أحكام صيام المسافر

أحكام صيام المسافر

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنَّهُ لَم يَجعَل فِي دِينِنَا حَرَجًا وَعُسرًا، بَل إِنَّ أَمرَ الدِّينِ يُسرٌ وَتَطبِيقَهُ سَهلٌ، فَفِي كَثِيرٍ مِنَ الحَالَاتِ يَكُونُ هُنَاكَ رُخَصٌ يُمكِنُ لِمَن يَشُقُّ عَلَيهِ أَو يَتَعَذَّرُ عَلَيهِ تَطبِيقُ الحُكمِ الشَّرعِيِّ الأَخذُ بِهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ ‌فَأْتُوا ‌مِنْهُ ‌مَا ‌اسْتَطَعْتُمْ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وَمِن هَذِهِ الرُّخَصِ الَّتِي رَخَّصَ لَنَا الشَّرعُ بِهَا الفِطرُ فِي السَّفَرِ، فَفِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ يَكُونُ السَّفَرُ مُتعِبًا شَاقًّا بِحَيثُ إِذَا اجتَمَعَ مَعَهُ الصِّيَامُ يَشُقُّ وَيَصعُبُ أَكثَرَ، وَلَا سِيَّمَا فِي الأَيَّامِ المَاضِيَةِ مِن زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَزَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيرِهِم، فَمَا حُكمُ صِيَامِ المُسَافِرِ؟ وَمَتَى يَجُوزُ لِلمُسَافِرِ الفِطرُ؟ وَمَا هُوَ الأَفضَلُ فِي السَّفَرِ: الفِطرُ أَمِ الصِّيَامُ؟ هَذَا وَأَكثَرُ سَنَتَنَاوَلُهُ فِي هَذَا المَقَالِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

حكم صيام المسافر

يَأتِي فِي حُكمِ صِيَامِ المُسَافِرِ أَحوَالٌ عِدَّةٌ:

  1. فَفِي حَالٍ يَكُونُ الصِّيَامُ مُبَاحًا: وَهِيَ الحَالُ الأَكثَرُ شُيُوعًا، وَتَأتِي هَذِهِ الحَالُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: إِذَا كَانَ الشَّخصُ مُسَافِرًا سَفَرَ قَصرٍ، وَقَصدُهُ مِن سَفَرِهِ لَيسَ فِيهِ مَعصِيَةٌ، وَأَن يَخرُجَ مِنَ البَلَدِ قَبلَ الفَجرِ.
    • فَالشَّرطُ الأَوَّلُ وَهُوَ أَن يَكُونَ السَّفَرُ سَفَرَ قَصرٍ: مَعنَاهُ أَن يَكُونَ السَّفَرُ طَوِيلًا، وَحَدُّ السَّفَرِ الطَّوِيلِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ أَن يَكُونَ مَا بَينَ بَلَدِهِ وَالبَلَدِ الَّذِي يَذهَبُ إِلَيهِ مَرحَلَتَانِ فَأَكثَرَ، وَالمَرحَلَتَانِ هُمَا مَسِيرُ يَومَينِ بِسُرعَةِ الجِمَالِ المُحَمَّلَةِ بِالأَثقَالِ، فَالمَسَافَةُ الَّتِي يَقطَعُهَا المَاشِي مَعَ جَمَلٍ يَحمِلُ أَحمَالًا ثَقِيلَةً فِي يَومَينِ يَسِيرُ فِي النَّهَارِ وَيَرتَاحُ فِي اللَّيلِ هِيَ مَسَافَةُ السَّفَرِ الطَّوِيلِ أَو مَا يُعَبِّرُ عَنهُ الفُقَهَاءُ بِـ(سَفَرِ القَصرِ).

      وَاختُلِفَ فِي تَقدِيرِ مَسَافَةِ سَفَرِ القَصرِ بِالكِيلُو فَقِيلَ هِيَ 48كم وَقِيلَ 82كم وَقِيلَ 138كم، وَمَا كَانَ أَقصَرَ مِن هَذَا فَلَيسَ لَهُ أَن يُفطِرَ فِيهِ، وَالمُعتَبَرُ هُوَ المَسَافَةُ بَينَ نِهَايَةِ عِمرَانِ البَلَدِ الَّذِي يَخرُجُ مِنهُ وَبِدَايَةِ عِمرَانِ البَلَدِ الَّذِي يَذهَبُ إِلَيهِ.
    • وَالشَّرطُ الثَّانِي وَهُوَ أَن لَا يَكُونَ سَفَرُهُ سَفَرَ مَعصِيَةٍ: مَعنَاهُ أَن يَكُونَ سَبَبُ سَفَرِهِ غَيرَ مَعصِيَةٍ، وَالسَّفَرُ الَّذِي يَكُونُ لِغَيرِ مَعصِيَةٍ كَمَن يُسَافِرُ لِلتِّجَارَةِ أَو لِلتَّنَزُّهِ أَو لِزِيَارَةِ صَدِيقٍ أَو قَرِيبٍ أَو حَجٍّ أَو عُمرَةٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ، وَمِنَ الأَسفَارِ المَندُوبَةِ الَّتِي يَجُوزُ الفِطرُ فِيهَا السَّفَرُ لِزِيَارَةِ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَو قَالَ البَعضُ غَيرَ ذَلِكَ، فَلَا عِبرَةَ بِكَلَامِهِم، فَلَو سَافَرَ شَخصٌ لِيَشرَبَ الخَمرَ مَثَلًا أَو لِيَزنِيَ بِامرَأَةٍ فَهَذَا لَا يَجمَعُ وَلَا يَقصُرُ الصَّلَاةَ وَلَا يَتَرَخَّصُ بِالفِطْرِ.

      إِذَنِ المَعنَى أَن لَا يَكُونَ سَبَبُ سَفَرِهِ فِيهِ مَعصِيَةٌ، أَمَّا لَو عَصَى أَثنَاءَ السَّفَرِ بِأَن كَانَ سَبَبُ سَفَرِهِ لَيسَ مَعصِيَةً لَكِنَّهُ عَمِلَ أَثنَاءَهُ مَعصِيَةً فَيَجُوزُ لَهُ الفِطرُ مَعَ ذَلِكَ.
    • وَالشَّرطُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَن يَخرُجَ مِنَ البَلَدِ قَبلَ الفَجرِ: مَعنَاهُ أَن يَبدَأَ سَفَرُهُ بِالخُرُوجِ مِن عِمرَانِ البَلَدِ أَو سُورِهِ قَبلَ طُلُوعِ الفَجرِ الثَّانِي، أَمَّا لَو تَأَخَّرَ فَخَرَجَ مِنَ البَلَدِ بَعدَ الفَجرِ فَلَا يُفطِرُ فِي ذَلِكَ اليَومِ عِندَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، بَل يُفطِرُ مِنَ اليَومِ الثَّانِي إِن كَانَ سَفَرُهُ يَستَغرِقُ أَيَّامًا، فَإِنَّهُم كَانُوا فِي الأَزمَانِ المَاضِيَةِ يَستَغرِقُونَ أَيَّامًا أَو أَكثَرَ فِي الطَّرِيقِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، أَمَّا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الإِفْطَارُ لَوْ خَرَجَ بَعْدَ الظُّهْرِ إِذَا فَارَقَ الْعُمْرَانَ.

      فَائِدَةٌ: فِي هَذِهِ الحَالِ قَد يَكُونُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ أَفضَلَ كَمَا لَو كَانَ سَفَرُهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَمَن يُسَافِرُ فِي أَيَّامِنَا فِي الطَّائِرَةِ أَو نَحوِهَا مِنَ الوَسَائِلِ الَّتِي لَيسَ فِيهَا مَشَقَّةُ السَّفَرِ، وَقَد يَكُونُ الفِطرُ أَفضَلَ كَمَا لَو كَانَ يَنَالُهُ تَعَبٌ فِي سَفَرِهِ لَكِن لَا يَصِلُ إِلَى حَدِّ الضَّرَرِ، فَالأَفضَلُ لَهُ الفِطرُ فِي هَذِهِ الحَالِ.
  2. وَفِي حَالٍ يَكُونُ الصِّيَامُ وَاجِبًا: وَهُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ فَقَدَ شَرطًا مِن شُرُوطِ الرُّخصَةِ المَذكُورَةِ سَابِقًا، كَأَن كَانَ سَفَرُهُ قَصِيرًا، أَو سَبَبُ سَفَرِهِ فِيهِ مَعصِيَةُ كَمَن يُسَافِرُ لِأَجلِ أَن يَزنِيَ بِامرَأَةٍ أَو لِأَجلِ أَن يَشرَبَ الخَمرَ أَو نَحوَ ذَلِكَ، أَو كَانَ خُرُوجُهُ بَعدَ الفَجرِ فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَصُومَ هَذَا اليَومَ وَلَهُ الفِطرُ فِي اليَومِ التَّالِي.
  3. وَفِي حَالٍ يَكُونُ الصِّيَامُ حَرَامًا: كَمَن يَتَضَرَّرُ بِالصَّومِ أَثنَاءَ السَّفَرِ، بِحَيثُ إِنَّهُ لَو سَافَرَ وَصَامَ يَنضَرُّ جَسَدُهُ بِتَلَفِ نَفسٍ أَو عُضوٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُعَرِّضَ نَفسَهُ لِلضَّرَرِ فِي هَذِهِ الحَالِ.

هل يجب قضاء ما فات من الصوم أثناء السفر؟

يَجِبُ عَلَى المُسَافِرِ قَضَاءُ الأَيَّامِ الَّتِي أَفطَرَ فِيهَا فِي سَفَرِهِ، إِذ لَيسَ مَعنَى الرُّخصَةِ أَنَّهُ يَسقُطُ الصِّيَامُ بِالكُلِّيَّةِ، بَل يَبقَى وُجُوبُ القَضَاءِ عِندَمَا يَتَمَكَّنُ مِنهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، [سورة البقرة: 185]، فَتَقدِيرُ الآيَةِ كَمَا قَالَ أَهلُ التَّفسِيرِ: وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَو عَلَى سَفَرٍ فَأَفطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ، أَي يَأتِي بِعَدَدِ مَا أَفطَرَ فِي أَيَّامٍ أُخرَى يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنَ الصَّومِ.

خاتمة فيها قصة لطيفة

جَاءَ وَفدٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هُم وَفدُ قَبِيلَةٍ تُسَمَّى (حِميَرَ)، وَكَانَت هَذِهِ القَبِيلَةُ تَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَكِن فِي لُغَتِهِمُ اختِلَافٌ عَن لُغَةِ مُضَرَ الَّتِي مِنهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالَّتِي هِيَ أَفصَحُ لُغَاتِ العَرَبِيَّةِ، وَكَانَ مِن جُملَةِ هَذِهِ الِاختِلَافَاتِ أَنَّهُم كَانُوا يُبدِلُونَ اللَّامَ فِي (أَلِّ) التَّعرِيفِ مِيمًا، أَي بَدَلَ (الرَّجُل) يَقُولُونَ (امرَجُل).

فَلَمَّا جَاءَت هَذِهِ القَبِيلَةُ إِلَى المَدِينَةِ كَلَّمَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلُغَتِهِم، وَهَذَا مِن مُلَاطَفَتِهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ وَالمُسلِمِينَ وَمِن أَخلَاقِهِ الحَسَنَةِ، فَسَأَلَهُ الوَفدُ: (هَل مِنَ امبِرِّ امصِيَامُ فِي امسَفَرِ؟)، أَي هَل مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ؟، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «لَيسَ مِنَ امبِرِّ امصِيَامُ فِي امسَفَرِ»، أَي لَيسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، فَأَجَابَهُم بِلُغَتِهِم ﷺ.

وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الحَالَةِ الأُولَى إِذَا كَانَ يَشُقُّ عَلَى المُسَافِرِ الصِّيَامُ وَيَنَالُهُ تَعَبٌ لَكِن لَيسَ إِلَى حَدِّ الضَّرَرِ، فَهُنَا الفِطرُ لَهُ أَفضَلُ مِنَ الصِّيَامِ.

وَفِيهِ مِنَ الحِكمَةِ فِي مُخَاطَبَةِ النَّاسِ بِمَا يَفهَمُونَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ. 

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِلحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
  4. فَتحِ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  5. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةِ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  6. التَّفسِيرِ الكَبِيرِ لِلإِمَامِ فَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ.
  7. سُبُلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ لِلصَّالِحِيِّ.
مشيئة الله لا تتغير وقضاؤه لا يُرد

مشيئة الله لا تتغير وقضاؤه لا يُرد

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share