الحَمدُ للهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ، المُؤمِنِ المُهَيمِنِ العَلَّامِ، الَّذِي مَنَّ عَلَينَا بِأَن هَدَانَا إِلَى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، وَبَيَّنَ لَنَا شَرَائِعَ الدِّينِ مِنَ الحُدُودِ وَالأَحكَامِ، وَمَنَاهِجَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ وَلَا حَدَّ وَلَا زَوجَةَ وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ حَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ عُيُونِنَا وَسَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبِيبُهُ. اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
أَمَّا بَعدُ، عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وَطَاعَتِهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ﴾.
إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرَى لِلمُسلِمِينَ﴾، قَد أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الشَّرِيعَةَ لِأَهدَافٍ عَظِيمَةٍ وَغَايَاتٍ جَلِيلَةٍ كُبرَى جُملَتُهَا رَامِيَةٌ إِلَى تَحقِيقِ مَصَالِحِ العِبَادِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَضَبطِ تَعَامُلَاتِهِم فِيمَا بَينَهُم وَحِفظِ حُقُوقِهِم، فَقَد جَاءَت هَذِهِ الشَّرِيعَةُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ وَصَلَاحًا وَفَوزًا وَسَعَادَةً، وَلَعَلَّ مِن أَهَمِّ مَقَاصِدِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ حِفظَ النَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ وَصِيَانَتَهَا وَحِفظَ الدِّمَاءِ مِن أَن تُهدَرَ وَتُسفَكَ بِغَيرِ حَقٍّ، بَل قَد حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى مَا يُؤَدِّي إِلَى القَتلِ وَيُشَجِّعُ وَيُعِينُ القَاتِلَ عَلَيهِ، هَذَا مَعَ بَيَانِ مَا يَنَالُهُ القَاتِلُ مِنَ العَذَابِ الأَلِيمِ العَظِيمِ فِي الآخِرَةِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، أَي مَن يَقتُلُهُ مُستَحِلًّا لِدَمِهِ فَلَا يَكُونُ مُسلِمًا بَل هُوَ مُخَلَّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لَا يَخرُجُ مِنهَا أَبَدًا.
وَقَد صَحَّ عِبَادَ اللهِ أَنَّ قَتلَ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ هُوَ أَعظَمُ ذَنبٍ يَقتَرِفُهُ العَبدُ بَعدَ الشِّركِ وَالكُفرِ بِاللهِ تَعَالَى، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الذَّنبِ عِندَ اللهِ أَكبَرُ؟ فَقَالَ: «أَن تَجعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قِيلَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ خَشيَةَ أَن يَطعَمَ مَعَكَ»، قِيلَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: «أَن تُزَانِيَ بحَلِيلَةِ جَارِكَ»، ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى تَصدِيقًا لِقَولِ نَبِيِّنَا ﷺ قَولَهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزنُونَ﴾.
وَمَعَ كُلِّ هَذَا، كَم نَسمَعُ اليَومَ بِإِيذَاءِ المُسلِمِينَ بِغَيرِ حَقٍّ بِالقَتلِ أَوِ الضَّربِ أَوِ الشَّتمِ أَو أَخذِ المَالِ أَو غَيرِ ذَلِكَ، بَل كَم نَسمَعُ اليَومَ مِن حَالَاتِ قَتلٍ عَلَى أَسبَابٍ تَافِهَةٍ وَعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قَلِيلٍ زَائِلٍ، فَهَذِهِ رِسَالَةٌ إِلَى كُلِّ مَن يَتَجَرَّأُ عَلَى إِرَاقَةِ دَمِ مُسلِمٍ بِغَيرِ حَقٍّ: اتَّقِ اللهَ تَعَالَى، خَف مِن عَذَابِ اللهِ تَعَالَى يَومَ القِيَامَةِ، فَأَينَ سَتَذهَبُ مِن عِقَابِ اللهِ تَعَالَى وَحِسَابِهِ لَكَ عَلَى ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ؟
إِنِ اعتَمَدتَ فِي الدُّنيَا عَلَى حِمَايَةِ أَهلِكَ أَو عَشِيرَتِكَ لَكَ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ: ﴿ يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امرِئٍ مِنهُم يَومَئِذٍ شَأنٌ يُغنِيهِ﴾، وَإِن كُنتَ تَعتَمِدُ فِي الدُّنيَا عَلَى حِمَايَةِ مَالِكَ لَكَ وَتَقُولُ: أَدفَعُ الدِّيَةَ وَلَا يَهُمُّنِي، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ: ﴿وَمَا يُغنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾، وَإِن كُنتَ تَعتَمِدُ فِي الدُّنيَا عَلَى حِمَايَةِ الجَاهِ وَالسُّلطَانِ وَأَن لَا أَحَدَ يَستَطِيعُ مُحَاسَبَتَكَ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الَّذِي يَرَى عَذَابَ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ: ﴿مَا أَغنَى عَنِّي مَالِيَه * هَلَكَ عَنِّي سُلطَانِيَه﴾.
اتَّقِ اللهَ تَعَالَى، فَالآخِرَةُ أَمَامَ الجَمِيعِ، وَعَذَابُ اللهِ شَدِيدٌ، يَومَ لَا يَضِيعُ حَقٌّ لِأَحَدٍ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا، ﴿فَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهلِهِ مَسرُورًا * وَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهرِهِ * فَسَوفَ يَدعُو ثُبُورًا * وَيَصلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهلِهِ مَسرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾.
نَسأَلُ اللهَ أَن يَجعَلَنَا مِنَ المُتَّقِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤذُونَ وَلَا يُؤذَونَ، وَحَفِظَنَا اللهُ تَعَالَى مِنَ الشُّرُورِ وَالآثَامِ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم فَيَا فَوزَ المُستَغفِرِينَ.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ طَهَ الأَمِينِ، عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، فَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُوهُ.
إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، إِنَّ قَتلَ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ هُوَ أَشَدُّ الذُّّنُوبِ بَعدَ الكُفرِ، أَمَّا مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالفِتنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ﴾، وَقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالفِتنَةُ أَكبَرُ مِنَ القَتلِ﴾، فَهَاتَانِ الآيَتَانِ وَرَدَتَا فِي سِيَاقِ الرَّدِّ عَلَى المُشرِكِينَ حَيثُ عَيَّرُوا المُسلِمِينَ بِالقَتلِ فِي الأَشهُرِ الحُرُمِ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَن يُبَيِّنَ لَهُم أَنَّ كُفرَهُمُ الَّذِي هُم عَلَيهِ وَإِشرَاكُهُم بِاللهِ تَعَالَى أَكبَرُ مِن قَتلِ رَجُلٍ أَو رَجُلَينِ فِي الشَّهرِ الحَرَامِ، فَمَعنَى الفِتنَةِ فِي الآيَتَينِ: الفِتنَةُ فِي الدِّينِ أَيِ الكُفرُ، وَلَيسَ المُرَادُ أَنَّ مَن يَفتِنُ بَينَ رَجُلَينِ أَي يَنقُلُ قَولًا بَينَهُمَا لِلإِفسَادِ أَنَّ هَذَا أَشَدُّ وَأَكبَرُ مِن قَتلِ المُسلِمِ، بَل هَذَا الكَلَامُ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ القُرءَانِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ القَولُ بِهِ وَتَفسِيرُ الآيَةِ بِهِ، بَلِ النَّمِيمَةُ وَنَقلُ القَولِ لِلإِفسَادِ بِمُجَرَّدِهِمَا لَيسَا أَشَدَّ مِن قَتلِ المُسلِمِ عَمدًا بِغَيرِ حَقٍّ مَعَ كَونِهِ حَرَامًا، وَقَد تَوَارَدَت عَلَى ذَلِكَ نُصُوصُ العُلَمَاءِ وَالمُفَسِّرِينَ.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَجعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ وَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ، وَأَن يُجَنِّبَنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
وَاعلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ يَأمُرُكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، يَأمُرُكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾.
اللهم صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللهم اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، اللهم اغفِر لِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، اللهم لَا تَحرِمنَا أَجرَهُم، وَلَا تَفتِنَّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللهم لَنَا وَلَهُم. اللهم انصُرِ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، اللهم أَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، اللهم عَلَيكَ بِالكَفَرَةِ أَعدَاءِ الدِّينِ، اللهم اضرِبِ الكَافِرِينَ بِالكَافِرِينَ، اللهم أَخرِجِ المُسلِمِينَ مِن بَينِ أَيدِيهِم سَالِمِينَ، اللهم سَلِّم غَزَّةَ، اللهم ثَبِّت إِخوَانَنَا المُرَابِطِينَ فِي غَزَّةَ، اللهم ارفَعِ البَلَاءَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ وَالسُّودَانِ وفِي سَائِرِ البُلدَانِ.
اللهم أَغِث قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ وَاليَقِينِ. اللهم اجعَل بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً رَخَاءً آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَوَفِّق مَلِكَ البِلَادِ إِلَى خَيرِ البِلَادِ وَالعِبَادِ.
عِبَادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.