بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
يَجُوزُ لِلمُسَافِرِ قَصرُ الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِأَن يُصَلِّيهَا رَكعَتَينِ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيرِهَا مِن ثُنَائِيَّةٍ وَثُلاثِيَّةٍ، وَهَذَا إِذَا كَانَ غَرَضُهُ مِنَ السَّفَرِ صَحِيحًا (وَسَيَأتِي مَا مَعنَى الغَرَضِ الصَّحِيحِ هُنَا)، أَمَّا إِن سَافَرَ لِيَعمَلَ مَعصِيَةً فِي بَلَدٍ ءَاخَرَ فَهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ هَذِهِ الرُّخصَةُ.
شروط قصر الصلاة في السفر
يَجُوزُ لِلمُسَافِرِ أَن يَقصُرَ الصَّلَاةَ بِخَمْسِ شَرَائِطَ:
أَن يَكُونَ سَبَبُ سَفَرِهِ فِي غَيرِ مَعصِيَةٍ
وَهُوَ المُرَادُ بِالغَرَضِ الصَّحِيحِ الَّذِي مَرَّ ذِكرُهُ، بِأَن يَكُونَ وَاجِبًا كَالسَّفَرِ لِقَضَاءِ دَينٍ أَو حَجٍّ وَعُمرَةٍ لِمَن وَجَبَت عَلَيهِ، أَو مَندُوبًا كَالسَّفَرِ لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَو لِزِيَارَةِ قَبرِ النَّبِىِّ ﷺ، أَو مُبَاحًا كَسَفَرِ تِجَارَةٍ، أَو مَكرُوهًا كَالسَّفَرِ مُنفَرِدًا، أَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ كَالسَّفَرِ لِقَطعِ الطَّرِيقِ فَلَا يَتَرَخَّصُ فِيهِ بِقَصَرٍ وَلَا جَمعٍ.
أَن تَكُونَ مَسَافَةُ السَّفَرِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرسَخًا تَحدِيدًا
أَو أَكثَرَ، وَهَذَا عَلَى القَولِ الأَصَحِّ وَهُنَاكَ أَقوَالٌ أُخرَى، وَهَذِهِ المَسَافَةُ يُسَمِّيهَا العُلَمَاءُ (مَسِيرَةَ مَرحَلَتَينِ) أَي مَسِيرَةَ يَومَينِ بِسَيرِ الأَثقَالِ وَدَبِيبِ الأَقدَامِ المُعتَادَينِ (أَي بِالسُّرعَةِ الَّتِي يَمشِي بِهَا رَجُلٌ عَلَى قَدَمَيهِ مَعَهُ جَمَلٌ مُحَمَّلٌ بِالأَثقَالِ مَعَ حِسَابِ مُدَّةِ الاستِرَاحَةِ لَيلًا، أَي المَسَافَةُ الَّتِي يَقطَعُهَا بِهَذِهِ السُّرعَةِ مَعَ اعتِبَارِ أَنَّهُ يَمشِي فِي النَّهَارِ وَيَستَرِيحُ فِي اللَّيلِ) فَلَا تُحسَبُ مُدَّةُ الرُّجُوعِ مِنهَا (بَل مَسَافَةُ الذَّهَابِ فَقَط لَا بُدَّ أَن تَكُونَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرسَخًا أَو أَكثَرَ وَلَيسَ مَسَافَةَ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ) وَالفَرسَخُ ثَلاثَةُ أَميَالٍ هَاشِمِيَّة وَحِينَئِذٍ فَمَجمُوعُ الفَرَاسِخَ ثَمَانِيَةٌ وَأَربَعُونَ مِيلًا وَالمِيلُ أَربَعَةُ ءَالافِ خَطوَةٍ وَالخَطوَةُ ثَلاثَةُ أَقدَامٍ (فَتَكُونُ المَسَافَةُ هِيَ 81 كِيلُو مِتر تَقرِيبًا عَلَى أَحَدِ الأَقوَالِ).
أَن يَكُونَ القَاصِرُ مُؤَدِّيًا لِلصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ
أَي يُصَلِّيهَا أَدَاءً لَا قَضَاءً، أَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي فَاتَتهُ فِي غَيرِ السَّفَرِ فَلا تُقضَى مَقصُورَةً فِى السَّفَرِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي فَاتَتهُ فِي السَّفَرِ فَيَجُوزُ أَن تُقضَى مَقصُورَةً فِي السَّفَرِ لَا فِي الحَضَرِ.
الصَّلَاةِ أَن يَنوِيَ المُسَافِرُ قَصرَ مَعَ التَّكبِيرِ
فَيَقُولُ مَثَلًا: (أُصَلِّي فَرضَ الظُّهرِ قَصرًا).
أَن لَا يَقتَدِيَ فِى صَلَاتِهِ بِمُقِيمٍ
أَى لَا يَصِحُّ أَن يَقتَدِيَ بِمَن يُصَلِّي صَلَاةَ المُقِيمِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ التَّامَّةُ غَيرُ المَقصُورَةِ وَلَو كَانَ الإِمَامُ مُسَافِرًا لَكِنَّهُ لَم يَقصُر صَلَاتَهُ لَا يَصِحُّ أَن يَقتَدِيَ بِهِ إِن أَرَادَ قَصرَ صَلَاتِهِ، لَكِن يَصِحُّ بِالعَكسِ وَهُوَ أَن يَكُونَ الإِمَامُ يَقصُرُ الصَّلَاةَ وَالمَأمُومُ مُتِمًّا.
جمع الصلاة مع غيرها في السفر
مِن رُخَصِ السَّفَرِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَن يَجمَعَ بَينَ صَلَاتَي الظُّهرِ وَالعَصرِ تَقدِيمًا وَتَأخِيرًا وَأَن يَجمَعَ بَينَ صَلاتَي المَغرِبِ وَالعِشَاءِ كَذَلِكَ أَي تَقدِيمًا وَتَأخِيرًا.
شروط جمع التقديم
يُشتَرَطُ لِجَمعِ التَّقدِيمِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
أَن يَبدَأَ بِالظُّهرِ قَبلَ العَصرِ وَبِالمَغرِبِ قَبلَ العِشَاءِ
فَلَو عَكَسَ بِأَن بَدَأَ بِالعَصرِ قَبلَ الظُّهرِ مَثَلًا لَم تَصِحَّ العَصرُ وَيُعِيدُهَا بَعدَ الظُّهرِ إِن أَرَادَ الجَمعَ وَاكتَمَلَت شُرُوطُهُ البَاقِيَةِ.
أَن تَقَعَ نِيَّةُ الجَمعِ فِي أَثنَاءِ الصَّلاةِ الأُولَى
بِأَن تَقَعَ نِيَّةُ الجَمعِ فِيهَا وَلَو مَعَ التَّكبِيرَةِ أَوِ مَا بَعدَهَا إِلَى السَّلامِ فَلَو نَوَى الجَمعَ فِي نِصفِ الصَّلَاةِ الأُولَى كَفَى، وَلَا يَكفِى تَقدِيمُهَا عَلَى التَّحَرُّمِ وَلا تَأخِيرُهَا عَنِ السَّلامِ مِنَ الصَّلَاةِ الأُولَى.
المُوَالاةُ بَينَ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ
بِأَن لَا يَطُولَ الفَصلُ بَينَهُمَا، فَإِن طَالَ عُرفًا أَي بِقَدرِ رَكعَتَينِ بِأَخَفِّ مُمكِنٍ وَلَو بِعُذرٍ كَنَومٍ وَجَبَ تَأخِيرُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقتِهَا، وَأَمَّا الفَصلُ اليَسِيرُ عُرفًا فَلَا يَضُرُّ.
شرط جمع التأخير
يُشتَرَطُ لِجَمعِ التَّأخِيرِ شَرطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَن يَكُونَ بِنِيَّةِ الجَمعِ فِي وَقتِ الأُولَى، فَلَا بُدَّ مِن أَن يَنوِيَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الأُولَى فِي وَقتِ الأُولَى، وَيَجُوزُ تَأخِيرُ النِّيَّةِ إِلَى أَن يَبقَى مِن وَقتِ الأُولَى مَا يَسَعُ الصَّلاةَ عَلَى القَولِ المُعتَمَدِ، فَيَقُولُ فِي قَلبِهِ مَثَلًا: (نَوَيتُ تَأخِيرَ صَلَاةِ الظُّهرِ إِلَى وَقتِ العَصرِ).
قَالَ الرَّملِيُّ فِي كِتَابِ النِّهَايَةِ: المُعتَمَدُ أَنَّهُ إِذَا تَأَخَّرَ وَلَم يَنوِ وَقَد بَقِيَ مِنَ الوَقتِ مَا لَا يَسَعُهَا كَامِلَةً عَصَى اهـ.
وَلَا يَجِبُ فِي جَمعِ التَّأخِيرِ تَرتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ وَلَا نِيَّةُ جَمعٍ أَثنَاءَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الثَّلَاثَةِ.
حكم الجمع للمطر
يَجُوزُ لِلحَاضِرِ أَيِ المُقِيمِ غَيرِ المُسَافِرِ فِي وَقتِ المَطَرِ أَن يَجمَعَ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالمَغرِبِ وَالعِشَاءِ فِى وَقْتِ الأُولَى مِنْهُمَا لَا فِى وَقتِ الثَّانِيَةِ.
شروط الجمع للمطر
يُشتَرَطُ لِلجَمعِ لِلمَطَرِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
- أَن يَكُونَ المَطَرُ بِحَيثُ يَبُلُّ أَعلَى الثَّوبِ وَأَسفَلَ النَّعلِ وَإِن لَم يَكُن المَطَرُ قَوِيًّا جِدًا، بِشَرطِ وُجُودِ الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ فِى جَمعِ التَّقدِيمِ.
- وُجُودُ المَطَرِ فِى أَوَّلِ الصَّلاتَينِ وَعِندَ السَّلامِ مِنَ الأُولَى وَبَينَ الصَّلاتَينِ عَلَى المُعتَمَدِ سَوَاءٌ نَزَلَ المَطَرُ فِى غَيرِ ذَلِكَ أَم لا.
- تَختَصُّ رُخصَةُ الجَمعِ بِالمَطَرِ بِالمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ بِمَسجِدٍ أَو غَيرِهِ مِن مَوَاضِعِ الجَمَاعَةِ إِذَا كَانَ بَعِيدًا عُرفًا بِحَيثُ يَتَأَذَّى الذَّاهِبُ إِلَيهِ بِالمَطَرِ فِى طَرِيقِهِ، أَمَّا المُصَلِّي مُنفَرِدًا فِي بَيتِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الجَمعُ لِلمَطَرِ.
فَإِن فُقِدَ شَيءٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَصِحُّ الجَمعُ لِلمَطَرِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هذه المسألة مجموعة ومختصرة من:
- فتح الوهاب للشيخ زكريا الأنصاري.
- أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري.
- متن الغاية والتقريب لأبي شجاع وشروحاته.
- روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي.