المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول
بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَومِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيتِ مَن استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا
قال رسول الله ﷺ
رَأسُ الأَمرِ الإِسلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ
جاءت الصلاة في المرتبة الثانية بعد الشهادتين. فهي مِنْ أظْهَرِ معالمه وأعظم شعائره وأنفع ذخائره وهي بعد الشهادتين ءاكَدُ مَفْروضٍ وأعظم معروضٍ وأجلُّ طاعةٍ وأرجى بضاعة، خُضوعٌ وخشوعٌ، وافتقارٌ واضطرارٌ، ودعاءٌ وثناءٌ، وتحميدٌ وتمجيد، وتذلُّلٌ لله العليِّ الحميد.
الصلاة واجبة على كل مسلم، بالغ، عاقل، طاهر أي غير الحائض والنفساء، وقد فُرِضت الصلاة في مكة قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة بسنتين، وذلك في رحلة الإسراء والمعراج.
ويجب خمسُ صلواتٍ في اليوم والليلة فرضَ عينٍ على كل مسلم في أوقاتها، فيحرم تقديمها على وقتها أو تأخيرها عنه لغير عذر.
أهمية ومنزلة الصلاة
أعطى الإسلام الصلاة منزلة كبيرة فهي أول ما أوجبه الله من العبادات، كما أنها أول عبادة يُحَاسب عليها المسلم يوم القيامة.
قال الله تعالى
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلاَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ
رواه مسلم
هذه الصلواتُ الخمسُ شأنها عظيمٌ عندَ الله فلا تُضيّعوها، فإنها أفضلُ الأعمالِ بعدَ الإيمانِ باللهِ ورسولِه.
الدعاء بعد الصلوات المكتوبات
لعظيم شأن الصلاة جعل الله الدعاء عَقِبَها مَرجُوَّ الإجابَةِ.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: “جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ” أي بعد الصلوات المكتوبات،رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فمن حفظها وحافظ عليها بتعلم أحكامها وأداها على ما يوافق شرع الله فقد فاز ونجا ومن ضيعها فقد خاب وخسر وكان لما سواها أضيع.
فعلينا أن نحافظ عليها في حال صحة والمرض والضيق والسعة وحال الأمن والخوف. فالصلاة سر النجاح وأصل الفلاح، والمحافظة عليها عنوان الصدق والإيمان، والتهاون بها علامة الخزي والخسران.
الصلاة أول عبادة يحاسب عليها المسلم
قال رسول الله ﷺ
أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ لَهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِه
رواه الطبراني
معنى الحديث الذي لا يُصلِحُ صَلاَتَهُ دَخَلَ الفَسَادُ إلى سائرِ أعمالِهِ، مَن كَانَتْ صَلاتُهُ صحيحةً مقبولةً سائرُ أَعمالِهِ تكونُ صحيحةً مقبولةً على التَمَامِ، وأمَّا مَنْ كَانَتْ صلاتُهُ غيرَ صحيحةٍ يَدخُلُ الخَللُ إلى سائرِ أعمالِه، وليسَ معناهُ أَنَّهُ ليس لَهُ ثوابٌ في أعمالِه، مَنْ تَصَدَّقَ وكَانَ تَارِكًا للصَّلاةِ لا تُكتَبُ لَهُ كاملةً كالذي يُقِيمُ الصَّلاةَ.
فبعدَ سماعِ هذا كلِّهِ كيفَ يُقَصِّرُ أحدٌ في صلاتِه ويَحْرِمُ نفْسَه هذه الفضيلة.
أدلة الصلاة من القرآن الكريم
ورد في القرآن آيات في وجوب الصلاة منها:
قال الله تعالى
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
سورة البقرة
قال الله تعالى
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
سورة البقرة
قال الله تعالى
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
سورة البقرة
قال الله تعالى
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
سورة البقرة
قال الله تعالى
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
سورة البقرة
قال الله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
سورة البقرة
أدلة الصلاة من السنة النبوية
من عظيم منزلة الصلاة في الإسلام أنها فرضت في رحلة هي من اعظم الرحل لرسول الله ﷺ والتي كان لها شأن عظيم وفائدة كبيرة، ألا وهى رحلة الإسراء والمعراج.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: فُرِضت الصلاة على النبي ليلة أُسرِيَ به خمسين صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودِيَ يا محمد إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين. رواه البخاري ومسلم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول
بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَومِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيتِ مَن استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا
عَنْ عُبَادَةَ بن الصامت رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ
خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ
رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى والدارمي والبيهقي وغيرهم
عن بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال
العَهدُ الذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ
أي ارتكب ذنبا كبيرا يشبه الكفر، وليس معناه أن من ترك الصلاة كافر خارج عن ملة الإسلام.
حكم تارك الصلاة
تارك الصلاة إذا كان قد تركها جاحدا لوجوبها مع علمه بأن الله تعالى أمر بها فهذا كافر مرتد بإجماع الأمة.
ومن تركها جهلا منه بوجوبها كالذي أسلم من وقت قريب أو تركها كسلا وهو لا ينكر وجوبها لم يُحكَم بكفره، ولكن عليه معصية من أكبر الذنوب.
والَّذِي يَتْرُكُ الصَّلاةَ كَسَلًا إِذَا مَاتَ يُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ تَجْهِيزُهُ بِالغَسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلاةِ عَلَيْهِ وَالدَّفْنِ.
قضاء الصلاة لمن فاتته
لا كفارة للصلاة الا القضاء
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا.
قَالَ الامام الشيرازي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا”.
قضاء الصلاة لمن فاتته بعذر
الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى الْفَوْرِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إن كانت فاتته بعذر كالنسيان والنوم، فَإِنْ أَخَّرَهَا جَازَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْوَادِي، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهَا.
قضاء الصلاة لمن فاتته بغير عذر
إنْ تَرَكَ الصلاة بِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي التَّأْخِيرِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ عدة فالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِنْ قَضَاهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ جَازَ لِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ اُسْتُحِقَّ لِلْوَقْتِ فَسَقَطَ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَقَضَاءِ الصَّوْمِ.
نصر الله هذا الدين بكم وايدكم بالحق
جزاك الله خيرا وبارك الله فيكم جميعا