الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، تَبْصِرَةً لِأُولِي الْألْبَابِ، وَأَوْدَعَهُ مِنْ فُنُونِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ الْعَجَبَ الْعُجَابَ، وَجَعَلَهُ أَجَلَّ الْكُتُبِ قَدْرًا وَأَغْزَرَهَا عِلْمًا، وَأَعْذَبَهَا نَظْمًا وَأَبْلَغَهَا فِي الْخِطَابِ، قرآنا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، لا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا ارْتِيَابَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الأرباب، الذي عنت لقيوميته الوجوه وَخَضَعَتْ لِعَظَمَتِهِ الرِّقَابُ، فهو الخالق الذي لا يحتاج إلى مكان ولا زمان فهو الواحد الوهاب، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ مِنْ أَكْرَمِ الشُّعُوبِ وَأَشْرَفِ الشِّعَابِ، إِلَى خَيْرِ أُمَّةٍ بِأَفْضَلِ كِتَابٍ، اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الأنجاب.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”. وضعْ نصبَ عينيكَ قولَ اللهِ تعالى: “وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (التوبة:105) فاللهَ اللهَ عباد الله.
إخوة الإيمان والإسلام: سأحدثكمُ اليومَ عن أمر ورد ذكرُهُ في الآيةِ الثانيةِ ترتيبا في كتابِ اللهِ تعالى القرءانِ العظيم، أمر يبدأُ به كثيرٌ من المسلمين كلامَهم وخطبَهم، أمر فيه من المعاني والأسرارِ ما فيه، عنيتُ بذلك الحمدلة، أي قولُ الحمدُ لله، وقبل أن أبدأَ بالكلامِ على معناها وفضلِها، لعلّ قائلا يقول: كيف هي الآيةُ الثانيةُ ترتيبا في كتابِ الله الحكيم؟! فالجوابُ على ذلك أن أولَ ءايةٍ في كتابِ الله تعالى هي البسملةُ أي قولُ بسم الله الرحمن الرحيم، فهي ءايةٌ في الفاتحةِ يُجهرُ بها في الصلاةِ الجهريةِ كما هو في مذهبِ إمامِنا الشافعيّ، والآية الثانيةُ بعدها في سورةِ الفاتحةِ هي قولُ اللهِ تعالى: “الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” وقبل أن أشرعَ بالكلامِ على فضائلِ الحمدلةِ وأسرارِها، لا بد وأن أبين معنى الحمدُ لله، فاعلم أخي المسلم أن قولَكَ: “الحمدُ لله” أي أثني على اللهِ تعالى على ما أنعمَ علينا من النِّعَمِ التي لا تُعدُّ ولا تُحصى من غير وجوبٍ عليه عزّ وجل، فاللهُ تعالى لا ريبَ ولا شكَّ أنه لا يجبُ عليه شيءٌ، فالْحَمْدُ لِلَّهِ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ لإِنْعَامِهِ وَإِفْضَالِهِ عزّ وجلّ. وفي هذهِ الآيةِ الثانيةِ مِنْ سورةِ الفاتحةِ وصفُه سبحانَه وتعالى بربِّ العالمين، ومعناهُ المالكُ لكلِّ ما دخلَ في الوجودِ، فالمؤمنُ يحمَدُ ربَّهُ ويشكُرُه فهوَ المالكُ لكلِّ شيءٍ الخالقُ لكلِّ شيء، وهو سبحانه وتعالى مستغنٍ عنِ العالمين، فلذلكَ هو يستحقُّ الحمدَ والثناءَ والشكرَ على النِّعمِ التي أنعمَ بها عليهم بلا وجوبٍ عليه، فالواجبُ عَلَى المؤمنِ أن يقابلَ نِعَمَ اللهِ بالشكرِ لا بالمعصيةِ والجحودِ والعياذُ باللهِ تعالى.
إخوة الإسلام: روى النَّسائيُ(1) عن الصحابيِّ الجليلِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قالَ عبدي لا إلهَ إلَّا اللَّهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ قالَ –أي اللهُ تعالى– صدقَ عبدي لا إلهَ إلَّا أنا لي الملكُ وليَ الحمدُ” وَرَوَى الإمامُ مُسْلِمٌ في صحيحِهِ عَنْ الصحابيِّ الجليلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا“. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ الصحابيِّ الجليلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ“. وقد كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يُعْجِبُهُ أَوْ يُحِبُّهُ يقولُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْمُفْضِلِ، اللَّهُمَّ بِنِعْمَتِكَ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ” وَإِذَا أَتَاهُ الْأَمْرُ يَكْرَهُهُ يقول: “الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ“(2). فاحمدوا اللهَ تعالى إخوةَ الإسلام في كلِّ وقتٍ وحال، فقد كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ إِذَا ابْتَدَأَ حَدِيثَهُ: ”الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنَا، وَرَزَقْتَنَا، وَهَدَيْتَنَا، وَعَلَّمْتَنَا، وَأَنْقَذْتَنَا، وَفَرَّجْتَ عَنَّا، لَكَ الْحَمْدُ بِالْإِسْلَامِ، وَالْقُرْءانِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ، كَبَتَّ عَدُوَّنَا، وَبَسَطْتَ رِزْقَنَا، وَأَظْهَرْتَ أَمْنَنَا، وَجَمَعَتْ فُرْقَتَنَا، وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتَنَا، وَمِنْ كُلِّ مَا سَأَلْنَاكَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ حَمْدًا كَثِيرًا، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، أَوْ سِرًّا أَوْ عَلَانِيَةً، أَوْ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ”.
إخوةَ الإيمانِ: رُوِيَ عَنِ الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ حِينَ عَطَسَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ اللَّهُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ”. وَقَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: “وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ”. وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: “وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا)”. وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ“. وكذلك قال تعالى حكايةً عن أهلِ الجنة: “وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ”. فَهِيَ كَلِمَةُ كُلِّ شَاكِرٍ”(3). فاقتدوا بأنبياءِ اللهِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ، وأكثروا من قولِ هذه الكلمةِ العظيمةِ “الحمد لله”، فمهما أصابنا من بلاءٍ وهمٍّ فلنحمدِ اللهَ تعالى، فانظرْ أخي لأهلِنا في غزةَ وما حصل بهم ومع ذلك تجدُ الواحدَ منهم يكادُ لا يفتُرُ لسانُهُ عن حمدِ اللهِ وشكرِهِ،نسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَهم ويثبِّتَهم وينصرَهم، وأن يتقبَّلَ شهداءهم ويشفيَ جرحاهم، إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: في هذه الأيامِ يبدأُ أبناؤنا الطلبة بعملِ الامتحاناتِ النهائيةِ، ونجدُ كثيرًا منهم يمزِّقُ كتبَه المدرسية ويُلقيها في الأماكنِ المستقذرة، ولعلّه خفي عليهم أنه يكادُ لا يخلو كتابٌ من هذه الكتبِ من ذكر الله تعالى من نحوِ الحمدلةِ وغيرِه، فكم من كتابٍ منها يختِمهُ المؤلِّف بقولِ: “تم بحمدِ الله” فكيفَ بعدَ ذلك يجرؤُ من يجرؤ على تمزيقِها ورميِها في الأماكن المستقذرةِ وهو يعلمُ أنها تحتوي على أجملِ كلمةٍ في اللغةِ العربيةِ لفظِ الجلالةِ الله؟! فلنحذرْ من ذلك، ولنحذِّرْ جميعَ أبناءنا من ذلك، فمن أراد التخلّصَ من نحوِ هذهِ الكتبِ المشتملةِ على كلماتٍ معظمةٍ، فليعطِها مثلا لمن يعيدون تدويرَها بالطريقةِ المناسبةِ(4). نسأل الله تعالى أن يجعلَنا من الحامدين الذاكرين؛ المعظّمين لشعائرِهِ عزّ وجلّ، إنه على كل شيء قدير وبعباده لطيف خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم إنّا نستودعُكَ غزّةَ وأهلَها وأرضَها وسماءَها ورجالَها ونساءَها وأطفالَها ، فيا ربِّ احفظهم من كلِّ سوء. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اسقِنا الغيثَ ولا تجعلْنا من القانطين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- في سننه.
- رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.
- روى ذلك القرطبي في تفسيره.
- هنا الخطيب يقدّر هل يذكر لهم أن من خاف عليها التلف مثلا يستطيع أن يحرقها أو يضعها في مكان نظيف في البحر مثلا أو نحو ذلك.