بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
إن الله تعالى قد جعل في الأموال حقوقا واجبات ونفقات مستحبات، فمن الحقوق الواجبة في الأموال النفقة في الأقارب والزوجة وملك اليمين والبهائم.
ما هي النفقة؟
- النفقة لُغَةً: مأخوذة من الإنفاق وهو الإخراج، لأن الرجل يخرج ماله أي يدفعه لينفق على زوجته وأقاربه.
- النفقة شَرعًا: طَعَامٌ وَاجِبٌ لِزَوجَةٍ أَو خَادِمِهَا عَلَى زَوجٍ، أَو لِأَصلٍ عَلَى فَرعٍ، أَو لِفَرعٍ عَلَى أَصلٍ، أَو لِمَملُوكٍ عَلَى مَالِكٍ.
ما هو حكم ترك النفقة؟
ترك النفقة الواجبة من كبائر الذنوب.
الدليل على النفقة
مما يدل على أن النفقة تجب على الرجل في حق زوجته وبعض أقاربه وما تملك يمينه، ما جاء في القرءان الكريم والحديث الشريف:
قال الله تعالى
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
سورة البقرة: 233
وقال رسول الله ﷺ
اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُم أَخَذتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ وَاستَحلَلتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ وَلَهُنَّ عَلَيكُم رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بِالمَعرُوفِ
رواه مسلم
معنى قوله ﷺ بِأَمَانَةِ اللهِ
قاله القرطبيُّ في الْمفهم: أي أن الله ائتمنكم عليهن فاحفظوا الأمانة وصونوها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها. اهـ
معنى قوله ﷺ بِكَلِمَةِ اللهِ
قيلَ بإباحةِ اللهِ وقيل بالصيغةِ التي شرعها اللهُ مِن إيجابٍ وقَبول، ذكره النووي في شرحه على مسلمٍ وغيرِهِ.
قال رسول الله ﷺ
لِلمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكِسوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ
رواه مسلم
أسباب وجوب النفقة
للنفقة ثلاثة أسباب هي:
- القرابة
- والملكية
- والزوجية
القرابة
القرابة الموجبة للنفقة نوعان
- الوَالِدُون أو (الأصول): كالأباء والأجداد والأمهات والجدات، فيجِبُ عَلَى الوَلَدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أُصُولِهِ (أي الوالِدِين) إِنْ كَانُوا مُعْسِرِينَ (أَي فُقَرَاءَ) وَلَو كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى العَمَلِ وَالكَسبِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيهِ ذَلِكَ إِنِ اسْتَطَاعَ (أَي إِن كَانَ يَملِكُ زِيَادَةً عَمَّا يَحتَاجُ لِنَفَقَةِ زَوجَتِهِ وَأَولَادِهِ)، وَإِذَا لَم يَكُن يَعمَلُ فَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَعمَلَ لِيَكسِبَ المَالَ لِيُنفِقَ عَلَيهِم إِن استَطَاعَ.
- المَولُودُون أو (الفُرُوع): كالأولاد وأولادهم من ذكور وإناث، فَتَجِبُ نَفَقَةُ الْفُرُوعِ مِنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ إِنْ أَعْسَرُوا عَمَّا يَكْفِيهِمْ وَعَجَزُوا عَنِ الْكَسْبِ لِصِغَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَي مَرَضٍ يَمنَعُهُم مِنَ الكَسبِ كَالمَشلُولِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَجْزُهُمْ عَنْ كِفَايَةِ أَنْفُسِهِمْ لِجُنُونٍ أَوْ عَمًى.
وَأَمَّا الْبَالِغُ غَيْرُ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبٍ فَلا يَجِبُ عَلَى الأَصْلِ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فلا فَرْقَ عنده بَيْنَ الْفَرْعِ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى.
فائدة
لَو كَانَ الوَلَدُ يَستَطِيعُ أَن يَعمَلَ عَمَلًا يَكسِبُ مِنهُ المَالَ أَو يَستَطِيعُ أَن يَتَعَلَّمَهُ كَأَن كَانَ قَادِرًا عَلَى تَعَلُّمِ حِرفَةٍ مَثَلًا وَكَانَ هَذَا العَمَلُ لَائِقًا بِهِ، جَازَ لِلوَلِيِّ أَن يَحْمِلَهُ عَلَيهِ أَي أَن يَجعَلَهُ يَعمَلُ فِيهِ وَيُنفِقُ عَلَيهِ مِنَ المَالِ الَّذِي يَكسِبُهُ، وَلَو امتَنَعَ الوَلَدُ أَو هَرَبَ لَزِمَ الوَلِيَّ الإِنفَاقُ عَلَيهِ.
ما الذي يجب للأصول (الوَالِدُون) والفروع (المَولُودُون) من النفقة؟
النَّفَقَةُ الَّتِي تَجِبُ فِي حَقِّ الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ هِيَ الْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى اللَّائِقَةُ بِهِمْ وَالْقُوتُ (وهو ما يقوم به البدن، كالخبز والأرز والعدس) وَالإِدَامُ اللَّائِقُ بِهِمْ (وهو ما يؤكل مع القوت، كاللحم واللبن والحمص ونحو ذلك)، وَلا يَجِبُ عَلَيْهِ إِطْعَامُهُمْ إِلَى حَدِّ الْمُبَالَغَةِ فِي الشِّبَعِ لَكِنْ أَصْلُ الإِشْبَاعِ وَاجِبٌ، فَهِذِهِ النَّفَقَةُ غَيرُ مُقَدَّرَةٍ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ بَل يَجِبُ مَا تَحصُلُ بِه الكِفَايَةُ فِي هَذِهِ الحَاجَاتِ الأَصلِيَّةِ المَذكُورَةِ.
معنى حديث أنت ومالك لأبيك
قال رسول الله ﷺ: أنتَ ومَالُكَ لأَبِيْكَ. رواه البيهقي
أَي يَجبُ علَيكَ أن تَخدِمَه ببَدنِكَ إنِ احتَاجَ الأمرُ إلى خِدمَةٍ بدَنِيّةٍ، وأنْ تُحسِنَ إلَيهِ بمالِكَ إنْ كانَ فَقِيرًا مُحتَاجًا فإنّك مُلزَمٌ بنفَقَتِه، إذَا مَرِضَ يَجِبُ علَيكَ أنْ تَتعاهَدَه وتَعتَنِيَ به، حتى لو كانَ الأبُ يَستَطِيعُ أن يَعمَلَ ويَكفِيَ نَفْسَه لكنّهُ لم يَفعَلْ يَجِبُ على الوَلَدِ أنْ يَكفِيَه النّفقةَ مِنْ كِسوةٍ ومَطعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَسكَنٍ، وإنْ طَلبَ الأبُ شَيئًا زائدًا فعَلَى قَولِ بعضِ العُلَماءِ كذلِكَ يجبُ علَيهِ أنْ يُعطِيَه لكن ليسَ إلى حدِّ الإسرافِ، وإن كانَ الولَدُ لا يَدفَعُ الأبُ لهُ أنْ يَأخُذَ بنَفسِه، ومِثلُ الأبِ الأمُّ في ذلك. هذا ظَاهِرُ الحديث.
الملكية
يجب على مَن ملك رقيقًا عبدًا أو أمة نفقتُهُ، فيجب أن يشبعه الشِّبَع الْمعتاد أو ما قارَبَه، ويجبُ أَن يَكسُوَهُ مِما يُكسَى بِهِ العَبِيدُ غَالِبًا، ومَن مَلَكَ بهِيمَةً فعَلَيه عَلْفُها وسَقْيُها بِقَدرِ الكِفَايَةِ أَي بِقَدرِ وُصولِهَا لِأَوَّلِ الشِّبَعِ.
قال رسول الله ﷺ
إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ مَلَّكَكُمُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ
رواه البخاري
الزوجية
حق الزوجة في النفقة
يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ الْمُمَكِّنَةِ نَفْسَهَا لَهُ وَلَوْ كَانَتْ زوجته أَمَةً مَمْلُوكَةً أَو كَانَت غَيرَ مُسلِمَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَاجِزَةُ عَنِ التَّمْكِينِ لِمَرَضٍ.
معنى الْمُمَكِّنَةِ نَفْسَهَا لَهُ
أَي الزَّوجَةِ الَّتِي هِيَ عِندَهُ فِي بَيتِهِ وَلَم تَمتَنِع إِن أَرَادَ جِمَاعَهَا.
أَمَّا لَو عَمِلَ عَقدَ النِّكَاحِ لَكِن لَم تُمَكِّنهُ مِن نَفسِهَا بَعدُ بَل مَا زَالَت فِي بَيتِ أَبِيهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ نَفَقَتُهَا
ما مقدار النفقة الواجبة؟
النفقة تشمل الطعام والملبس.
نفقة الطعام
وَهَذِهِ النَّفَقَةُ هِيَ فِي الْمَذْهَبِ:
- مُدَّانِ مِنَ الطَعَامِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَلَى مُوسِرٍ حُرٍّ (أَي مَن وَصَلَ إِلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الغِنَى، وَلَيسَ شَرطًا أَن يَكُونَ غَنِيًّا جِدًّا)
- وَمُدٌّ لِكُلِّ يَوْمٍ عَلَى مُعْسِرٍ (فقير)
- وَمُدٌّ وَنِصْفٌ لِكُلِّ يَوْمٍ عَلَى مُتَوَسِّطٍ (أَي كَانَ بَينَ المُوسِرِ وَالمُعسِرِ).
الطعام: المُرَادُ بِهِ القُوتُ مِن قَمحٍ وَنَحوِهِ
المُدُّ: حَفنَةٌ تَملَأُ الكَفَّينِ المُعتَدِلَتَينِ
واجبات الزوج في الخدمة:
وَيَجِبُ عَلَى الزَّوجِ طَحْنُ القُوتِ وَعَجْنُهُ وَخَبْزُهُ، لَكِن لَا يَجِبُ أَن يَقُومَ بِذَلِكَ بِنَفسِهِ، بَل لَو استَأجَرَ مَن يَفعَلُ ذَلِكَ كَفَى.
أنواع الأطعمة واللحوم:
يَجِبُ عَلَى الزَّوجِ أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ (وَهُوَ مَا يُؤكَلُ مَعَ القُوتِ مِن نَحوِ الحِمَّصِ) وَيَخْتَلِفُ بِالْفُصُولِ فيجب في كل فصلٍ ما جرَتْ به عادةُ الْمُوسِرينَ فيه ومِنَ اللحمِ ما يليقُ بحالِ زوجِها جنسًا وقدرًا ووقتًا ويجب لها أيضًا الفاكهةُ الَّتِي تَغلِبُ فِي أوقَاتِها كَخَوخٍ وتِينٍ ومِشمِشٍ وَنَحوُ ذلك مِمَّا جرَتْ به العَادَةُ منَ الكَعكِ والسَّمَكِ.
تقديم اللحم:
وَيَجِبُ أَن يُطعِمَهَا مِنَ اللَّحْمِ على حَسَبِ العَادَةِ وأَدْنَاهُ مَرّةً في الأُسبُوع، والأَوْلَى أنْ يَكُونَ يَومَ الجُمعَةِ.
وَيُقَدِّرُ الأُدمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ عِنْدَ الِاخْتِلافِ وَيَتَفَاوَتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ.
فائدة: حكم نفقة الزوجة إذا جلب الزوج الطعام وتناولته معه
صَحَّحَ النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أنّه لو جلب الزوج طعاما وأكَلَتْ معَه الزوجة على العَادَةِ كما يفعل الناس اليوم سَقَطَتْ نفَقَتُها لإطبَاقِ النّاسِ علَيهِ في عَصرِ رَسُولُ اللهِ ﷺ والمهاجِرينَ والأنصَار وسَائرِ الأعصَارِ بَعدَه ولم يُنقَل أنّ امرأةً طَالَبَت بنفَقَتِها بَعدَه ولو كانَت لا تَسقُطُ لأعْلَمَهُم بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولقَضَاهُ مِن تَركَاتِهم.
نفقة الملبس
وَيَجِبُ لَهَا كِسْوَةٌ تَكْفِيهَا وَءَالَةُ تَنْظِيفٍ للجسد أي ما تُنظِّفُ بهِ المرأةُ نَفسَها وبدنها فيَلزَمُهُ أن يَجلِبَ لها الصّابونَ مَثَلًا أو ما يَقُومُ مَقامَه، وإن كانت ممن يخدم مثلها فعلى الزوج إخدامها.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.
المصادر
هذه المسائل مجموعة وملخصة من:
- فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب للشيخ زكريا.
- شرح ابن قاسم الغزي على متن أبي شجاع.
- أسنى المطالب للشيخ زكريا.
- المصباح المنير للإمام الفيومي.
- روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي.