بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الله، أما بعد:
المقدمة
قال الله تعالى
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
سُورَةَ النِّسَاء/103
الصَّلاةُ هِىَ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهَا وَيَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَدْخُلُ وَقْتُ كُلٍّ مِنْهَا وَكَيْفَ يَخْرُجُ.
ولا صَلاةَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ الْخَمْسِ عند الشافعية فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ نَوَافِلَ الصَّلَوَاتِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَسُنَّةِ الْعَصْرِ وَغَيْرِهِمَا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
أَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: “مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“، فَمَعْنَاهُ مَنْ تَرَكَ شَرِيعَتِي وَهُوَ كَارِهٌ طَرِيقَتِي الَّتِي جِئْتُ بِهَا فَهُوَ كَافِرٌ.
الدليل على وجوب الصلوات الخمس ولا مؤاخذة على ترك النوافل
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا صَلاةَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ الْخَمْسِ وَأَنَّهُ لا مُؤَاخَذَةَ عَلَى الشَّخْصِ بِتَرْكِ النَّوَافِلِ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأْسِ (أي شعره غير ممشط مما يدل على أنه مسافر) جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فَقَالَ: “خَمْسُ صَلَوَاتٍ” ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ فَعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسْلامِ فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلا أَنْقُصُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَقَالَ ﷺ: “أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ“، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
فَقَوْلُهُ ﷺ: “أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ” أَيْ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنَ النَّوَافِلِ وَلا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَّمَهُ مَا هُوَ فَرْضٌ وَمَا هُوَ حَرَامٌ.
بطلان ما شاع عند بعض العوام
- قَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّ الرَّسُولَ قَالَ مَنْ لَمْ يُصلِّ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي.
- وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ قَالَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ سُنَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ قِطْعَةُ لَحْمٍ.
- وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّهُ قَالَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ سُنَّتِي لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي يُرِيدُونَ بِهِ النَّوَافِلَ.
فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَلالٌ وَلا يَنْفَعُهُمْ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ حَثَّ النَّاسِ عَلَى النَّوَافِلِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: “إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ“.
أوقات الصلاة عن طريق الشمس والقمر
تَجِبُ مَعْرِفَةُ أَوْقَاتِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامِهَا الضَّرُورِيَّةِ.
قال رسول الله ﷺ
إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ
أَيْ لِلصَّلاةِ، حَسَّنَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الأَمَالِي وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ زِيَادَةُ ذِكْرِ “النُّجُومِ“
وَمَعْرِفَةُ الْمَوَاقِيتِ الأَصْلِيَّةِ الَّتِي عَلَّمَهَا الرَّسُولُ ﷺ للصَّحَابَةِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَلا يَجُوزُ تَرْكُ تَعَلُّمِهَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا عَمِلَهُ النَّاسُ مِنْ تَعْيِينِ مَوَاقِيتَ لِلْمُدُنِ كَعمَّان والْقَاهِرَةِ وَدِمْشَقَّ وَحَلَبَ وبيروت وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَ الأَوْقَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الْبُلْدَانِ.
الظهر
- أَوَّلُ وَقْتِهَا: زَوَالُ الشَّمْسِ أَيْ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ.
- انْتِهَاءُ وَقْتِهَا: أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ زَائِدًا عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ.
فَإِذَا صَارَ الظِّلُّ الْجَدِيدُ بَعْدَ طَرْحِ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ مِثْلَ الشَّىْءِ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ.
ظِلُّ الِاسْتِوَاءِ: هُوَ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ
وَسَطُ السَّمَاءِ: يُعْرَفُ عَلَى حَسَبِ تَحْدِيدِ الْجِهَاتِ بِالنَّجْمِ أَوْ بِالْبُوصِلَةِ الْمُجَرَّبَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا.
العصر
- أَوَّلُ وَقْتِهَا: أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ زَائِدًا عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ.
- انْتِهَاءُ وَقْتِهَا: بمغيب قرص الشمس كاملا في الأفق باعتبار الأرض المستوية وليس بمغيبها خلف الجبال كما قال بعض الجهال.
الدليل على معرفة انتهاء وقت صلاة العصر
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (أي عن أوقات الصلاة) فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا – أَوْ كَانَ – النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ، رواه البخاري.
شرح الحديث
- قال ابن رجب في شرحه على البخاري: مقصوده من هذا الحديث في هذا الباب صلاة النبي ﷺ المغرب إذا وجبت يعني الشمس، ووجوبها سقوطها، والمعنى إذا سقط قرص الشمس وذهب في الأرض وغاب عن أعين الناس.
- وقال ابن حجر في فتح الباري: إذا وجبت أي غابت وأصل الوجوب السقوط والمراد سقوط قرص الشمس وفيه دليل على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل والله أعلم.
المغرب
- أول وقتها: مَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ كُلِّهِ كما تقدم.
- وانتهاء وقتها: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ عند الشافعية.
الشَّفَقُ الأَحْمَرُ هُوَ الْحُمْرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فِي جِهَةِ الْغُرُوبِ.
العشاء
- أول وَقْتِهَا: مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَيْ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الأَحْمَرِ كُلِّهِ عند الشافعية وعند غيرهم يمتد أكثر من ذلك.
- وانتهاء وقتها: عند طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وليس إلى نصف الليل أو نحو ذلك.
الصبح
- أول وَقْتهَا: مِنْ بَعْدِ وَقْتِ الْعِشَاءِ أَيْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ.
- وانتهاء وقتها: عند طُلُوعِ أول جزء من الشَّمْسِ باعتبار الأرض المستوية.
الفجر الصادق
هُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ (أي الضوء الأبيض الذي يخرج بالعرض) فِي الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ (في جهة الشرق) الَّذِي يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَنْتَشِرُ وَيَتَوَسَّعُ.
الفجر الكاذب
يَسْبِقُ الْفَجْرَ الصَّادِقَ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ وَهُوَ بَيَاضٌ عَمُودِيٌّ يَظْهَرُ فِي جِهَةِ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ وَهُوَ لا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ وَقْتِ الصُّبْحِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اقْتِرَابِ دُخُولِهِ.
حكم تقديم الصلاة أو تأخيرها عن الوقت
يَحْرُمُ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِهَا وَتَأْخِيرُهَا عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ قَدَّمَ الصَّلاةَ عَلَى وَقْتِهَا لا تَصِحُّ صَلاتُهُ وَمَنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ عَصَى اللَّهَ بِتَأْخِيرِهِ.
وَأَشَدُّ الْمَعْصِيَتَيْنِ مَعْصِيَةُ التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ وَلا تَقَعُ صَلاتُهُ أَدَاءً وَلا قَضَاءً.
وقولنا لِغَيْرِ عُذْرٍ خرَجَ مَا إِذَا كَانَ التَّقْدِيمُ أَوِ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لا إِثْمَ فِي ذَلِكَ.
وَالْعُذْرُ فِي ذَلِكَ مَا يُبِيحُ الْجَمْعَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِشُرُوطِهِ.