الحديث السادس والستين

الحمد لله الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصر به ءامال القياصرة، الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة، حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة، فنقلوا من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التمتع بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أُنس العشرة إلى وحشة الوحدة، فانظروا وتأملوا رحمكم لله، هل وجدوا من الموت حصنا وعزًا، أم اتخذوا من دونه حجابا وحرزًا، فسبحان من جعل الموت مخلصا للأتقياء، وموعدا في حقهم للقاء، وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء وأعظم الشفعاء، سيدنا محمد أبي القاسم والزهراء، وعلى صاحبه أبي بكر رفيقهِ في السرّاء والضرّاء، وعلى عمر الذي كان يخشى ربّه في العلن وفي الخفاء، وعلى عثمان الذي كانت تستحي منه الملائكة الكرماء، وعلى عليٍّ الذي استقى من علمه العلماء، أما بعد:

فقد وصلنا إلى الحديث السادس والستين في كتاب رياض الصالحين: حيث يقول الحافظ النووي:  

الحديث

السَّابِعُ: عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه عن النَّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا وتمَنَّى عَلَى اللهِ“. رواه التِّرْمِذيُّ وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ. قَالَ التِّرْمذيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى”دَانَ نَفْسَه”: حَاسَبَهَا.

ترجمة راوي الحديث

هو شَدَّادُ بنُ أَوْسِ بنِ ثَابِتِ بنِ المُنْذِرِ بنِ حَرَامٍ الأَنْصَارِيُّ، ‌أَبُو ‌يَعْلَى، ‌وَأَبُو ‌عَبْدِ ‌الرَّحْمَنِ ‌الأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، أَحَدُ بَنِي مَغَالَةَ، وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بنِ مَالِكِ بنِ النَّجَّارِ. وَشَدَّادٌ: هُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ، شَاعِرِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَعُلَمَائِهِمْ، نَزَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُهُ يَعْلَى، وَأَبُو إِدْرِيْسَ الخَوْلَانِيُّ، وَأَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ غَنْمٍ، وَجُبَيْرُ بنُ نُفَيْرٍ، وَآخَرُوْنَ. وَكَانَ لَهُ خَمْسَةُ أَوْلَادٍ، قال أبو الدرداء: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فَقِيْهاً، وَإِنَّ فَقِيْهَ هَذِهِ الأُمَّةِ شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ شَدَّادَ بنَ أَوْسٍ أُوْتِيَ عِلْماً وَحِلْماً. وَقَالَ سَعِيْدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: فَضَلَ شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ الأَنْصَارَ بِخَصْلَتَيْنِ: بِبَيَانٍ إِذَا نَطَقَ، وَبِكَظْمٍ إِذَا غَضِبَ. َقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: نَزَلَ فِلَسْطِيْنَ، وَلَهُ عَقِبٌ. مَاتَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً، وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَاجْتِهَادٌ. قال خالد بن معدان: لَمْ يَبْقَ بِالشَّامِ أَحَدٌ كَانَ أَوْثَقَ، وَلَا أَفْقَهَ، وَلَا أَرْضَى مِنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وَشَدَّادِ بنِ أَوْسٍ. قَالَ المُفَضَّلُ الغَلَابِيُّ: زُهَّادُ الأَنْصَارِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَعُمَيْرُ بنُ سَعْدٍ، وَشَدَّادُ بنُ أَوْسٍ. وروي عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الفِرَاشَ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ، لَا يَأْتِيْهِ النَّوْمُ، فَيَقُوْلُ: اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ أَذْهَبَتْ مِنِّي النَّوْمَ. فَيَقُوْمُ، فَيُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ. وقال قتادة: أَنَّ شَدَّادَ بنَ أَوْسٍ خَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا أَجَلٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَإِنَّ الآخِرَةَ أَجَلٌ مُسْتَأْخَرٌ، يَحْكُمُ فِيْهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَإِنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي النَّارِ.. خَرَّجُوا لَهُ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ. وَعَدَدُ أَحَادِيْثِهِ فِي (مُسْنَدِ بَقِيٍّ): خَمْسُوْنَ حَدِيْثاً بِالمُكَرَّرِ. وقال النووي في «التهذيب»: مات ببيت المقدس قبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن اهـ. وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسون حديثًا أخرج له الشيخان حديثين انفرد بأحدهما البخاري وبالآخر مسلم.

الشرح

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: السَّابِعُ (أي السابع من باب المراقبة وهو الحديث السادس والستون من كتاب رياض الصالحين): عَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه عن النَّبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “الكَيِّس (أي العاقل الفطن الذكي، فالكيس الذكي هو التقي الذي يتقي الله تعالى، قال ابن الوردي: 

لَيـسَ مـنْ يَقطعُ طُـرُقًا بَطَـلًا
إِنَّمَـا مَـنْ يَتَّقِـي اللهَ البَطَـلْ

وقال الغزالي: فإنَّ كلَّ فاسق فهو أحمق وجاهل ولولا حمقه لما عصى الله تعالى بل كل من ليس بكيس فهو أحمق، والكيس مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بالكَياسة حيث قال الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعاجزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى على الله) مَنْ دَانَ نَفْسَهُ (أي: حاسبها ومنعها مستلذاتها وشهواتها التي فيها هلاك دينها) (ففي هذا الحديث الشريف دعوة إلى محاسبة النفس ومراجعتها، ولذلك قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا؛ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة:18]”، وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ: «عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَخٍ وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ، أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ»، وروي عَنِ الْحَسَنِ البصري في قوله تعالى {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [الْقِيَامَة:2] قَالَ: «لَا يُلْقَى الْمُؤْمِنُ إِلَّا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ مَاذَا أَرَدْتُ بِكَلِمَتِي مَاذَا أَرَدْتُ بِأَكْلَتِي مَاذَا أَرَدْتُ بِشَرْبَتِي وَالْعَاجِزُ يَمْضِي قُدُمًا لَا يُعَاتِبُ نَفْسَهُ»، وروي عَنْ الحسن البصري: «إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ»، وروي عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ»، وقال جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: ” رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ لِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ: أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ ثُمَّ ذَمَّهَا ثُمَّ خَطَمَهَا، ثُمَّ أَلْزَمَهَا كِتَابَ اللَّهِ؛ فَكَانَ لَهَا قَائِدًا”، وقال إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: “مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ، آكُلُ ثِمَارَهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأُعَانِقُ أَبْكَارَهَا، ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ، آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا، وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِهَا، وَأُعَالِجُ سَلَاسِلَهَا وَأَغْلَالَهَا؛ فَقُلْتُ لِنَفْسِي: أَيْ نَفْسِي، أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا؛ فَأَعْمَلَ صَالِحًا قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتِ فِي الْأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِي”، وجاء عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: ” مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُرَى ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، زَادٍ لِمِيعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ “، وروي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ مَوْلًى لَهُمْ كَانَ يَصْحَبُ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ أَصْحَبُهُ فَكَانَ عَامَّةُ صَلَاتِهِ الدُّعَاءَ وروي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ فَكَانَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ «أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابٍ فِي الشِّدَّةِ؛ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرْضَا وَالْغِبْطَةِ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ، وَشَغَلَتْهُ أَهْوَاؤُهُ عَادَ أَمْرُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ فَتَذَكَّرْ مَا تُوعَظُ بِهِ لِكَيْمَا تُنْهَى عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ وَتَكُونَ عِنْدَ التَّذْكِرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ مِنْ أُولِي النُّهَى»، وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْغِفَارِيُّ: “كُنَّا فِي غَزَاةٍ لَنَا، فَحَضَرَ عَدُوُّهُمْ، فَصِيحَ فِي النَّاسِ، فَهُمْ يَثُوبُونَ إِلَى مَصَافِّهِمْ، وَفِي يَوْمٍ شَدِيدِ الرِّيحِ، إِذَا رَجُلٌ أَمَامِي، رَأْسُ فَرَسِي عِنْدَ عَجُزِ فَرَسِهِ، وَهُوَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: أَيْ نَفْسِي، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، وَأَطَعْتُكِ فَرَجَعْتُ، أَلَمْ أَشْهَدْ مَشْهَدَ كَذَا وَكَذَا؟ فَقُلْتِ لِي: أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ، فَأَطَعْتُكِ، فَرَجَعْتُ، وَاللَّهِ، لَأَعْرِضَنَّكِ الْيَوْمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَخَذَكِ أَوْ تَرَكَكِ، فَقُلْتُ: لَأَرْمُقَنَّهُ الْيَوْمَ فَرَمَقْتُهُ فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ الْعَدُوَّ حَمَلَ عَلَى النَّاسِ فَانْكَشَفُوا وَكَانِ فِي حُمَاتِهِمْ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَكَانَ فِي أَوَائِلِهِمْ، ثُمَّ حَمَلَ الْعَدُوُّ وَانْكَشَفَ النَّاسُ فَكَانَ فِي حُمَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَازَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ صَرِيعًا فَعَدَدْتُ بِهِ وِبَدَابَّتِهِ سِتِّينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ طَعْنَةً”)، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ (من القبر وما بعده صالح العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة، وما أحسن ما قيل في ذلك  قول الشاعر:

بالله يا نفس اسمعي واعقلي
مقالة قد قالها ناصح

لا ينفع الإنسان في قبره
إلا التقى والعمل الصالح 

وَالْعَاجِزُ (التارك لما يجب فعله بالتسويف) مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا (أي: جعلها تابعة لما تهواه مؤثرة لشهواتها معرضة عن صالح الأعمال لكونه على خلاف ما تدعو إليه النفس، وقال أبو الليث السمرقندي بعد إيراده هذا الحديث: رُوِيَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ , أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ، وَلَكِنَّ الْعَجَبَ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا يَعْنِي أَنَّ الْجَنَّةَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَالنَّارَ قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَإِنَّ فِي أغلب الأنْفُسِ شَيْطَانًا يُوَسْوِسُ إِلَيْهِ وَمَلَكًا يُلْهِمُهُ وَلَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ وَيَخْدَعُ، وَلَا يَزَالُ الْمَلَكُ يَمْنَعُهُ فَأَيُّهُمَا كَانَتِ النَّفْسُ مَعَهُ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ) وتمَنَّى عَلَى اللهِ (الفوز في الآخرة. فالحاصل أن الحزم الإتيان بواجب العبودية من أداء الخدمة، ومحاسبة النفس حذر مجاوزة الحدود وعدم الالتفات إلى ذلك بالقلب والركون إليه، بل يكون اعتماده مع ذلك على فضل مولاه سبحانه. وأما ترك أداء مقام العبودية فذلك من رعونات النفس الخفية لاسيما إن أوقعها في ميدان شهواتها الذي فيه هلاكها ومحقها)”. 

وقد قال بعض الوعاظ: ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرّك الحياة الدنيا ولا يغرّنك بالله الغرور، فانظري لنفسك فما أمرُك بمهم لغيرك ولا تضيعي أوقاتك فالأنفاس معدودة؛ فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم والفراغ قبل الشغل والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها. يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته؛ فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب، ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف برداً وأقصر مدّة من زمهرير الشتاء أم تظنين أن ذلك دون هذا؟ كلا أن يكون هذا كذلك أو أن يكون بـينهما مناسبة في الشدّة والبرودة؟ أفتظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حرّ النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات، وإنما كرم الله تعالى في أن عرَّفك طريق التحصن ويسر لك أسبابه لا في أن يندفع عنك العذاب دون حصنه، كما أن كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك لطريق استخراجها من بـين حديدة وحجر حتى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك، وكما أن شراء الحطب والجبة مما يستغني عنه خالقك ومولاك وإنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سبباً لاستراحتك فطاعاتك ومجاهداتك أيضاً هو مستغن عنها وإنما هي طريقك إلى نجاتك، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها والله غني عن العالمين. ويحك يا نفس انزعي عن جهلك وقيسي آخرتك بدنياك فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وكما بدأنا أول خلق نعيده وكما بدأكم تعودون وسنة الله تعالى لا تجدين لها تبديلا ولا تحويلا ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست بها فعسر عليك مفارقتها وأنت مقبلة على مقاربتها.

هِيَ الدَّارُ دَارُ الْأَذَى وَالْقَذَى
وَدَارُ الْفِنَاءِ وَدَارُ الْغِيَرْ

فَلَوْ نِلْتَهَا بِحَذَافِيرِهَا
لَمُتَّ وَلَمْ تَقْضِ مِنْهَا الْوَطَرْ

أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الْخُلُودْ
وَطُولُ الْخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرْ

إِذَا أَنْتَ شِبْتَ وَبَانَ الشَّبَابْ
فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الْكِبَرْ

نسأل الله العظيم أن يبصرنا بعيوبنا ويعيننا على إصلاحها، ويجعلنا من المتبصرين العارفين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين