخارج الحروف بالإخلال بشيء منها يمنع الثواب في القرآن، أما في غير القرآن إذا لم يغيّر الحرف ولم يُزَد حرف ولم يُنقَص حرف يكون فيه ثواب. التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وغير ذلك فيه ثواب، أما إذا حُذِفَ حرف أو أُبدِلَ حرف بغيره، فلا ثواب في الذكر والدعاء، أما ترك الغنة والترقيق والتفخيم لا يذهب الثواب، إنما يذهب الثواب في الذكر والدعاء إذا تغير حرف أو زيد أو نُقِصَ حرف كالذين يقولون: اللا اللا اللا أو يقولون الله الله الله – من غير أن يأتوا بالمد بعد اللام – هؤلاء عليهم معصية ويحرمون الثواب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين