كيف حج رسول الله ﷺ حجة الوداع

كيف حج رسول الله ﷺ حجة الوداع

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ عَشرَ سِنِينَ يُضَحِّي كُلَّ عَامٍ، يَغزُو المَغَازِي وَلَا يَحُجُّ، حَتَّى كَانَ فِي ذِي القَعدَةِ مِنَ السَّنَةِ العَاشِرَةِ عَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى الحَجِّ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ أَنَّهُ حَاجٌّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَن حَولَ المَدِينَةِ، فَلَم يَبقَ أَحَدٌ يُرِيدُ أَو يَقدِرُ أَن يَأتِيَ إِلَّا قَدِمَ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَوَافَاهُ فِي الطَّرِيقِ خَلَائِقُ لَا يُحصَونَ، وَكَانُوا مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ وَعَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ مَدَّ البَصَرِ، كُلُّهُم يَلتَمِسُ أَن يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَعمَلَ مِثلَ عَمَلِهِ.

ذكر خروجه ﷺ من المدينة الشريفة

صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهرَ بِالمَدِينَةِ أَربَعًا، وَخَطَبَ النَّاسَ وَعَلَّمَهُم مَا أَمَامَهُم مِنَ المَنَاسِكِ، ثُمَّ تَجَرَّدَ فِي ثَوبَينِ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَرَكِبَ، ثُمَّقَالَ ﷺ: «اللهم اجعَلْهُ حَجًّا مَبرُورًا، لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمعَةً».

وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ نَهَارًا بَعدَ الظُّهرِ لِخَمسٍ بَقِينَ مِن ذِي القَعدَةِ يَومَ السَّبتِ، وَقِيلَ يَومَ الخَمِيسِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَ يَخرُجُ مِنهَا، وَصَلَّى فِي مَسجِدِهَا.

ذكر نزوله ﷺ بذي الحليفة

سَارَ ﷺ حَتَّى أَتَى ذَا الحُلَيفَةِ، وَهُوَ مَكَانٌ مِن وَادِي العَقِيقِ، فَنَزَلَ بِهِ فِي مَوضِعِ المَسجِدِ المَوجُودِ بِذِي الحُلَيفَةِ اليَومَ لِيَجتَمِعَ إِلَيهِ أَصحَابُهُ، وَصَلَّى بِهِمُ العَصرَ رَكعَتَينِ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الوَادِي، وَقَد جَاءَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِوَادِي العَقِيقِ: «أَتَانِي جِبرِيلُ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ».

ثُمَّ بَاتَ بِذِي الحُلَيفَةِ، وَصَلَّى المَغرِبَ وَالعِشَاءَ، وَالصُّبحَ وَالظُّهرَ، فَصَلَّى بِهَا خَمسَ صَلَوَاتٍ، وَكَانَت نِسَاؤُهُ مَعَه كُلُّهُنَّ في الهَوَادجِ (‌جمع ‌هودج وَهُوَ مركب النِّسَاء على الْإِبِل)، وَكُنَّ تِسعَةً. وَسَاقَ ﷺ هَديَهُ.

ذكر إحرامه ﷺ 

لَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الصُّبحَ اغتَسَلَ، وَغَسَلَ رَأسَهُ بِخِطمِيٍّ (الْخِطْمِيُّ: هُوَ شَجَرٌ مِنَ الأَشْجَارِ الَّتِي هِيَ صَغِيرَةُ الْحَجْمِ يُؤْخَذُ أَصْلُهَا أَوْ وَرَقُهَا يُنَظِّفُ مِثْلَ الصَّابُونِ، زَهْرُهُ إِلَى الْبَيَاضِ) وَأُشنَانٍ (‌الأُشْنان: تُغْسَل بِهِ الأَيدي عَلَى أَثر الطَّعَامِ، يشبه الصابون في عصرنا هذا). وَجَاءَ فِي وَصفِ غُسلِهِ ﷺ أَنَّهُ حَرَّكَ رَأسَهُ بِيَدَيهِ جَمِيعًا فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، وَطَيَّبَتهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي بَدَنِهِ وَرَأسِهِ حَتَّى كَانَ وَبِيصُ المِسكِ (الْوَبِيصُ: الْبَرِيقُ وَاللَّمَعَانُ) يُرَى مِن مَفَارِقِهِ (مفرق الرَّأْسِ بِكَسْرِ الرَّاءِ: وَسَطُهُ) وَلِحيَتِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ، ثُمَّ استَدَامَهُ وَلَم يَغسِلْهُ، وَعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا قَالَت: “كَأَنِّي أَنظُرُ إِلى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفرِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَ أَيَّامٍ وَهُوَ مُحرِمٌ”، ثُمَّ لَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، وَلَم يَنهَ عَن شَيءٍ مِنَ الأَردِيَةِ (جمع رداء) إِلَّا المُزَعفَرَة (أي؛ ولا يلبس المُحرِم من الثّياب شيئًا مَسّه زعفران).

وَسَأَلَهُ ﷺ رَجُلٌ: مَا يَلبَسُ المُحرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْوَرْسُ (بفتح الواو، وسكون الراء: نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به)، وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ».

وَوَلَدَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ زَوجَةُ أَبِي بَكرٍ بِذِي الحُلَيفَةِ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي بَكرٍ، فَأَرسَلَت أَبَا بَكرٍ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقُولُ: كَيفَ أَصنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ (بالِاسْتِثْفَارِ: وَهُوَ أَنْ تَشُدَّ فِي وَسَطِهَا شَيْئًا وَتَأْخُذَ خِرْقَةً عَرِيضَةً تَجْعَلُهَا عَلَى مَحَلِّ الدَّمِ وَتَشُدَّ طَرَفَيْهَا مِنْ قُدَّامِهَا وَمِنْ وَرَائِهَا فِي ذَلِكَ الْمَشْدُودِ فِي وَسَطِهَا وَهُوَ شَبِيهٌ بِثَفَرِ الدَّابَّةِ بِفَتْحِ الْفَاءِ)، وَأَحْرِمِي»، وَأَمَرَهَا أَن تَصنَعَ مَا يَصنَعُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالبَيتِ».

ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ صَلَّى رَكعَتَيِ الإِحرَامِ، فَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُمَا قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَركَعُ بِذِي الحُلَيفَةِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ إِذَا استَوَت بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِندَ مَسجِدِ ذِي الحُلَيفَةِ أَهَلَّ” (يُقَالُ: أَهَلَّ المُحْرم بِالْحَجِّ يُهِلُّ إِهْلَالًا، إِذَا لَبَّى وَرَفَعَ صَوْتَه)، قَالَ النَّوَوِيُّ: “فِيهِ استِحبَابُ صَلَاةِ رَكعَتَينِ عِندَ إِرَادَةِ الإِحرَامِ، وَيُصَلِّيهِمَا قَبلَ الإِحرَامِ” إِلى آخرِهِ.

ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ القَصوَاء (وَهُوَ لَقَبُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والقَصْوَاء: النَّاقَةُ الَّتِي قُطِع طَرَف أُذنِها)، وَاستَقبَلَ القِبلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ لَبَّى.

ذكر إهلاله ﷺ وفي أي مكان أهلَّ

رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَن أَبِي دَاوُدَ المَازِنِيِّ، وَكَانَ مِن أَهلِ بَدرٍ، قَالَ: “خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ مَسجِدَ ذِي الحُلَيفَةِ، فَصَلَّى فِيهِ أَربَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَهَلَّ فِي المَسجِدِ، فَسَمِعَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِي المَسجِدِ فَقَالُوا أَهَلَّ مِنَ المَسجِدِ، وَأَهَلَّ حِينَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَقَالَ الَّذِينَ عِندَ المَسجِدِ أَهَلَّ حِينَ استَوَت بِهِ رَاحِلَتُهُ، ثُمَّ لَمَّا استَوَى عَلَى البَيدَاءِ أَهَلَّ، فَسَمِعَهُ الَّذِينَ عَلى البَيدَاءِ فَقَالُوا أَهَلَّ مِنَ البَيدَاءِ (‌البَيْدَاء: الْمَفَازَةُ الَّتِي لَا شَيْءَ بِهَا، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ، وَهِيَ هَاهُنَا اسْمُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ بَيْن مكَّة وَالْمَدِينَةِ، وَأَكْثَرُ مَا تَرِدُ ويُرَاد بِهَا هَذِهِ)، وَصُدِّقُوا كُلُّهُم”.

ذكر الاختلاف فيما أهلّ به ﷺ:

اختُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَربَعَةِ أَقوَالٍ:

  1. الأَوَّلُ: الإِفرَادُ بِالحَجِّ.
  2. الثَّانِي: القِرَانُ.
  3. الثَّالِثُ: التَّمَتُّعُ.
  4. الرَّابِعُ: الإِطلَاقُ.

فَهَذِهِ أَربَعَةُ أَقوَالٍ: الإِفرَادُ، وَالقِرَانُ، وَالتَّمَتُّعُ، وَالإِطلَاقُ، وَتَحقِيقُهُ أَنَّهُ أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ، ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ، فَأَهَلَّ أَيضًا، ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا استَقَلَّت بِهِ عَلى البَيدَاءِ، وَكَانَ يُهِلُّ بِالحَجِّ وَالعُمرَةِ تَارَةً، وَبِالعُمرَةِ تَارَةً، وَبِالحَجِّ تَارَةً لِأَنَّ العُمرَةَ جُزءٌ مِنهُ، فَمِن ثَمَّ قِيلَ: قَرَنَ، وَقِيلَ: تَمَتَّعَ، وَقِيلَ: أَفرَدَ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعدَ صَلَاةِ الظُّهرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَالحَافِظُ ابن حجر: وَطَرِيقُ الجَمعِ بَينَ الأَحَادِيثِ: أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مُفرِدًا بِالحَجِّ، ثُمَّ أَحرَمَ بِالعُمرَةِ بَعدَ ذَلِكَ، وَأَدخَلَهَا عَلى الحَجِّ فَصَارَ قَارِنًا، فَمَن رَوَى الإِفرَادَ هُوَ الأَصلُ، وَمَن رَوَى القِرَانَ اعتَمَدَ آخرَ الأَمرِ، وَمَن رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ، وَهُوَ الانتِفَاعُ وَالارتِفَاقُ.

ذكر لفظ تلبيته ﷺ 

لَبَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَرَفَعَ صَوتَهُ بِالتَّلبِيَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَصحَابُهُ.

ذكر مسيره ﷺ

مَضَى رَسُولُ الله ﷺ يَسِيرُ المَنَازِلَ وَيَؤُمُّ أَصحَابَهُ فِي الصَّلَوَاتِ فِي مَسَاجِدَ لَهُ، قَد بَنَاهَا النَّاسُ وَعَرَفُوا مَوَاضِعَهَا، ثُمَّ سَارَ ﷺ وَهُوَ يُلَبِّي تَلبِيَتَهُ المَذكُورَةَ، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوحَاءِ (براء مفتوحة، فواو ساكنة، فحاء مهملة، فألف، وبالمدّ: موضع بين الحرمين على ثلاثة، أو أربعة أميال من المدينة) رَأَى حِمَارًا وَحشِيًا عَقِيرًا (أَيْ أَصَابَهُ عَقْر وَلَمْ يمُت بَعْدُ)، قَالَ: «دَعُوهُ، يُوشِكُ أَن يَأتِيَ صَاحِبُهُ»، فَجَاءَ صَاحِبُهُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لرَسُولِ الله ﷺ: «شَأُنُكُم بِهَذَا الحِمَارِ»، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكرٍ فَقَسَمَهُ بَينَ الرِّفَاقِ.

ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بِالأَثَايَةِ (الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ بِطَرِيقِ الجُحفَة إِلَى مَكَّةَ) بَينَ الرُّوَيثَةِ (موضع بين الحرمين) وَالعَرْجِ (وَهُوَ مَوْضِع بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) إِذَا ظَبيٌ حَاقِفٌ (أَيْ نَائِمٌ قَدِ انْحَنَى فِي نَوْمه) فِي ظِلٍّ وَفِيهِ سَهمٌ، فَأَمَرَ أَبَا بَكرٍ الصِّديقَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ أَن يَقِفَ عِندَهُ لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزُوهُ.

وَالفَرقُ بَينَ قِصَّةِ الظَّبِي وَقِصَّةِ الحِمَارِ أَنَّ الَّذِي صَادَ الحِمَارَ كَانَ حَلَالًا، فَلَم يُمنَع مِن أَكلِهِ، وَهَذَا لَم يُعلَم أَنَّهُ حَلَالٌ وَهُم مُحرِمُونَ، فَلَم يَأذَن لَهُم فِي أَكلِهِ، وَوَكَّلَ مَن يَقِفُ عِندَهُ لِئَلَّا يَأخُذَهُ أَحَدٌ حَتَّى يُجَاوِزُوهُ.

ذكر نزوله ﷺ بالعرْج

سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِالعَرْجِ، وَكَانَت زَامِلَتُهُ وَزَامِلَةُ أَبِي بَكرٍ وَاحِدَةً (الزَّامِلَةُ هِيَ الإِبِلُ الَّتِي تُحمَلُ عَلَيهَا المَتَاعُ)، وَكَانَت مَعَ غُلَامٍ لِأَبِي بَكرٍ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ إِلى جَانِبِهِ وَعَائِشَةُ إِلى جَانِبِهِ الآخَرِ، وَأَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ إِلى جَانِبِهِ، وَأَبُو بَكرٍ يَنتَظِرُ الغُلَامَ أَن يَطلَعَ عَلَيهِ، فَطَلَعَ وَلَيسَ مَعَهُ البَعِيرُ، فَقَالَ: أَينَ بَعِيرُكَ؟ فَقَالَ: أَضلَلتُهُ البَارِحَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ وَكَانَ فِيهِ حِدَّةٌ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ؟

وَلَمَّا بَلَغَ آلَ فَضَالَةَ الأَسلَمِيِّ أَنَّ زَامِلَةَ رَسُولِ الله ﷺ ضَلَّت حَمَلُوا لَهُ جَفنَةً (أَعظم القِصاعِ ‌الجَفْنَةُ) مِن حَيسٍ (هُوَ الطَّعام المتَّخَذ مِنَ التَّمر والأقِط والسَّمْن)، فَأَقبَلُوا بِهَا حَتَّى وَضَعُوهَا بَينَ يَدَي رَسُولِ الله ﷺ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَلُمَّ يَا أَبَا بَكرٍ، فَقَد جَاءَ اللهُ تعالى بِغِذَاءٍ أَطيَبَ، ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَهلُهُ وَأَبُو بَكرٍ وَمَن كَانَ مَعَهُ حَتَّى شَبِعُوا. فَأَقبَلَ صَفوَانُ بنُ المُعَطِّلِ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنهُ، وَكَانَ عَلَى سَاقَةِ النَّاسِ، وَالبَعِيرُ مَعَهُ وَعَلَيهِ الزَّامِلَةُ، فَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ عَلى بَابِ مَنزِلِ رَسُولِ الله ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ: مَتَاعُكَ، فَقَالَ: مَا فَقَدتُ شَيئًا إِلَّا قَعْبًا (‌القَعْب يُروي الرجُل) كُنَّا نَشرَبُ فِيهِ، فَقَالَ الغُلَامُ: هَذَا القَعْبُ مَعِي، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ لِصَفوَانَ: أَدَّى اللهُ عَنكَ الأَمَانَةَ.

وَجَاءَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ وَابنُهُ قَيسٌ رَضِيَ الله تَعَالى عَنهُمَا وَمَعَهُمَا زَامِلَةٌ تَحمِلُ زَادًا يَؤُمَّانِ رَسولَ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَا رَسولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا بِبَابِ مَنزِلِهِ قَد رَدَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيهِ زَامِلَتَهُ، فَقَالَ سَعدٌ: يَا رَسولَ اللهِ بَلَغَنَا أَنَّ زَامِلَتَكَ ضَلَّتِ الغَدَاةَ، وَهَذِهِ زَامِلَةٌ مَكَانَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَد جَاءَ اللهُ بِزَامِلَتِنَا، فَارجِعَا بِزَامِلَتِكُمَا، بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا».

ذكر مروره ﷺ بالأبواء

مَضَى رَسُولُ اللهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالأَبوَاءِ، وَهُوَ المَكَانُ الَّذِي دُفِنَت فِيهِ أُمُّهُ آمِنَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَهدَى لَهُ الصَّعبُ بنُ جثَامَةَ حِمَارَ وَحشٍ، فَرَدَّهُ، وَقَالَ: «إِنَّا لَم نَرُدَّهُ عَلَيكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» أَي مُحرِمِينَ.

ذكر مروره ﷺ بوادي عسفان

لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ بِوَادِي عُسْفَانَ حِينَ حَجَّ، قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» قَالَ: وَادِي عُسْفَانَ، قَالَ: «لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصَالِحٌ عَلَى بَكرَاتٍ (البَكْر بِالْفَتْحِ: الفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْأُنْثَى ‌بَكْرَة) حُمْرٍ خُطُمُهَا (الْخُطُمُ جَمْعُ‌‌ ‌خِطَامٍ، وَهُوَ الحَبْل الَّذِي يُقَاد بِهِ الْبَعِيرُ) اللِّيفُ، أُزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ (‌النِّمار: كلُّ شَمْلَةٍ مُخَطَّطة مَنْ مَآزِر الْأَعْرَابِ فَهِيَ نَمِرة، وجمعُها: نِمار، كَأَنَّهَا أخِذت مِنْ لَوْنِ النّمِر؛ لِمَا فِيهَا مِنَ السَّواد والبَياض. وَهِيَ مِنَ الصِّفات الْغَالِبَةِ، أَرَادَ أَنَّهُ جَاءَهُ قومٌ لابِسي أُزُرٍ مُخطَّطة مِنْ صُوف)، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ».

ذكر مروره ﷺ بسَرِف (هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ: مَوْضِعٌ مِنْ مَكَّةَ عَلَى عَشْرة أَمْيَالٍ. وَقِيلَ أقلَ وأكْثر)

وَكَانَ يَومَ الاثنَينِ، فَغَرَبَت لَهُ الشَّمسُ بِسَرِفَ، فَحَاضَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَقَد كَانَت أَهَلَّت بِعُمرَةٍ، فَدَخَلَ عَلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ تَبكِي، فَقَالَ: «أَنَفِسْتِ؟» (يَعْنِي الْحَيْضَةَ) قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي»

وَقَالَ ﷺ لِأَصحَابِهِ: “مَن لَم يَكُن مَعَهُ هَديٌ فَأَحَبَّ أَن يَجعَلَهَا عُمرَةً فَليَفعَل، وَمَن كَانَ مَعَهُ هَديٌ فَلَا”. وَلَم يَنسَخ ذَلِكَ شَيءٌ، بَل سَأَلَهُ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ عَن هَذِهِ العُمرَةِ الَّتِي أَمَرَهُم بِالفَسخِ إِلَيهَا: هَل هِيَ لِعَامِهِم ذَلِكَ أَم لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَل لِلأَبَدِ، وَإِنَّ العُمرَةَ قَد دَخَلَت فِي الحَجِّ إِلى يَومِ القِيَامَةِ.

ذكر نزوله ﷺ بذي طوى ودخوله مكة

نَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى أَن نَزَلَ بِذِي طُوَى، فَبَاتَ بِهَا لَيلَةَ الأَحَدِ، لِأَربَعٍ خَلَونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، وَصَلَّى بِهَا الصُّبحَ، ثُمَّ اغتَسَلَ مِن يَومِهِ، وَنَهَضَ إِلى مَكَّةَ مِن أَعلَاهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ العُليَا، الَّتِي تُشرِفُ عَلى الحَجُونِ، وَهِيَ ثَنِيَّةُ كَدَاءٍ (كَداء بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الثَّنِيَّة العُلْيا بِمَكَّةَ ممَّا يَلِي المَقابِر وَهُوَ المَعْلا).

ذكر طوافه ﷺ

سَارَ ﷺ حَتَّى دَخَلَ المَسجِدَ وَقتَ ضُحًى، فَعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنهُمَا قَالَ: “دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَدَخَلنَا مَعَهُ مِن بَابِ عَبدِ مَنَافٍ، وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ النَّاسُ: بَابَ بَنِي شَيبَةَ”، وَخَرَجَ مِن بَابِ بَنِي مَخزُومٍ إِلى الصَّفَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلى البَيتِ وَاستَقبَلَهُ وَرَفَعَ يَدَيهِ وَكَبَّرَ، قَالَ: «اللهم أَنتَ السَّلَامُ، وَمِنكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللهم زِدْ هَذَا البَيتَ تَشرِيفًا، وَتَعظِيمًا، وَتَكرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَن عَظَّمَهُ، مِمَّن حَجَّهُ أَوِ اعتَمَرَهُ، تَكرِيمًا وَتَشرِيفًا وَتَعظِيمًا وَبِرًّا». وَلَم يَركَعْ تَحِيَّةَ المَسجِدِ، فَإِنَّ تَحِيَّةَ المَسجِدِ الحَرَامِ الطَّوَافُ. وَكَانَ طَوَافُهُ ﷺ فِي هَذِهِ المَرَّةِ مَاشِيًا.

فَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: “دَخَلْنَا مَكَّةَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى، فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَابَ الْمَسْجِدِ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَبَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثًا (الرَّمَلُ وَهُوَ الإِسْرَاعُ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي الأَشْوَاطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ) وَمَشَى أَرْبَعًا حَتَّى فَرَغَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ”.

إِنَّ حَجَّةَ الوَدَاعِ كَانَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَنواعٍ مِنَ الطَّوَافِ، هَذَا الأَوَّلُ، وَالثَّانِي طَوَافُ الإِفَاضَةِ، وَهُوَ طَوَافُ الفَرضِ وَكَانَ يَومَ النَّحرِ، وَالثَّالِثُ طَوَافُ الوَدَاعِ. فَلَعَلَّ رُكُوبَهُ ﷺ كَانَ فِي أَحَدِ الأَخِيرَينِ، أَو فِي كِلَيهِمَا، فَأَمَّا الأَوَّلُ وَهُوَ طَوَافُ القُدُومِ فَكَانَ مَاشِيًا فِيهِ.

فَلَمَّا حَاذَى ﷺ الحَجَرَ استَلَمَهُ، وَلَم يُزَاحِم عَلَيهِ، وَقَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْوَكَبِّرْ».

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ بَينَ الرُّكنَينِ اليَمَانِيِّ وَالحَجَرِ الأَسوَدِ: «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ».

وَرَمَلَ ﷺ فِي طَوَافِهِ هَذَا الثَّلَاثَةَ الأَشوَاطَ، الأَوَّلُ مِنَ الحَجَرِ إِلى الحَجَرِ، كَانَ يُسرِعُ مَشيَهُ، وَيُقَارِبُ بَينَ خُطَاهُ، وَاضطَبَعَ بِرِدَائِهِ، فَجَعَلَهُ على أَحَدِ كَتِفَيهِ، وَأَبدَى كَتِفَهُ الآخَرَ وَمَنكِبَهُ، وَكُلَّمَا حَاذَى الحَجَرَ الأَسوَدَ أَشَارَ إِلَيهِ وَاستَلَمَهُ بِمِحجَنِهِ وَقَبَّلَ المِحجَنَ، وَهُوَ عَصًا مَحنِيَّةُ الرَّأسِ.

فَلَمَّا فَرَغَ مِن طَوَافِهِ جَاءَ إِلى خَلفِ المَقَامِ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [سورة البقرة: ١٢٥]، فَصَلَّى رَكعَتَينِ وَالمَقَامُ بَينَهُ وَبَينَ البَيتِ، قَرَأَ فِيهِمَا بَعدَ الفَاتِحَةِ بِسُورَتَي الإِخلَاصِ، قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾، فَلَمَّا فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ أَقبَلَ إِلى الحَجَرِ الأَسوَدِ فَاستَلَمَهُ.

ذكر سعيه ﷺ

خَرَجَ ﷺ إِلى الصَّفَا مِنَ البَابِ الَّذِي يُقَابِلُهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنهُ قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ابدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ، ثُمَّ رَقَى عَلَيهِ حَتَّى رَأَى البَيتَ، فَاستَقبَلَ البَيتَ وَوَحَّدَ اللهَ تَعَالَى وَكَبَّرَ، وَقَالَ: «لَا إِله إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لَا إِله إِلَّا اللهُ وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ».

وَسَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَاشِيًا أَوَّلًا ثُمَّ أَتَمَّ سَعيَهُ رَاكِبًا، وَقَد جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ عَن أَبِي الطُّفَيلِ قَالَ: “قُلْتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا؛ أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ”.

وَكَانَ ﷺ إِذَا وَصَلَ إِلى المَروَةِ رَقِيَ عَلَيهَا وَاستَقبَلَ البَيتَ وَكَبَّرَ اللهَ وَوَحَّدَهُ وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَلى الصَّفَا.

ذكر سيره ﷺ ونزوله بالأبطح

سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبلَ يَومِ التَّروِيَةِ بِيَومٍ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى نَزَلَ الأَبطَحَ شَرقِيَّ مَكَّةَ فِي قُبَّةٍ حَمرَاءَ مِن أَدَمٍ ‌ضُرِبَت لَهُ هُنَاكَ.

وَعِندَ الإِمَامِ أَحمَدَ وَالشَّيخَينِ عَن عَونَ بنِ أَبِي جُحَيفَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: “دُفِعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ بِالْأَبْطَحِ فِي قُبَّةٍ، كَانَ بِالْهَاجِرَةِ، خَرَجَ بِلَالٌ فَنَادَى بِالصَّلَاةِ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ فَضْلَ وَضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَوَقَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَأْخُذُونَ مِنْهُ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ (‌العنزة فبتح الْعَيْنِ وَالزَّايِ، وَهِيَ عَصًا طَوِيلَةٌ فِي أَسْفَلِهَا زُجٌّ وَيُقَالُ رُمْحٌ قَصِيرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَصْحِبُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ صَلَّى فَيَحْتَاجُ إِلَى نَصْبِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَكُونَ حَائِلًا يُصَلِّي إِلَيْهِ)، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ سَاقَيْهِ (الْوَبِيصُ: البَرِيق)، فَرَكَزَ الْعَنَزَةَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ”، وَقَالَ: “كَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ”.

ذكر يوم التروية

لَمَّا كَانَ قَبلَ يَومِ التَّروِيَةِ بِيَومٍ خَطَبَ ﷺ بِمَكَّةَ بَعدَ الظُّهرِ، وَكَانَ يَومَ الخَمِيسِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ بِمَن مَعَهُ مِنَ المُسلِمِينَ إِلى مِنًى، فَأَحرَمَ بِالحَجِّ مَن كَانَ أَحَلَّ مِنهُم فِي رِحَالِهِم وَلَم يَدخُلُوا المَسجِدَ فَأَحرَمُوا مِنهُ، بَل أَحرَمُوا وَمَكَّةُ خَلفَ ظُهُورِهِم، فَلَمَّا وَصَلَ إِلى مِنًى نَزَلَ بِهَا فَصَلَّى بِهَا الظُّهرَ وَالعَصرَ وَبَاتَ بِهَا، وَكَانَت لَيلَةَ الجُمُعَةِ. 

ذكر يوم عرفة

فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ سَارُوا مِن مِنًى إِلى عَرَفَةَ، وَأَخَذَ عَلى طَرِيقِ ضَبٍّ. وَلَا تَشُكُّ قُرَيشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ كَمَا كَانَت قُرَيشٌ تَصنَعُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَى أَتَى نَمِرَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَد ضُرِبَت لَهُ هُنَاكَ بِأَمرِهِ، فَنَزَلَ فِيهَا، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ أَمَرَ بِنَاقَتِهِ القَصوَاءِ فَرَحَلَت لَهُ، فَأَتَى بَطنَ الوَادِي مِن أَرضِ عَرَفَةَ، فَوَقَفَ بِالهضبَاتِ مِن عَرَفَاتٍ، وَقَالَ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوقِفٌ إِلَّا بَطنَ عُرَنَةَ» أَي بِالنُّونِ (‌بَطْنِ ‌عُرَنَة: هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الرَّاءِ: موضعٌ عِنْدَ المَوْقِف بعرفات)، فَخَطَبَ النَّاسَ قَبلَ الصَّلَاةِ عَلى رَاحِلَتِهِ خُطبَةً عَظِيمَةً، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الرُّكَّابِينَ، وَجَعَلَ بَطنَ نَاقَتِهِ القَصوَاءِ وَهُوَ عَلَيهَا إِلى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ المُشَاةِ بَينَ يَدَيهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَن يَرتَفِعُوا عَن بَطنِ عُرَنَةَ بِالنُّونِ، وَوَقَفَ ﷺ مِن لَدُنِ الزَّوَالِ إِلى أَن غَرَبَتِ الشَّمسُ، وَهُوَ يَدعُو اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَيَبتَهِلُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيهِ رَافِعًا يَديَهِ إِلى صَدرِهِ، وَأَخبَرَهُم أَنَّ خَيرَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ.

ذكر دعاءه ﷺ يوم عرفة

مِمَّا حُفِظَ مِن دُعَائِهِ ﷺ هُنَاكَ: “اللهم لَكَ الحَمدُ كَالَّذِي نَقُولُ، وَخَيرًا مِمَّا نَقُولُ، اللهم لَكَ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحيَايَ، وَمَمَاتِي، وَإِلَيكَ مَآبِي، وَلَكَ تُرَاثِي (مَا يُخَلِّفه الرجُل لِوَرَثَتِهِ)، اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَوَسوَسَةِ الصَّدرِ، وَشَتَاتِ الأَمرِ، اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا يَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ، وَمِن شَرِّ مَا يَلِجُ فِي اللَّيلِ، وَشَرِّ مَا يَلِجُ فِي النَّهَارِ، وَشَرِّ بَوَائِقِ الدَّهرِ (يُقَالُ للداهِية والبَلِيّة تَنْزِلُ بِالْقَوْمِ: أَصابتهم ‌بَائِقَةٌ). اللهم إِنَّكَ تَسمَعُ كَلَامِي، وَتَرَى مَكَانِي، وَتَعلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، لَا يَخفَى عَلَيكَ شَيءٌ مِن أَمرِي، أَنَا البَائِسُ الفَقِيرُ، المُستَغِيثُ المُستَجِيرُ، الوَجِلُ المُشفِقُ، المُقِرُّ المُعتَرِفُ بِذَنبِهِ، أَسأَلُكَ مَسأَلَةَ المِسكِينِ، وَأَبتَهِلُ إِلَيكَ ابتِهَالَ المُذنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَن خَضَعَت لَكَ رَقَبَتُهُ، وَفَاضَت لَكَ عَبرَتُهُ، وَذَلَّ جَسَدُهُ، وَرَغِمَ أَنفُهُ لَكَ، اللهم لَا تَجعَلْنِي بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَكُن بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا يَا خَيرَ المَسؤُولِينَ، وَيَا خَيرَ المُعطِينَ، لَا إِله إِلَّا أَنتَ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمدُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللهم اجعَل فِي قَلبِي نُورًا، وَفِي صَدرِي نُورًا وَفِي سَمعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، اللهم اشْرَحْ لِي صَدرِي، وَيَسِّر لِي أَمرِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِن وَسوَاسِ الصَّدرِ، وَشَتَاتِ الأَمرِ، وَفِتنَةِ القَبرِ، اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ مَا يَلِجُ فِي اللَّيلِ وَشَرِّ مَا يَلِجُ فِي النَّهَارِ، وَشَرِّ مَا تَهَبُّ بِهِ الرِّيَاحُ، وَمِن شَرِّ بَوَائِقِ الدَّهرِ”.

وَأُنزِلَ عَلَيهِ هُنَاكَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣].

أمر حدث يوم عرفة

هُنَاكَ حَصَلَت مَعَ بَعضِ الصَّحَابَةِ حَادِثَةٌ أَخَذَ العُلَمَاءُ مِنهَا أَدِلَّةً وَفَوَائِدَ مُهِمَّةً، فَعِندَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَصحَابِهِ فِي عَرَفَاتٍ وَقَعَ رَجُلٌ مُحرِمٌ عَن بَعِيرِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوبَيهِ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ» أَي لَا تُغَطُّوا رَأسَهُ «فَإِنَّ اللهَ يَبعَثُهُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».

وَمَعنَى الحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَقَعَ عَن رَاحِلَتِهِ فَانكَسَرَ عُنُقُهُ فَمَاتَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَن يُغَسَّلَ بِالمَاءِ وَالسِّدرِ وَأَن يُكَفَّنَ فِي ثَوبَيهِ، فَمِنَ الفَوَائِدِ الَّتِي أَخَذَهَا العُلَمَاءُ مِن هَذِهِ الحَادِثَةِ أَنَّ حُكمَ الإِحرَامِ بَاقٍ فِي المُحرِمِ بَعدَ مَوتِهِ، وَأَنَّ التَّكفِينَ فِي الثِّيَابِ المَلبُوسَةِ جَائِزٌ وَأَنَّ التَّكفِينَ وَاجِبٌ وَهُوَ إِجمَاعٌ فِي حَقِّ المُسلِمِ، وَكَذَلِكَ غَسلُ المَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيهِ وَدَفنُهُ.

ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنَعَ الصَّحَابَةَ مِن تَغطِيَةِ رَأسِ المَيِّتِ عِندَ تَكفِينِهِ، لِأَنَّ تَغطِيَةَ الرَّأسِ فِي حَقِّ المُحرِمِ الحَيِّ حَرَامٌ.

وَفِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ «فَإِنَّ اللهَ يَبعَثُهُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، بَيَانُ لِلفَضِيلَةِ وَالمَزِيَّةِ، فَمَعنَاهُ أَنَّهُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى هَيأَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيهَا، عَلَى هَيأَةِ المُحرِمِ وَمَعَهُ عَلَامَاتٌ لِحَجِّهِ.

ذكر إفاضته ﷺ من عرفة

فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمسُ وَاستَحكَمَ غُرُوبُهَا بِحَيثُ ذَهَبَتِ الصُّفرَةُ، أَفَاضَ مِن عَرَفَةَ، وَأَردَفَ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ خَلفَهُ، وَأَفَاضَ بِالسَّكِينَةِ، وَضَمَّ إِلَيهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ القَصوَاءِ حَتَّى إِنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبُ طَرَفَ رِجلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ»، أَي لَيسَ بِالإِسرَاعِ، وَأَفَاضَ مِن طَرِيقِ المَأزِمَينِ (المَأزِم: المَضِيق فِي الْجِبَالِ حَيْثُ يَلْتَقي بعضُها بِبَعْضٍ ويَتَّسِع مَا وَرَاءَهُ. وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَكَأَنَّهُ مِنَ الْأَزْمِ: القُوّة والشِدّة).

ثُمَّ جَعَلَ يَسِيرُ العَنَقَ (وَهُوَ ضَربٌ مِنَ السَّيرِ لَيسَ بِالسَّرِيعِ وَلَا البَطِيءِ)، فَإِذَا وَجَدَ فَجوَةً، وَهُوَ المُتَّسَعُ، نَصَّ سَيرَهُ أَي رَفَعَهُ فَوقَ ذَلِكَ، وَكُلَّمَا أَتَى رَبوَةً مِن تِلكَ الرُّبَى أَرخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصعَدَ، وَكَانَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ لَا يَقطَعُ التَّلبِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثنَاءِ الطَّرِيقِ مَالَ إِلى الشِّعبِ وَهُوَ شِعَبُ الأَذَاخِرِ عَن يَسَارِ الطَّرِيقِ بَينَ المَأزِمَينِ، نَزَلَ ﷺ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ خَفِيفًا، فَقَالَ أُسَامَةُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».

ذكر مبيته ﷺ بالمزدلفة

سَارَ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنَ النَّارِ الَّتِي عَلَى قُزَحٍ (هُوَ القَرْن الَّذِي يَقِف عِنْدَهُ الْإِمَامُ بالمُزْدَلِفة)، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالأَذَانِ فَأَذَّنَ المُؤَذِّنُ، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى المَغرِبَ قَبلَ حَطِّ الرِّحَالِ، وَتَبرِيكِ الجِمَالِ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُم أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ بِإِقَامَةٍ بِلَا أَذَانٍ، وَلَم يُصَلِّ بَينَهُمَا شَيئًا، ثُمَّ نَامَ حَتَّى أَصبَحَ وَلَم يُحيِ تِلكَ اللَّيلَةَ.

دفعه ﷺ النساء والضعفة إلى منى قبل السحر

أَذِنَ ﷺ فِي تِلكَ اللَّيلَةِ عِندَ السَّحَرِ لِمَنِ استَأذَنَهُ مِن أَهلِ الضَّعفِ مِنَ الذُّرِيَّةِ وَالنِّسَاءِ، وَمِنهُنَّ سَودَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ، أَن يَتَقَدَّمُوا إِلى مِنًى قَبلَ حَطمَةِ النَّاسِ (أَيْ قَبْل أَنْ يزدحمُوا ويَحطِم بعضُهم بَعْضًا)، وَأَمَرَهُم أَلَّا يَرمُوا الجَمرَةَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، وَرَمَى مِنَ النِّسَاءِ أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ، وَأُمُّ سَلَمَةَ قَبلَ الفَجرِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَمَرَ الغِلمَانَ بِأَن لَا يَرمُوا قَبلَ طُلُوعِ الفَجرِ، وَأَذِنَ لِلظَّعنِ فِي الرَّميِ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ لِأَنَّهُنَّ أَثقَلُ حَالًا، وَأَبلَغُ فِي السَّترِ (‌الظُّعُن: النِّساء، واحِدَتها: ظَعِينَة).

ذكر وقوفه ﷺ عند المشعر الحرام

فَلَمَّا بَرَقَ الفَجرُ، صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الوَقتِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ يَومَ النَّحرِ، وَهُوَ يَومُ العِيدِ.

ثُمَّ رَكِبَ القَصوَاءَ حَتَّى أَتَى مَوقِفَهُ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ، فَوَقَفَ عَلَى قُزَحٍ، وَقَالَ: كُلُّ المُزدَلِفَةِ مَوقِفُنَا إِلَّا بَطنَ مُحَسِّرٍ (مُحَسِّرٌ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ سُمِّيَ بذلك لأنّ فيل أصحاب الفيل حصر فيه)، فَاستَقبَلَ القِبلَةَ، وَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّهلِيلِ، وَالتَّكبِيرِ، وَالذِّكرِ، فَلَم يَزَل وَاقِفًا حَتَّى أَسفَرَ جِدًّا، وَذَلِكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ.

وَهُنَالَكَ سَأَلَهُ عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْتُ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، قَدْ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟، فَقَالَ: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى يُفِيضَ، وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (يقال التَّفَثُ: الحَلْق والتَّقْصير، والأَخْذُ مِنَ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ والإِبط، والذبحُ والرَّمْيُ).

ثُمَّ سَارَ بِمُزدَلِفَةَ مُردِفًا لِلفَضلِ بنِ عَبَّاسَ، وَهُوَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ، وَفِي طَرِيقِهِ ذَلِكَ أَمَرَ الفَضلَ بنَ عَبَّاسٍ أَن يَلقِطَ لَهُ حَصَى الجِمَارِ سَبعَ حَصَيَاتٍ، فَالتَقَطَ لَهُ سَبعَ حَصَيَاتٍ مِن حَصَى الخَذَفِ (أي صغَارًا)، فَجَعَلَ يَنفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، (أَيِ ارمُوا) بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ».

وَفِي طَرِيقِهِ تِلكَ عَرَضَت لَهُ امرَأَةٌ جَمِيلَةٌ مِن خَثعَمَ، فَسَأَلَتهُ عَنِ الحَجِّ عَن أَبِيهَا، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا لَا يَستَمسِكُ عَلى الرَّاحِلَةِ، فَأَمَرَهَا أَن تَحُجَّ عَنهُ، وَجَعَلَ الفَضلُ يَنظُرُ إِلَيهَا وَتَنظُرُ إِليهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ على وَجهِهِ فَصَرَفَهُ إِلى الشِّقِ الآخرِ لِئَلَّا يَنظُرَ إِلَيهَا، وَكَانَ الفَضلُ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعرِ أَبيَضَ وَسِيمًا، فَقَالَ العَبَّاسُ: لَوَيتَ عُنُقَ ابنِ عَمِّكَ، فَقَالَ ﷺ: «رَأَيتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَم آمَنِ الشَّيطَانَ عَلَيهِمَا».

وَسَأَلَهُ آخَرُ هُنَاكَ عَن أُمِّهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، إِن حَمَلتُهَا لَم تَستَمسِكْ وَإِن رَبَطتُهَا خَشِيتُ أَن أَقتُلَهَا، قَالَ ﷺ: «أَرَأَيتَ إِن كَانَ عَلى أُمِّكَ دَينٌ أَكُنتَ قَاضِيَهُ؟» قَالَ: نَعَم. قَالَ: «فَحُجَّ عَن أُمِّكَ».

فَلَمَّا أَتَى بَطنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ نَاقَتَهُ وَأَسرَعَ السَّيرَ، وَهَذِهِ كَانَت عَادَتُهُ ﷺ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا بَأسُ اللهِ بِأَعدَائِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ المَوضِعِ أَصَابَ أَصحَابَ الفِيلِ مَا قَصَّ اللهُ عَلَينَا. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَادِي وَادِيَ مُحَسِّرٍ، لِأَنَّ الفِيلَ حَسَرَ فِيهِ أَي أَعيَا وَانقَطَعَ عَنِ الذَّهَابِ.

ذكر سيره ﷺ إلى منى ورميه ﷺ جمرة العقبة

سَلَكَ ﷺ الطَّرِيقَ الوُسطَى بَينَ الطَّرِيقَينِ، وَهِيَ الَّتِي تَخرُجُ عَلى الجَمرَةِ الكُبرَى، حَتَّى أَتَى مِنًى، وَلَم يَزَل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمرَةَ العَقَبَةِ، فَأَتَى جَمرَةَ العَقَبَةِ فَوَقَفَ فِي أَسفَلِ الوَادِي وَجَعَلَ البَيتَ عَن يَسَارِهِ، وَمِنًى عَن يَمِينِهِ، وَاستَقبَلَ الجَمرَةَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَرَمَاهَا رَاكِبًا بَعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ، وَاحِدَةً بَعدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَحِينَئِذٍ قَطَعَ التَّلبِيَةَ، وَكَانَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى شَرَعَ فِي الرَّميِ، وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ مَعَهُ، أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالآخَرُ يُظِلُّهُ بِثَوبٍ مِنَ الحَرِّ.

وَعَن جَابِرٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ».

ثُمَّ رَجَعَ إِلى مِنًى فَخَطَبَ النَّاسَ خُطبَةً بَلِيغَةً، وَأَنزَلَهُم مَنَازِلَهُم، فَقَالَ: لِيَنزِلِ المُهَاجِرُونَ هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلى يَمِينِ القِبلَةِ، وَالأَنصَارُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلى مَيسَرَةِ القِبلَةِ، ثُمَّ لِينَزِلِ النَّاسُ حَولَهُم، وَعَلَّمَهُم مَنَاسِكَهُم، فَفُتِحَت أَسمَاعُ أَهلِ مِنًى حَتَّى سَمِعُوهُ فِي مَنَازِلِهِم.

نحر هديه ﷺ

ثُمَّ انصَرَفَ إِلى النَّحرِ بِمِنًى، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ بِالحَربَةِ، وَكَانَ يَنحَرُهَا قَائِمَةً مَعقُولَةَ اليُسرَى، وَكَانَ عَدَدُ هَذَا الَّذِي نَحَرَهُ عَدَدَ سِنِينَ عُمُرِهِ ﷺ.

ثُمَّ أَمسَكَ وَأَمَرَ عَلِيًّا أَن يَنحَرَ مَا بَقِيَ مِنَ المِائَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَن يَتَصَدَّقَ بِجِلَالِهَا (بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جل بضم الجيم، وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه) وَجُلُودِهَا وَلُحُومِهَا فِي المَسَاكِينَ، وَأَمَرَهُ أَن لَا يُعطِيَ الجَزَّارَ فِي جَزَارَتِهَا شَيئًا مِنهَا، وَقَالَ: نَحنُ نُعطِيهِ مِن عِندِنَا، وَقَالَ: مَن شَاءَ اقتَطَعَ.

ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضعَةٍ (الْبَضْعَة بِفَتْحِ الْبَاءِ لَا غَيْرَ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ) فَجُعِلَت فِي قِدرٍ فَطُبِخَت، فَأَكَلَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَشَرِبَا مِنَ المَرَقِ.

وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن نِسَائِهِ بِالبَقَرِ. 

وَأَعلَمَهُم أَنَّ مِنًى كُلَّها مَنحَرٌ (المنْحَر: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنحر فِيهِ الهدْي وَغَيْرُهُ)، وَأَنَّ فِجَاجَ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنحَرٌ (الفِجَاج: جَمْعُ فَجٍّ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ).

وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يُبنَى لَهُ بِنَاءٌ بِمِنًى يُظِلُّهُ مِنَ الحَرِّ، فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا هُو مُنَاخٌ لِمَن سَبَقَ إِلَيهِ».

ذكر حلقه ﷺ

لَمَّا أَكمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحرَهُ استَدعَى بِالحَلَّاقِ، وَهُوَ مَعمَرُ بنُ عَبدِ اللهِ، وَحَضَرَ المُسلِمُونَ يَطلُبُونَ مِن شَعرِهِ، فَقَد أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، أَنَّهُ لَمَّا رَمَى ﷺ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: احْلِقْ، فَحَلَقَ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ وَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا: فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ بِالأَيْسَرِ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَهُنَا أَبُو طَلْحَةَ، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: هَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الأَيْمَنِ، فَقَسَمَ شَعَرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ إِلَى الْجَانِبِ الأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّ سُلَيْمٍ.

فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَزَّعَ بِنَفْسِهِ بَعْضًا بَيْنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وَأَعْطَى بَعْضًا لِأَبِي طَلْحَةَ لِيُوَزِّعَهُ فِي سَائِرِهِمْ وَأَعْطَى بَعْضًا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَدْ قَسَمَ ﷺ شَعَرَهُ لِيَتَبَرَّكُوا بِهِ وَلِيَسْتَشْفِعُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ مِنْهُ وَيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، قَسَمَ بَيْنَهُمْ لِيَكُونَ بَرَكَةً بَاقِيَةً بَيْنَهُمْ وَتَذْكِرَةً لَهُمْ. ثُمَّ تَبِعَ الصَّحَابَةَ فِي خُطَّتِهِمْ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ ﷺ مَنْ أَسْعَدَهُ اللَّهُ، وَتَوَارَدَ ذَلِكَ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ.

وَكَلَّمَهُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ فِي نَاصِيَتِهِ حِينَ حَلَقَ فَدَفَعَهَا إِلَيهِ، فَكَانَ يَجعَلُهَا فِي مُقَدَّمِ قَلَنسُوَتِهِ، فَلَا يَلقَى جَمعًا إِلَّا فَضَّهُ.

وَحَلَقَ أَكثَرُ أَصحَابِهِ ﷺ وَقَصَّرَ بَعضُهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهم اغفِر لِلمُحَلِّقِينَ»، ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُقَالُ: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسولَ اللهِ، فَقَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ».

ذكر التحلل الأول

وَأَصَابَ الطِّيبَ بَعدَ أَن حَلَقَ، وَلَبِسَ القَمِيصَ، وَحَلَّ النَّاسُ، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، حَلَقتُ قَبلَ أَن أَنحَرَ، قَالَ: «انحر وَلَا حَرَجَ»، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَفَضتُ قَبلَ أَن أَنحَرَ، قَالَ: «احلِقْ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ عَن شَيءٍ يَومَئِذٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افعَل وَلَا حَرَجَ».

وَنَادَى مُنَادِيهِ بِمِنًى أَنَّهَا أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ، فَانتَهَى المُسلِمُونَ عَن صِيَامِهِم. 

ذكر إفاضته ﷺ إلى مكة وطوافه

ثُمَّ أَفَاضَ ﷺ إِلى مَكَّةَ قَبلَ الظُّهرِ رَاكِبًا، وَأَردَفَ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ مِن مِنًى إِلى مَكَّةَ، فَطَافَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ طَوَافُ الصَّدرِ. ثُمَّ أَتَى زَمزَمَ بَعدَ أَن قَضَى طَوَافَهُ وَهُم يُسقَونَ، فَقَالَ: «انزِعوا (أَي أَخرِجُوا المَاءَ مِنَ البِئرِ) بَنِى عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَولَا أَن يَغلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقايَتِكُم لَنَزَعتُ مَعَكُم»، وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَزَعَ دَلوًا لِنَفسِهِ، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا فَأَفرَغَ عَلَى سِقَايَتِهِم فِي زَمزَمَ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَ إلى السِّقايَةِ، فاسْتَسْقَى، فقالَ العَبَّاسُ: يا فَضْلُ، اذْهَبْ إلى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرابٍ مِنْ عِنْدِها. فقالَ: «اسْقِنِي». قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قالَ: «اسْقِنِي». فَشَرِبَ منه، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا؛ فَإِنَّكُمْ على عَمَلٍ صالِحٍ»، ثُمَّ قالَ: «لَوْلا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ». وَأَشارَ إلى عاتِقِهِ.

وَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالبَيتِ عَلى رَاحِلَتِهِ لِيُشرِفَ وَيَرَاهُ النَّاسُ وَيَسأَلُوهُ، وَكَانَ يَستَلِمُ الحَجَرَ بِمِحجَنِهِ (وَهُوَ عَصًا مَحنِيَّةُ الرَّأسِ).

وَطَافَت عَائِشَةُ فِي ذَلِكَ اليَومِ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَت سَعيًا وَاحِدًا أَجزَأَهَا عَن حَجِّهَا وَعُمرَتِهَا. 

وَطَافَت صَفِيَّةُ ذَلِكَ اليَومِ ثُمَّ حَاضَت، فَأَجزَأَهَا طَوَافُهَا ذَلكَ عَن طَوَافِ الوَدَاعِ وَلَم تُوَدِّع.

ذكر رجوعه ﷺ إلى منى

ثُمَّ رَجَعَ ﷺ إِلَى مِنًى. وَاختُلِفَ: أَينَ صَلَّى الظُّهرَ يَومَئِذٍ؟ فَعَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ أَفَاضَ يَومَ النَّحرِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهرَ بِمِنًى. وَعَن جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهرَ بِمَكَّةَ، وَكَذَلِكَ قَالَت عَائِشَةُ.

ذكر رجوعه ﷺ إلى منى ورميه ﷺ الجمار

رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى مِنًى مِن يَومِهِ ذَلِكَ فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ انتَظَرَ زَوَالَ الشَّمسِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمسُ مَشَى مِن رَحلِهِ إِلى الجِمَارِ وَلَم يَركَبْ، فَبَدَأَ بِالجَمرَةِ الأُولَى الَّتِي تَلِي مَسجِدَ الخَيفِ، فَرَمَاهَا بِسَبعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةً بَعدَ وَاحِدَةٍ، يَقُولُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: الله أَكبَرُ، ثُمَّ يَقدَمُ عَلى الجَمرَةِ أَمَامَهَا حَتَّى أَسهَلَ، فَقَامَ مُستَقبِلَ القِبلَةِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ وَدَعَا دُعَاءً طَوِيلًا بِقَدرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أَتَى ﷺ إِلى الجَمرَةِ الوُسطَى فَرَمَاهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ انحَدَرَ ذَاتَ اليَسَارِ، مِمَّا يَلِي الوَدَاعَ، فَوَقَفَ مُستَقبِلَ القِبلَةِ رَافِعًا يَدَيهِ يَدعُو قَرِيبًا مِن وُقُوفِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ أَتَى الجَمرَةَ الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمرَةُ العَقَبَةِ، فَاستَبطَنَ الوَادِيَ (أي وقف في بطنه ووسطه) وَاستَعرَضَ الجَمرَةَ (أي وقف في عُرض الجمرة، أي جانبها)، فَجَعَلَ البَيتَ عَن يَسَارِهِ، وَمِنًى عَن يَمِينِه فَرَمَاهَا بِسَبعِ حَصَيَاتٍ كَذَلِكَ، فَلَمَّا أَكمَلَ الرَّميَ رَجَعَ إِلى مِنًى مِن فَورِهِ وَلَم يَقِف عِندَهَا.

وقفاته ﷺ للدعاء

تَضَمَّنَت حَجَّتُهُ ﷺ سِتَّ وَقَفَاتٍ لِلدُّعَاءِ فِي المَوقِفِ:

  1. الأَوَّلُ: عَلَى الصَّفَا، 
  2. وَالثَّانِي: عَلى المَروَةِ، 
  3. وَالثَّالِثُ: بِعَرَفَةَ، 
  4. وَالرَّابِعُ: بِمُزدَلِفَةَ، 
  5. وَالخَامِسُ: عِندَ الجَمرَةِ الأُولَى، 
  6. وَالسَّادِسُ: عِندَ الجَمرَةِ الثَّانِيَةِ.

ذكر خطبته بمنى يوم النفر الأول

خَطَبَ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى خُطبَةً عَظِيمَةً على رَاحِلَتِهِ القَصوَاءِ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشرِيقِ. وَسَبَبُهَا أَنَّهُ ﷺ أُنزِلَت عَلَيهِ سُورَةُ النَّصرِ فِي هَذَا اليَومِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ الوَدَاعُ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ القَصوَاءِ فَرَحَلَت لَهُ، فَوَقَفَ لِلنَّاسِ بِالعَقَبَةِ، فَاجتَمَعَ إِليهِ مَا شَاءَ اللهُ مِنَ المُسلِمِينَ، فَخَطَبَ بِهِم. 

ثُمَّ انصَرَفَ إِلى مَنزِلِهِ وَصَلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ يَومَ النَّفَرِ بِالأَبطَحِ (أَبْطَح مَكَّةَ: هُوَ مَسِيلُ وَادِيهَا). 

وَاستَأذَنَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ فِي المَبِيتِ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِن أَجلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَاستَأذَنَهُ رِعَاءُ الإِبِلِ فِي البَيتُوتَةِ خَارِجَ مِنًى، فَأَرخَصَ لَهُم أَن يَرمُوا يَومَ النَّحرِ، ثُمَّ يَجمَعُوا رَميَ يَومَينِ بَعدَ يَومِ النَّحرِ، يَرمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا.

وَلَم يَتَعَجَّل ﷺ فِي يَومَينِ، بَل تَأَخَّرَ حَتَّى أَكمَلَ رَميَ أَيَّامِ التَّشرِيقِ الثَّلَاثَةِ.

ذكر أفاضته ﷺ إلى المحصب

 أَفَاضَ ﷺ يَومَ الثُّلَاثَاءِ بَعدَ الظُّهرِ، إِلى المُحَصَّبِ وَهُوَ الأَبطَحُ، فَوَجَدَ أَبَا رَافِعٍ قَد ضَرَبَ فِيهِ قُبَّةً هُنَاكَ، وَكَانَ تَوفِيقًا مِنَ اللهِ تَعَالَى دُونَ أَن يَأمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهِ الظُّهرَ وَالعَصرَ وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقدَةً.

ذكر نهوضه ﷺ إلى مكة وطواف الوداع

نَهَضَ ﷺ إِلى مَكَّةَ، فَطَافَ لِلوَدَاعِ لَيلًا سَحَرًا، وَلَم يَرمُل فِي هَذَا الطَّوَافِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلى أَسفَلِ مَكَّةَ مِنَ المَسجِدِ مِن بَابِ الحَرُورِيَّةِ وَهُوَ بَابُ الخَيَّاطِينَ.

وَأَخبَرَتهُ صَفِيَّةُ أَنَّهَا حَائِضٌ، فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقِيلَ إِنَّهَا قَد أَفَاضَت، قَالَ: فَلْتَنْفِرْ إِذَن.

وَرَغِبَت إِلَيهِ (أَي طَلَبَت مِنهُ) عَائِشَةُ تِلكَ اللَّيلَةَ أَن يُعَمِّرَهَا عُمرَةً مُفرَدَةً، فَأَخبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَروَةِ قَد أَجزَأَ عَن حَجِّهَا وَعُمرَتِهَا، فَأَبَت إِلَّا أَن تَعتَمِرَ عُمرَةً مُنفَرِدَةً، فَأَمَرَ أَخَاهَا عَبدَ الرَّحمَنِ أَن يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنعِيمِ، فَفَرَغَت مِن عُمرَتِهَا لَيلًا، ثُمَّ وَافَتِ المُحَصَّبَ مَعَ أَخِيهَا، فَأَتَيَا فِي جَوفِ اللَّيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَرَغتُمَا؟» قَالَت: نَعَم. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصحَابِهِ، فَارتَحَلَ النَّاسُ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ قَبلَ صَلَاةِ الصُّبحِ.

عيادته ﷺ للمريض

قَالَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا». فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا». ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ» أَوْ «كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً (العَالَة: الفُقَرَاءُ، جَمْع عَائِل) يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ (أَيْ يَمُدّون أَكُفَّهم إِلَيْهِمْ يَسْألونَهم)، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ». يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ”.

ذكر سيره ﷺ إلى المدينة المنورة

ثُمَّ سَارَ ﷺ رَاجِعًا إِلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوحَاءِ لَقِيَ رَكبًا فَسَلَّمَ عَلَيهِمَ فَقَالَ: مَنِ القَومُ؟ فَقَالُوا المُسلِمُونَ، فَمَنِ القَومُ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَرَفَعَتِ امرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُولَ الله: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَم، وَلَكِ أَجرٌ».

فَلَمَّا أَتَى ذَا الحُلَيفَةِ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصبَحَ، وَصَلَّى فِي بَطنِ الوَادِي.

فَلَمَّا رَأَى المَدِينَةَ كَبَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: «لَا إِله إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ (أَيْ رَاجِعُونَ) تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ».

وَكَانَ إِذَا قَفَلَ (أَي رَجَعَ) مِن حَجٍّ أَو عُمرَةٍ أَو غَزوَةٍ فَأَوفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَو فَدفَدٍ (الفَدْفَد: الموضِع الَّذِي فِيهِ غِلَظٌ وَارْتِفَاعٌ) كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: « لَا إِله إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، وَلَهُ الحَمدُ، يُحيِي وَيُمِيتُ، وَهُو حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ، اللهم إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن وَعثَاءِ السَّفَرِ (أَيْ شِدّتِه ومَشَقَّتِه)، وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ (الْكَآبَةُ: تغيُّر النَّفْس بِالِانْكِسَارِ مِنْ شِدَّةِ الهمِّ والحُزن. والْمَعْنَى أنه يرجع من سفره بأمر يُحْزِنه)، وَسُوءِ المَنظَرِ فِي الأَهلِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ».

وَلَمَّا نَزَلَ المُعَرِّسَ (‌الْمُعَرَّسِ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا) نَهَى أَن يَطرُقُوا النِّسَاءَ لَيلًا، فَطَرَقَ رَجُلَانِ أَهلَيهِمَا، فَكِلَاهُمَا وَجَدَ مَا يَكرَهُ.

وَأَنَاخَ بِالبَطحَاءِ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلى الحَجِّ سَلَكَ عَلى الشَّجَرَةِ، وَإِذا رَجَعَ مِن مَكَّةَ دَخَلَ المَدِينَةَ مِن مُعَرِّسِ الأَبطَحِ، وَكَانَ فِي مُعَرِّسِهِ فِي بَطنِ الوَادِي (الْمُعَرَّسُ مَوْضِعُ النُّزُولِ)، وَكَان فِيهِ عَامَّةَ اللَّيلِ.

الخاتمة

تَخَيَّل نَفسَكَ أَخِي المُؤمِنَ أَنَّكَ مِن أَهلِ المَدِينَةِ، وَفَجأَةً أُذِّنَ بَينَ النَّاسِ بِالحَجِّ، أُعلِمَ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذهَبُ إِلَى مَكَّةَ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ، يَكثُرُ النَّاسُ، تَأتِي الوُفُودُ، يَتَوَالَى البَشَرُ، يَكثُرُ الخَلقُ، يَكبُرُ الحَشدُ، كُلُّهُم يُرِيدُ أَن يَأتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يَذهَبُونَ إِلَى مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، النَّاسُ حَولَ رَسُولِ اللهِ يَمنَةً وَيَسرَةً أَمَامَهُ وَخَلفَهُ، يَمشِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ النَّاسِ وَيَدخُلُونَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ، ثُمَّ يَقِفُونَ المَوَاقِفَ وَرَسُولُ اللهِ بَينَهُم، يُعَلِّمُهُم وَيُفتِيهِم وَيَدعُو لَهُم، وَأَصحَابُهُ يَتَسَارَعُونَ فِي الاقتِدَاءِ بِهِ ﷺ، وَنَيلِ البَرَكَةِ مِنهُ ﷺ، إِنَّ هَذَا لَمِن أَعظَمِ الأَمَانِي، لَعَلَّ المُؤمِنَ يَتَمَنَّى مِثلَ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَبُّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  • القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  • السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  • صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  • السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
  • سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
  • سُنَنِ التِّرمِذِيِّ. 
  • مُسنَدِ أَحمَدَ.
  • سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
  • مُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الكَبِيرِ.
  • فَتحِ البَارِي شَرحِ البُخَارِيِّ.
  • شَرحِ النَّوَوِيِّ لمُسلِمٍ.
  • سُبُلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فِي سِيرَةِ خَيرِ العِبَادِ لِلصَّالِحِيِّ.
خطبة الجمعة - ذمّ الغضب

خطبة الجمعة – ذمّ الغضب

الحمد للهِ الذي أحسَنَ خَلْقَ الإنسانِ وعدَلَه، وألهمَهُ نورَ الإيمانِ فزيَّنهُ به وجمَّلَهُ، وعلَّمَهُ البيانَ فقدَّمَهُ بهِ وفضَّلَه،…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share