صحيح البخاري (22) | كتاب العلم | دعاء النبي ﷺ لابن عباس، وأحكام طلب العلم وفضله

الدرس ٥ من ١٢ في هذا البابصحيح الإمام البخاري مدة الدرس ١:٠١:٤٤

المقدمة

الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ ذِكرَهُ دَأبَ الصَّالِحِينَ، وَمُنَاجَاتَهُ غِذَاءَ أَروَاحِ الفَالِحِينَ، وَالخُضُوعَ بَينَ يَدَيهِ وَالتَّضَرُّعَ إِلَيهِ عِزَّ العَارِفِينَ، وَالتَّخَلُّقَ بِالأَخلَاقِ المُحَمَّدِيَّةِ شَأنَ العَالِمِينَ العَامِلِينَ،

أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَسأَلُهُ المَزِيدَ مِن فَضلِهِ وَكَرَمِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُبَلِّغُ القَاصِدَ مِن فَضلِهِ سُؤلَهُ وَأَمَلَهُ، وَتُنِيلُهُ مِن بَحرِ جُودِهِ مَا قَصَدَهُ وَأَمَّلَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَوَسِيلَتَنَا إِلَى رَبِّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، المُؤَيَّدُ بِأَنوَاعِ المُعجِزَاتِ البَاهِرَةِ، المُكَرَّمُ بِالمَكرُمَاتِ البَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ.

ﷺ وَزَادَهُ فَضلًا وَشَرَفًا لَدَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأَتبَاعِهِ وَوَارِثِيهِ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَينِ مُتَلَازِمَينِ كُلَّمَا ذَكَرَهُ ذَاكِرٌ وَغَفَلَ عَن ذِكرِهِ غَافِلٌ، أَمَّا بَعدُ:

نُكمِلُ فِي شَرحِنَا لِأَحَادِيثِ صَحِيحِ الإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ جَزَاهُ اللهُ خَيرًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا بَرَكَاتِ دِرَاسَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنَّا نَشرَحُ بِكِتَابِ العِلمِ مِن صَحِيحِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ…

(61) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ»

75- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ».

الشَّرحُ: (61) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ» (أَي تَأوِيلَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابنِ مَاجَهْ: «اللهم عَلِّمهُ الحِكمَةَ وَتَأوِيلَ الكِتَابِ»، وَفِيهِ أَنَّ تَأوِيلَ القُرءَانِ أَمرٌ جَائِزٌ) 

(زَادَ البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ فِي فَضلِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِلَى صَدرِهِ، وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ إِذ ذَاكَ غُلَامًا مُمَيِّزًا، فَيُستَفَادُ مِنهُ جَوَازُ احتِضَانِ الصَّبِيِّ القَرِيبِ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ)

75- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ». (مَعنَاهُ كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّﷺ صَغِيرَ السِّنِّ فَالنَّبِيُّ ﷺ ضَمَّهُ وَدَعَا لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أَحَبَّ أَن يُمضِيَ لَيلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِندَ خَالَتِهِ مَيمُونَةَ إِحدَى زَوجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَاتَ هُنَاكَ وَالقِصَّةُ طَوِيلَةٌ، قَامَ مِنَ النَّومِ ﷺ فَقَامَ مَعَهُ ابنُ عَبَّاسٍ فَصَارَ يَخدِمُهُ فَالنَّبِيُّ ﷺ ضَمَّهُ وَدَعَا لَهُ: «اللهم عَلِّمهُ الكِتَابَ»، كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ صَغِيرَ السِّنِّ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ بِذَلِكَ، اللهُ تَعَالَى استَجَابَ دُعَاءَ نَبِيِّهِ ﷺ فَصَارَ ابنُ عَبَّاسٍ بَعدَ ذَلِكَ تَرجُمَانَ القُرءَانِ. فَرِوَايَةُ البُخَارِيِّ: «اللهم عَلِّمهُ الكِتَابَ»، أَمَّا رِوَايَةُ ابنِ مَاجَه: «اللهم عَلِّمهُ الحِكمَةَ وَتَأوِيلَ الكِتَابِ»، قَالَ العُلَمَاءُ وَمِنهُمُ ابنُ الجَوزِيِّ: الرَّسُولُ بِقَولِهِ: «اللهم عَلِّمهُ الحِكمَةَ وَتَأوِيلَ الكِتَابِ»، يَكُونُ دَعَا عَلَيهِ أَم دَعَا لَهُ؟، قَالُوا جَزمًا هُوَ دَعَا لَهُ، دَعَا لَهُ بِأَمرٍ حَرَامٍ أَم بِأَمرٍ جَائِزٍ وَفِيهِ نَفعٌ وَفِيهِ خَيرٌ؟، لَا شَكَّ بِأَمرٍ جَائِزٍ وَفِيهِ نَفعٌ وَخَيرٌ، مَعنَاهُ تَأوِيلُ الكِتَابِ تَأوِيلُ القُرءَانِ لَيسَ مِن أَبوَابِ التَّعطِيلِ كَمَا تَقُولُ المُشَبِّهَةُأَعدَاءُ الدِّينِ، المُشَبِّهَةُ أَعدَاءُ الدِّينِ أَعدَاءُ الإِسلَامِ يَقُولُونَ التَّأوِيلُ تَعطِيلٌ يَعنِي بَابٌ مِن أَبوَابِ الكُفرِ، مَعنَاهُ عِندَهُمُ الَّذِي يُأَوِّلُ الآيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ فِي الصِّفَاتِ يَصرِفُ مَعنَاهَا عَنِ الظَّاهِرِ المُتَبَادِرِ إِلَى الذِّهنِ يَقُولُونَ هَذَا مُشرِكٌ لِأَنَّهُ ارتَكَبَ بَابًا مِن أَبوَابِ الكُفرِ وَهُوَ التَّعطِيلُ، يُقَالُ لَهُم هَذَا النَّبِيُّ ﷺ دَعَا لَهُ: «اللهم عَلِّمهُ الحِكمَةَ وَتَأوِيلَ الكِتَابِ»،

وَمُرَادُ البُخَارِيِّ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ صَغِيرَ السِّنِّ مَعنَاهُ كَمَا سَيَمُرُّ فِي البَابِ الآخَرِ أَنَّ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ المُمَيِّزَ يُمكِنُهُ أَن يَسمَعَ العِلمَ وَأَن يَتَحَمَّلَ هَذَا العِلمَ كَأَمَانَةٍ، وَعِندَمَا يَصِيرُ بَالِغًا يُؤَدِّيهِ لِلنَّاسِ وَيُبَلِّغُهُ لِلآخَرِينَ)

(وَبَيَّنَ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ سَبَبَ هَذَا الدُّعَاءِ، وَلَفظُهُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الخَلَاءَ فَوَضَعتُ لَهُ وَضُوءًا، وفي مُسلِمٍ: فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: مَن وَضَعَ هَذَا؟ فَأُخبِرَ وَلِمُسلِمٍ: قَالُوا: ابنُ عَبَّاسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ مَيمُونَةَ هِيَ الَّتِي أَخبَرَتهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيتِهَا لَيلًا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اللَّيلَةِ الَّتِي بَاتَ ابنُ عَبَّاسٍ فِيهَا عِندَهَا لِيَرَى صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قِيَامِهِ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ اللَّيلِ، وَفِيهِ: فَقَالَ لِي: «مَا بَالُكَ؟ أَجعَلُكَ حِذَائِي فَتَخلُفُنِي»، فَقُلتُ: أَوَيَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يُصَلِّيَ حِذَاءَكَ وَأَنتَ رَسُولُ الله؟ فَدَعَا لِي أَن يَزِيدَنِي الله فَهمًا وَعِلمًا.

 وَالمُرَادُ بِالكِتَابِ القُرآنُ؛ لِأَنَّ العُرفَ الشَّرعِيَّ عَلَيهِ، وَالمُرَادُ بِالتَّعلِيمِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِن حِفظِهِ وَالتَّفَهُّمِ فِيهِ)

(قَالَ أبو نصر  القُشَيرِىُّ عَبْد الرَّحِيْمِ رَحِمَهُ الله ابن صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ، الْقُدْوَةُ، شَيْخِ الصُّوْفِيَّةِ أَبِي القَاسِمِ عَبدِ الكَرِيْمِ بنِ هَوَازِنَ القُشَيْرِيّ، النَّيْسَابُوْرِيّ، النَّحْوِيّ، المُتَكَلِّم، 

وَهَذَا أَبُو نَصْرٍ القُشَيرِيُّ أَبْرَزُ أَبْنَائِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحِيْمِ هُوَ الوَلَدُ الرَّابِعُ مِنْ أَوْلَادِ الشَّيْخِ. اعْتَنَى بِهِ أَبُوْهُ، وَأَسْمَعَهُ، وَأَقرَأَه حَتَّى بَرَعَ فِي العَرَبِيَّة وَالنَّظم وَالنَّثر وَالتَّأْوِيْل، وَكَانَ رَأسًا مِن رُؤُوسِ الأَشَاعِرَةِ، وَاشْتَدَّ فِي الرَّدِّ عَلَى المُجَسِّمَةِ، قال بعض من عاصره من العلماء: هُوَ زَينُ الإِسْلَام أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيْمِ، إِمَامُ الأَئِمَّة، وَحَبْرُ الأُمَّة، وَبحرُ العُلُوْم، وَصَدْرُ القُرُومِ، أَشْبَههُم بِأَبِيْهِ خَلْقًا، حَتَّى كَأَنَّهُ شُقَّ مِنْهُ شَقًّا، كَمُلَ فِي النَّظمِ وَالنَّثرِ، وَحَازَ فِيْهِمَا قَصَبَ السَّبقِ، ثُمَّ لَزِمَ إِمَامَ الحَرَمَيْنِ، فَأَحْكَمَ المَذْهَبَ وَالأُصُوْل وَالخلَافَ، وَرَأَى أَهْلُ بَغْدَادَ فَضلَه وَكمَالَه، وَوجد مِنَ الْقبُول مَا لَمْ يُعْهَدْ لأَحدٍ، وَحضر مَجْلِسَه الخَوَاصُّ، وَأَطبقُوا عَلَى أَنَّهُم مَا رَأَوْا مِثْلَه فِي تَبَحُّرِهِ. مَاتَ أَبُو نَصْرٍ: فِي الثَّامن وَالعِشْرِيْنَ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة،

يَقُولُ أَبُو نَصْرٍ: وَقَد نَبَغَت أَى ظَهَرَت نَابِغَةٌ مِنَ الرَّعَاعِ أَيِ السُّفَهَاءِ لَولا استِنزَالُهُم لِلعَوَامِّ أَىِ استِدَرَاجُهُم لَهُم بِمَا يَقرُبُ مِن أَفهَامِهِم وَيُتَصَوَّرُ فِى أَوهَامِهِم لَأَجلَلتُ هَذَا الكِتَابَ وَحَفِظتُهُ عَن تَلطِيخِهِ بِذِكرِهِم أَى فَلَولا حَاجَةُ التَّحذِيرِ مَا كُنتُ عَرَّجتُ عَلَى ذِكرِهِم، يَقُولُونَ نَحنُ نَأخُذُ بِالظَّاهِرِ مِنَ المَعَانِى الَّتِى تَحتَمِلُهَا الآيَاتُ المُتَشَابِهَةُ مِن حَيثُ اللُّغَةُ وَنُجرِى الآيَاتِ المُوهِمَةَ تَشبِيهًا للهِ بِخَلقِهِ وَالأَخبَارَ المَروِيَّةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ المُوهِمَةَ حَدًّا لِلخَالِقِ جَلَّ وَعَزَّ وَعُضوًا لَهُ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ وَلا يَجُوزُ أَن نُطَرِّقَ التَّأوِيلَ إِلَى شَىءٍ مِن ذَلِكَ وَيَتَمَسَّكُونَ بِقَولِ الله تَعَالَى فِى سُورَةِ ءَالِ عِمرَانَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾، زَاعِمِينَ أَنَّهُ يَشهَدُ عَلَى قَولِهِم وَيَدُلُّ عَلَى مَقصِدِهِم وَهُوَ زَعمٌ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ. 

قَالَ أَبُو نَصرٍ: وَهَؤُلاءِ وَالَّذِى أَروَاحُنَا بِيَدِهِ أَضَرُّ عَلَى الإِسلامِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الأَوثَانِ لِأَنَّ ضَلالاتِ الكُفَّارِ المُعلِنِينَ ظَاهِرَةٌ يَتَجَنَّبُهَا المُسلِمُونَ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَإِنَّهُم أَتَوُا الدِّينَ وَالعَوَامَّ مِن طَرِيقٍ يَغتَرُّ بِهِ المُستَضعَفُونَ الَّذِينَ لا رُسُوخَ لَهُم فِى عُلُومِ العَقَائِدِ، فَأَوحَوا إِلَى أَولِيَائِهِم الَّذِينَ يَتبَعُونَهُم وَيُنَاصِرُونَهُم بِهَذِهِ البِدَعِ وَأَحَلُّوا فِى قُلُوبِهِم وَصفَ المَعبُودِ سُبحَانَهُ بِالأَعضَاءِ وَالجَوَارِحِ وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ الحِسِّىِّ وَالِاتِّكَاءِ وَالِاستِلقَاءِ وَالِاستِوَاءِ بِالذَّاتِ كَاستِوَاءِ المَخلُوقِينَ وَالتَّرَدُّدِ فِى الجِهَاتِ، فَمَن أَصغَى إِلَى مَقَالِهِم وَعَقَدَ قَلبَهُ عَلَى اتِّبَاعِ ظَاهِرِهِم يُبَادِرُ بِوَهمِهِ إِلَى تَخَيُّلِ المَحسُوسَاتِ فِى حَقِّ الذَّاتِ المُقَدَّسِ فَاعتَقَدَ الفَضَائِحَ فَسَالَ بِهِ السَّيلُ وَهُوَ لا يَدرِي.اﻫ 

فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَولَ مَن يَقُولُ إِنَّ التَّأوِيلَ لِلآيَاتِ المُتَشَابِهَةِ غَيرُ جَائِزٍ خَبطٌ بِلا هِدَايَةِ دَلِيلٍ وَجَهلٌ غَيرُ مَبنِىٍّ عَلَى عِلمٍ وَهُوَ مَحجُوجٌ بِقَولِهِ ﷺ لِابنِ عَبَّاسٍ: «اللهم عَلِّمهُ الحِكمَةَ وَتَأوِيلَ الكِتَابِ»، رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَغَيرُهُ بِأَلفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوَّلُهُ عِندَ البُخَارِىِّ، وَرَوَى هَذَا اللَّفظَ ابنُ مَاجَه فِى سُنَنِهِ وَأَحمَدُ فِى مُسنَدِهِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى المُعجَمِ الكَبِيرِ وَلَولا جَوَازُ التَّأوِيلِ وَحُسنُ الإِتيَانِ بِهِ فِى مَوضِعِهِ لَمَا دَعَا رَسُولُ الله ﷺ لِابنِ عَبَّاسٍ أَن يُعَلِّمَهُ الله إِيَّاهُ. 

قَالَ الحَافِظُ عَبدُ الرَّحمٰنِ ابنُ الجَوزِىِّ فِى كِتَابِهِ المَجَالِسُ وَلا شَكَّ أَنَّ الله استَجَابَ دُعَاءَ الرَّسُولِ ﷺ هَذَا.اﻫ

 وَقَد شَدَّدَ النَّكِيرَ وَالتَّشنِيعَ فِى هَذَا الكِتَابِ عَلَى مَن يَمنَعُ التَّأوِيلَ وَوَسَّعَ القَولَ فِى ذَلِكَ فَليُطَالِعهُ مَن أَرَادَ زِيَادَةَ التَّأَكُّدِ) 

(تَأوِيلَاتٌ مَنقُولَةٌ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ تَرجُمَانَ القُرآنِ وَهُوَ مِنْ أَشهَرِ مَنْ فَسَّرَ كِتَابَ اللهِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَوَّلَ آيَاتِهِ، وَهُوَ بِهَذَا يُطْفِئُ فِتنَةَ المُجَسِّمَةِ وَالمُشَبِّهَةِ وَالخَوَارِجِ وَالمُعتَزِلَةِ وَغَيرِهِمْ مِنَ الفِرَقِ الضَّالَةِ الَّتِي ضَلَّتْ عَنْ مَنهَجِ الحَقِّ، وَيَظهَرُ هَذَا جَلِيًّا مِنْ خِلَالِ تَأوِيلَاتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَد قَالَ ابنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا ‌السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّتْ، وَمِنْهُ: 

قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ … وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ

قال ابن حجر: وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ، 

وَفَسَّرَ النُّورَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِنُورِ الإِيمَانِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [سُورَةَ الأَنْعَام/1] أَيْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، فَكَيْف يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا كَخَلْقِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّفسِيرِ عَنِ ‌ابنِ ‌عَبَّاسٍ فِي تَأوِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: (وَالسَّمَاءَ ‌بَنَيْنَاهَا ‌بِأَيْدٍ) يَقُولُ: بِقُوَّةٍ. وَقَالَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي تَفسِيرِهِ: قَالَ ‌ابنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَسَائِرُ المُفَسِّرِينَ وَاللُّغَوِيِّينَ: «بِأَيْدٍ» أَيْ: بِقُوَّةٍ.

 [وكل هذه التأويلات المنقولة عن ابن عباس رضي الله عنه ترد على المجسمة الذين ينشرون عقائد اليهود في المجتمعات الإسلامية ويكفرون المسلمين بغير حق ويعتقدون أنهم هم المسلمون ومن خالف اعتقادهم مشركون فيستبيحون قتل المسلمين بغير حق، وفي نشر هذه العقيدة السليمة بين المسلمين فيها حفظ لمجتمعات المسلمين وبلادهم وبفضل الله تعالى هذه العقيدة السليمة عقيدة الأشاعرة والماتريدية هي عقيدة أهل الحق وعقيدة المسلمين في بلاد الشام وفي العراق وفي المغرب وفي مصر وفي الأزهر وفي أندونيسيا وفي تركيا وفي كل بلاد الإسلام والمسلمين وهي عقيدة حبر الأمة عبد الله بن عباس وعقيدة الصحابة الكرام وعقيدة الرسول ﷺ].اهـ).

(62) بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ

الشَّرحُ: (62) بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ (المُرَادُ بِالصَّغِيرِ: الَّذِي دُونَ البُلُوغِ، فَهَذَا فِي بَيَانِ جَوَازِ قَبُولِ مَسمُوعِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ دُونَ البُلُوغِ، مَعنَاهُ البُلُوغُ لَيسَ شَرطًا فِي التَّحَمُّلِ، فَيُمكِنُ لِلصَّبِيِّ مَا دَامَ يَعقِلُ وَيُمَيِّزُ وَيَفهَمُ أَن يَتَلَقَّى العِلمَ أَن يَجلِسَ فِي مَجلِسِ العُلَمَاءِ وَأَن يَتَلَقَّى العِلمَ، وَعِندَمَا يَصِيرُ كَبِيرًا يُؤَدِّي مَا سَمِعَهُ مِنَ العُلَمَاءِ، هَذَا مَعنَى هَذَا البَابِ)

76- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ.

الشَّرحُ: 76- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ يَروِي لَمَّا صَارَ كَبِيرًا لِمَن كَانَ مَعَهُ مَا حَصَلَ مَعَهُ عِندَمَا كَانَ صَغِيرًا قَالَ): أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ (ابنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ الوَقتِ كَانَ صَغِيرًا، وَالأَتَانُ: أُنثَى الحِمَارِ، وَالحِمَارُ اسمُ جِنسٍ يَشمَلُ الذَّكَرَ وَالأُثنَى، لِذَلِكَ قَالَ: أَتَانٍ أَي أُنثَى)، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ (أَي قَارَبتُ البُلُوغَ الشَّرعِيَّ، لَكِنَّهُ لَم يَكُن بَالِغًا وَكَانَ مُمَيِّزًا، وَرَوَى الحَدِيثَ عِندَمَا كَانَ كَبِيرًا، فَاستَدَلَّ البُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ مَن كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا عِندَ التَّحَمُّلِ مَقبُولَةٌ، مَا قَالُوا لَهُ الَّذِي أَنتَ سَمِعتَهُ وَأَنتَ صَغِيرٌ لَا تُخبِرنَا عَنهُ، فَمِن جُملَةِ مَا حَصَلَ مَعَهُ قَالَ أَنَا جِئتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَقَد قَارَبتُ البُلُوغَ فَرَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِمِنًى يُصَلِّي إِلَى غَيرِ جِدَارٍ، هُوَ يُصَلِّي فِي الأَمَامِ وَلَيسَ أَمَامَهُ سُترَةٌ وَخَلفَهُ يُصَلِّي المُصَلُّونَ)، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَي إِلَى غَيرِ سُترَةٍ)، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ (أَي أَمَامَ بَعضِ الصُّفُوفِ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ أَن نَزَلَ عَنِ الأَتَانِ، بَينَ يَدَي بَعضِ الصَّفِّ لَيسَ مَعنَاهُ حَقِيقَةً الصَّفُّ لَهُ يَدَينِ مَعنَاهُ قُدَّامَ، مَعنَاهُ أَمَامَ بَعضِ الصَّفِّ، خَلفَ النَّبِيِّ صُفُوفٌ فَأَمَامَ بَعضِ الصُّفُوفِ أَنَا دَخَلتُ مَرَرتُ) وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ (تَرَكتُ وَأَطلَقتُ الأَتَانَ لِتَأكُلَ مَا تَشَاءُ وَتَسرَحَ، أَمَّا أَنَا بَعدَ أَن أَطلَقتُهَا مَرَرتُ بَينَ يَدَيِ الصَّفِّ وَوَقَفتُ فِي الصَّفِّ)، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ (مَعنَاهُ فَعَلتُ هَذَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، مَا أَنكَرَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَنكَرَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِن أَصحَابِهِ، مَعنَاهُ مُرُورِي بَينَ يَدَي بَعضِ الصَّفِّ لَا يَقطَعُ صَلَاةَ المُصَلِّينَ، وَأَيضًا مَعنَاهُ: مِن تَرجَمَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي دُونَ البُلُوغِ مَا دَامَ يَعقِلُ لَهُ أَن يَتَعَلَّمَ وَيَسمَعَ مِن أَهلِ العِلمِ ثُمَّ يُؤَدِّي مَا سَمِعَهُ عِندَمَا يَصِيرُ بَالِغًا).

77- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ.

الشَّرحُ: 77- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ (أَي حَفِظتُ) مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي (المَجُّ هُوَ إِرسَالُ المَاءِ مِنَ الفَمِ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَصَقَ فِي وَجهِهِ، بَل مَعنَاهُ نَفَثَ فِي وَجهِهِ شَيئًا قَلِيلًا مِنَ المَاءِ مِن بَابِ مُدَاعَبَتِهِ وَإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَيهِ وَتَبرِيكِهِ) وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ (مَحمُودُ بنُ الرَّبِيعِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَدرَكَ النَّبِيَّ وَهُوَ صَغِيرٌ، يَتَذَكَّرُ مَاذَا حَصَلَ مَعَهُ كَانَ عُمُرُهُ خَمسَ سَنَوَاتٍ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فَالنَّبِيُّ ﷺ مِن بَابِ مُدَاعَبَةِ الأَطفَالِ المُسلِمِينَ لِإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَى قَلبِهِم، قَالَ مَحمُودُ بنُ الرَّبِيعِ: عَقَلتُ مِنَ النَّبِيِّ حَفِظتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجهِي، أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ مَاءً فِي فَمِهِ ثُمَّ أَرسَلَ هَذَا المَاءَ عَلَى وَجهِ مَحمُوٍد لِيُدَاعِبَهُ ﷺ، قَالَ وَأَنَا ابنُ خَمسِ سِنِينَ، لَكِن كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ يُمَيِّزُ كَانَ يَفهَمُ، قَالَ مِن دَلوٍ، يَعنِي أَخَذَ هَذَا المَاءَ مِن مَاءِ دَلوٍ كَانَ مِن بِئرِهِمُ الَّتِي فِي دَارِهِم، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفعَلُ هَذَا عَلَى وَجهِ المُدَاعَبَةِ مَعَ الأَطفَالِ المُسلِمِينَ لِإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِهِم، أَو كَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ لِلتَّبرِيكِ لِأَجلِ طَرحِ البَرَكَةِ عَلَيهِم، فَهَذَا ابنُ خَمسِ سِنِينَ حَفِظَ هَذَا الفِعلَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ لَمَّا صَارَ كَبِيرًا بَلَّغَ النَّاسَ هَذَا الأَمرَ فَقَبِلَ النَّاسُ مِنهُ مَا قَد بَلَّغَهُم إِيَّاهُ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ فَهَذَا مَعنَى مَا أَرَادَهُ البُخَارِيُّ مِن هَذِهِ التَّرجَمَةِ).

(63) بَابُ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ

الشَّرحُ: (63) (هَذَا البَابُ مَعقُودٌ لِبَيَانِ أَهَمِّيَّةِ وَفَضِيلَةِ السَّفَرِ لِأَجلِ طَلَبِ العِلمِ) بَابُ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ (مُرَادُ البُخَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: السَّفَرُ فِي طَلَبِ العِلمِ الشَّرعِيِّ)

(الخُرُوجُ المَقصُودُ هُنَا هُوَ السَّفَرُ، وَالغَرَضُ هُوَ طَلَبُ العِلمِ، وَدَأَبَ العُلَمَاءُ وَطُلَّابُ العِلمِ عَلَى الرِّحلَةِ فِي طَلَبِ العِلمِ وَلَو لِأَجلِ مَسأَلَةٍ وَاحِدَةٍ أَو حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَو حَتَّى لِعُلُوِّ إِسنَادٍ، كَمَا فَعَلَ هَذَا الصَّحَابِيُّ المَذكُورُ فِي الحَدِيثِ، وَهُوَ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ، حَيثُ رَحَلَ لِيَسمَعَ حَدِيثًا وَاحِدًا مِن عَبدِ اللهِ بنِ أُنَيسٍ.

قَالَ ابنُ حَنبَلٍ: طَلَبُ عُلوِّ الإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرفَعُ البَلَاءَ عَن هَذِهِ الأُمَّةِ بِرِحلَةِ أَصحَابِ الحَدِيثِ، وَقَالَ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ: «لَم يَكُن فِي زَمَانِ ابنِ المُبَارَكِ أَطلَبَ لِلعِلمِ مِنهُ؛ رَحَلَ إِلَى اليَمَنِ، وَإِلَى مِصرَ، وَإِلَى الشَّامِ، وَالبَصرَةِ، وَالكُوفَةِ، وَكَانَ مِن رُوَاةِ العِلمِ وَأَهلِ ذَلِكَ، كَتَبَ عَنِ الصِّغَارِ وَالكِبَارِ، كَتَبَ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ المَهدِيِّ، وَعَنِ الفَزَارِيِّ، وَجَمَعَ أَمرًا عَظِيمًا»، 

وَقَالَ زِرُّ بنُ حُبَيشٍ: وَفَدتُ فِي خِلَافَةِ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَإِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الوِفَادَةِ لِقَاءُ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ وَأَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، 

وَرُوِيَ عَن أَبِي العَالِيَةِ قَالَ: «كُنَّا نَسمَعُ بِالرِّوَايَةِ عَن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ وَبِالبَصرَةِ فَمَا نَرضَى حَتَّى أَتَينَاهُم فَسَمِعنَا مِنهُم»، 

وَرُوِيَ عَن مَسرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ، لَقَد قَرَأتُ مِن فِيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِضعًا وَسَبعِينَ سُورَةً، وَلَو أَعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تُبَّلِّغُنِي الإِبِلُ إِلَيهِ لَأَتَيتُهُ»، 

وَرُوِيَ عَنِ الشَّعبِيِّ قَالَ: «لَو أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ مِن أَقصَى الشَّامِ إِلَى أَقصَى اليَمَنِ فَحَفِظَ كَلِمَةً تَنفَعُهُ فِيمَا يَستَقبِلُهُ مِن عُمُرِهِ رَأَيتُ أَنَّ سَفَرَهُ لَا يَضِيعُ».

قَالَ الشَّاعِرُ: 

رَحَلتُ أَطلُبُ أَصلَ العِلمِ مُجتَهِدا … وَزِينَةُ المَرءِ فِي الدُّنيَا الأَحَادِيثُ

لَا يَطلُبُ العِلمَ إِلَّا بَازِلٌ ذَكَرٌ … وَلَيسَ يُبغِضُهُ إِلَّا المَخَانِيثُ

لَا تَعجَبَنَّ بِمَالٍ سَوفَ تَترُكُهُ … فَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنيَا مَوَارِيثُ)،

وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ (أَي لِيَسمَعَ حَدِيثًا وَاحِدًا)

78- حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:63]، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:64]،  فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ».

الشَّرحُ: (وَقَد سَبَقَ أَن شَرَحنَا هَذَا الحَدِيثَ، وَأَعَادَهُ البُخَارِيُّ مِن بَابِ ذِكرِ فَائِدَةِ وَفَضِيلَةِ تَحَمُّلِ المَشَقَّةِ لِأَجلِ طَلَبِ العِلمِ)

78- حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:63]، قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، [سُورَةُ الكَهفِ:64]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ».

(قَد مَرَّ مَعَنَا شَرحُ هَذَا الحَدِيثِ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا سُئِلَ: هَل تَعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنكَ يَا مُوسَى؟ قَالَ: لَا، فَأَوحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبدُنَا خَضِرٌ، مَعنَاهُ: الخَضِرُ أَعلَمُ مِنكَ يَا مُوسَى أَي فِي شَيءٍ خَاصٍّ.

وَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ فَضلُ الِازدِيَادِ مِنَ العِلمِ وَلَو مَعَ المَشَقَّةِ وَالنَّصَبِ فِي السَّفَرِ، وَفِيهِ بَيَانُ خُضُوعِ الكَبِيرِ لِمَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَن أَمرِ التَّوَاضُعِ، فَهَلُمُّوا جَمِيعًا أَحبَابَنَا الكِرَامَ لِطَلَبِ العِلمِ الشَّرعِيِّ مِن أَهلِ العِلمِ، وَاصبِرُوا وَاثبُتُوا وَتَحَمَّلُوا فَإِنَّ عِلمَ الدِّينِ حَقًّا يَستَحِقُّ مِنَّا جَمِيعًا كُلَّ هَذَا.

وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وَمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِنْهُمْ، فَتَدْخُلُ أُمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا فِيمَا ثَبَتَ نَسْخُهُ).

(البُخَارِيُّ استَدَلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلَى الرِّحلَةِ فِي طَلَبِ العِلمِ وَأَهَمِّيَّةِ طَلَبِ العِلمِ وَلَو كَانَ هَذَا العِلمُ مَعَ مَن هُوَ أَدوَنُ مِنكَ رُتبَةً).

(64) بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ

الشَّرحُ: (64) بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ (هَذَا البَابُ مَعقُودٌ فِي فَضلِ مَن صَارَ عَالِمًا ثُمَّ عَلَّمَ غَيرَهُ كَم لَهُ عِندَ اللهِ مِنَ الفَضلِ) (وَقَالَ كَعْبٌ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: أَنْ تَعَلَّمْ يَا مُوسَى الْخَيْرَ وَعَلِّمْهُ لِلنَّاسِ فَإِنِّي مُنَوِّرٌ لِمُعَلِّمِ الْخَيْرِ وَمُتَعَلِّمِهِ فِي قُبُورِهِمْ حَتَّى لا يَسْتَوْحِشُوا فِي مَكَانِهِمْ. وَقَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: مَنْ ‌تَعَلَّمَ ‌وَعَلَّمَ وَعَمِلَ فَذَلِكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ»، وَهَذَا الْمَثَلُ مِنْ أَوْقَعِ الْمِثَالِ، لأَنَّ طُرُقَ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ بِالآخِرَةِ لا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ، وَالْعُلَمَاءُ هُمُ الأَدِلاءُ فَإِذَا فُقِدُوا ضَلَّ السَّالِكُ).

79- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ.

الشَّرحُ: 79- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا (النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُشَبِّهُ بِعثَتَهُ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الخَيرِ وَالهُدَى بِالمَطَرِ الكَثِيرِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى أَرضٍ، وَهَذِهِ الأَرضُ مِنهَا أَنوَاعٌ تَختَلِفُ فِي قَبُولِ هَذَا المَاءِ وَالِانتِفَاعِ، فَكَذَلِكَ النَّاسُ يَختَلِفُونَ فِي قَبُولِ الهُدَى وَالِانتِفَاعِ بِهِ)

(النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلمِ كَمَثَلِ المَطَرِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرضًا»، مَعنَاهُ الرَّسُولُ ﷺ بَلَّغَ العِلمَ، نَشَرَ العِلمَ، وَالمَطَرُ نَزَلَ عَلَى الأَرَاضِي، بَعضُ الأَرَاضِي أَصَابَهَا مِن مَاءِ المَطَرِ وَمَا قَبِلَتِ المِاءِ، وِبَعضُ الأَرَاضِي أَصَابَهَا المَطَرُ وَقَبِلَتِ المَاءَ وَأَنبَتَتِ النَّبَاتَ، وَبَعضُ الأَرَاضِي أَصَابَهَا المَطَرُ لَكِن بَقِيَ المَطَرُ عَلَيهَا، استَقَرَّ المَطَرُ عَلَيهَا، فَهَكَذَا حَصَلَ مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ، عَلَّمَ العِلمَ، بَلَّغَ العِلمَ، بَلَّغَ مَا أَمَرَهُ اللهُ، قِسمٌ مِنَ النَّاسِ سَمِعُوا فَأَعرَضُوا، لَم يُؤمِنُوا، وَهُمُ الكُفَّارُ، وَقِسمٌ سَمِعُوا هَذَا العِلمَ وَعَمِلُوا بِهِ وَأَكثَرُوا مِمَّا أَخبَرَ عَنهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوَافِلِ، وَقِسمٌ سَمِعُوا وَانتَفَعُوا وَطَبَّقُوا عَلَى أَنفُسِهِم وَلَكِن مَا عَلَّمُوا غَيرَهُم، فَالنَّبِيُّ ﷺ يُخبِرُ بِهَذَا، قَالَ: «كَمَثَلِ الغَيثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرضًا» النَّوعُ الأَوَّلُ)، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ (أَي أَرضٌ طَيِّبَةٌ شَرِبَتِ المَاءَ) فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ (فِي بَعضِ النُّسَخِ لِلبُخَارِيِّ: الكَلَا، وَفِي بَعضِ نُسَخِ البُخَارِيِّ: الكَلَأ، بِالهَمزَةِ، وَالمَعنَى وَاحِدٌ، يَعنِي هُوَ النَّبَاتُ، المُرَادُ بِهِ النَّبَاتُ، هَذِهِ الأَرضُ، هَذَا النَّوعُ مِنهَا نَزَلَ عَلَيهِ المَطَرُ فَالأَرضُ قَبِلَت هَذَا المَاءَ، شَرِبَت هَذَا المَاءَ وَأَنبَتَت، طَلَعَ مِنهَا نَبَاتٌ، مِثلُ العَالِمِ سَمِعَ الأَحَادِيثَ وَالأَحكَامَ، تَعَلَّمَهَا وَعَمِلَ بِهَا ثُمَّ عَلَّمَ غَيرَهُ فَانتَفَعَ وَنَفَعَ غَيرَهُ) وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ (لَا تَشرَبُ المَاءَ وَلَا تُنبِتُ النَّبَاتَ) أَمْسَكَتِ الْمَاءَ (أَيِ استَقَرَّ عَلَيهَا) فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا (أَي نَفَعَت غَيرَهَا وَلَم تَنتَفِع هِيَ انتِفَاعًا كَامِلًا)، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ (أَي أَرضٌ مُستَوِيَةٌ مَلسَاءُ لَا يَستَقِرُّ عَلَيهَا المَاءُ حَتَّى تُنبِتَ، فَلَا شَرِبَتِ المَاءَ وَلَا استَقَرَّ عَلَيهَا المَاءُ وَلَا أَنبَتَتِ النَّبَاتَ) لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُِهَ (بِالضَّمِّ، وَيَجُوزُ بِكَسرِ القَافِ) فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ (أَي مَن سَمِعَ الدِّينَ وَسَمِعَ الأَحكَامَ وَتَعَلَّمَهَا وَصَارَ فَقِيهًا فَعَمِلَ بِهَذِهِ الأَحكَامِ فَنَفَعَ نَفسَهُ، فَإِذَا عَلَّمَ غَيرَهُ نَفَعَ النَّاسَ)، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (أَي أَعرَضَ عَن سَمَاعِ العِلمِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا قَبِلَ مَا دَعَا إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدِّينِ وَلَم يُؤمِن بِهِ بِالمَرَّةِ، فَهُوَ مِثلُ أَرضٍ صَمَّاءَ مَلسَاءَ أَصَابَهَا المَطَرُ فَلَا انتَفَعَت بِهِ وَلَا نَفَعَت غَيرَهَا)

(مَعنَاهُ: هَذَا الأَمرُ الآخَرُ، «وَمَثَلُ مَن لَم يَرفَع بِذَلِكَ رَأسًا» مَا قَبِلَ بَل أَعرَضَ عَن سَمَاعِ العِلمِ مِنِّي، أَي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَعرَضَ عَن ذَلِكَ «وَلَم يَقبَل هُدَى اللهِ الَّذِي أُرسِلتُ بِهِ» مَا قَبِلَ مَا دَعَا إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدِّينِ، وَهَؤُلَاءِ لَم يُؤمِنُوا بِهِ بِالمَرَّةِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَا دَخَلَ فِي الدِّينِ، فِي الأَصلِ مَثَلُهُ كَأَرضٍ صَمَّاءَ مَلسَاءَ يَمُرُّ عَلَيهَا المَاءُ فَلَا يُنتَفَعُ بِهَا، هَذِهِ الأَرضُ لَا تُمسِكُ المَاءَ وَلَا تَشرَبُ المَاءَ وَلَا تُنبِتُ النَّبَاتَ، لَيسَت صَالِحَةً لِهَذَا بِالمَرَّةِ، كَمَثَلِ إِنسَانٍ سَمِعَ بِالدَّعوَةِ الإِسلَامِيَّةِ، سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، سَمِعَ بِالعِلمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَعرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِهِ، وَأَعرَضَ عَنِ العَمَلِ بِهَذَا العِلمِ، هَذَا مَثَلُهُ كَمَثَلِ أَرضٍ صَمَّاءَ مَلسَاءَ جَاءَهَا المَطَرُ، أَصَابَهَا المَطَرُ فَلَا شَرِبَتِ المَاءَ وَلَا أَمسَكَتِ المَاءَ وَلَا أَنبَتَتِ النَّبَاتَ).

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (أَيِ الإِمَامُ البُخَارِيُّ): قَالَ إِسْحَاقُ (وَهُوَ إِسحَاقُ بنُ رَاهَوَيهِ شَيخُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى): وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ (انظُر إِلَى أَمَانَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ وَدِقَّةِ نَظَرِهِ، يَقُولُ: يُوجَدُ رِوَايَةٌ رَوَينَاهَا وَصَحِيحَةٌ وَهِيَ: «فَكَانَ مِنهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ»، البُخَارِيُّ يَقُولُ: هَكَذَا رَوَينَاهُ، أَمَّا إِسحَاقُ بنُ رَاهَوَيهِ رَوَاهُ بِلَفظٍ آخَرَ، أَيْ: إِنَّ إِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ حَيْثُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ خَالَفَ فِي هَذَا الْحَرْفِ، يَقُولُ إِسحَاقُ: «وَكَانَ مِنهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ»، بَدَلَ كَلِمَةِ: «قَبِلَتِ المَاءَ» رَوَاهَا بِلَفظِ: «قَيَّلَتِ المَاءَ»، مَعنَاهُ شَرِبَتِ المَاءَ فِي نِصفِ النَّهَارِ)، قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ (أَي يَعلُوهُ المَاءُ وَلَا يَستَقِرُّ عَلَيهِ)، وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ.

(وَهَذَا مَعنَاهُ أَنَّ رِوَايَةَ إِسحَاقَ تَختَلِفُ عَمَّا ذَكَرَهُ قَبلَ ذَلِكَ، رِوَايَةُ إِسحَاقَ فِيهَا: «وَكَانَ مِنهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ»، قَاعٌ يَعلُوهُ المَاءُ لَا يَستَقِرُّ فِيهِ المَاءُ، يَعلُوهَا وَلَا يَستَقِرُّ فِيهَا، وَالصَّفصَفُ المُستَوِي مِنَ الأَرضِ، هَذَا لَيسَ مِنَ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، إِنَّمَا الإِمَامُ أَبُو عَبدِ اللهِ البُخَارِيُّ ذَكَرَهُ جَريًا عَلَى عَادَتِهِ فِي الِاعتِنَاءِ بِتَفسِيرِ مَا يَقَعُ فِي الحَدِيثِ مِنَ الأَلفَاظِ الوَاقِعَةِ فِي القُرءَانِ، ﴿قَاعًا صَفصَفًا﴾.

فَإِذَن البُخَارِيُّ ذَكَرَ هَذَا: وَالصَّفصَفُ المُستَوِي مِنَ الأَرضِ، مَعنَاهُ الأَملَسُ، كُلُّ هَذَا فِي بَيَانِ مَا أَخبَرَ بِهِ سَيِّدِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَهُ بِالهُدَى وَبِالعِلمِ، وَهَذِهِ التَّرجَمَةُ فِي هَذَا البَابِ فِي بَيَانِ فَضِيلَةِ مَن تَعَلَّمَ العِلمَ ثُمَّ عَمِلَ بِهِ وَبَلَّغَهُ لِغَيرِهِ وَأَنَّ هَذَا لَهُ شَأنٌ عَظِيمٌ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى).

(فَالنَّوعُ الأَوَّلُ: العَالِمُ العَامِلُ المُعَلِّمُ المُخلِصُ للهِ كَالأَرضِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي شَرِبَتِ المَاءَ فَانتَفَعَت فِي نَفسِهَا وَأَنبَتَت فَنَفَعَت غَيرَهَا، وَالنَّوعُ الثَّانِي: إِنسَانٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَ غَيرَهُ لَكِن لَم يَعمَل هُوَ بِكُلِّ هَذَا العِلمِ الشَّرعِيِّ فَهُوَ كَالأَرضِ الَّتِي يَستَقِرُّ فِيهَا المَاءُ فَيَنتَفِعُ النَّاسُ بِهِ، أَمَّا النَّوعُ الثَّالِثُ: فَهُوَ الَّذِي أَعرَضَ عَنِ العِلمِ فَلَم يَنتَفِع بِهِ وَلَا نَفَعَ غَيرَهُ).

(65) بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ

وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ.

الشَّرحُ: (65) بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ (هَذَا البَابُ فِي بَيَانِ أَنَّ العِلمَ لَا يُرفَعُ إِلَّا بِقَبضِ العُلَمَاءِ وَأَن لَا يَخلُفَهُم غَيرُهُم، فَإِذَا رُفِعَ العِلمُ ظَهَرَ الجَهلُ وَانتَشَرَ) (مَقْصُودُ الْبَابِ الْحَثُّ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا. وَمَا دَامَ مَنْ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مَوْجُودًا لَا يَحْصُلُ الرَّفْعُ. وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ رَفْعَهُ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ)

وَقَالَ رَبِيعَةُ (هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ الْمَدَنِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ – بِإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ – قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِالِاجْتِهَادِ): لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ (وَمُرَادُ رَبِيعَةَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ فَهْمٌ وَقَابِلِيَّةٌ لِلْعِلْمِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْمِلَ نَفْسَهُ فَيَتْرُكَ الِاشْتِغَالَ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ. أَوْ مُرَادُهُ الْحَثُّ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ فِي أَهْلِهِ لِئَلَّا يَمُوتَ الْعَالِمُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُؤَدِّيَ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ. أَوْ مُرَادُهُ أَنْ يُشْهِرَ الْعَالِمُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّى لِلْأَخْذِ عَنْهُ لِئَلَّا يَضِيعَ عِلْمُهُ. وَقِيلَ: مُرَادُهُ تَعْظِيمُ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُ، فَلَا يُهِينُ نَفْسَهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ عَرَضًا لِلدُّنْيَا. وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ)

80- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا».

الشَّرحُ: 80- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (أَي مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَقُربِ قِيَامِ القِيَامَةِ) أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ (أَي يَفشُوَ وَيَنتَشِرَ) (كَيفَ يُرفَعُ العِلمُ؟ بِمَوتِ حَمَلَتِهِ، بِقَبضِ نَقَلَتِهِ، لَا بِمَحوِ العِلمِ مِنَ الصُّدُورِ، أَمَّا القُرءَانُ يُرفَعُ مَحوًا مِنَ الصُّدُورِ وَمِنَ السُّطُورِ)

وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» (مَعنَاهُ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ يَعنِي مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ أَن يُرفَعَ العِلمُ بِمَوتِ حَمَلَتِهِ وَيَثبُتَ الجَهلُ وَيَكثُرَ شُربُ الخَمرِ وَيَنتَشِرَ الزِّنَا) 

81- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ».

الشَّرحُ: 81- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي (لِأَنَّهُ كَانَ آخِرَ مَن مَاتَ بِالبَصرَةِ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ)، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ (هُنَا استَعمَلَ لَفظَ “يَقِلَّ” وَفِي الأَوَّلِ استَعمَلَ كَلِمَةَ “يُرفَعَ”، مَعنَاهُ يَقِلُّ العِلمُ ثُمَّ يُرفَعُ، وَيُرفَعُ وَيَقِلُّ بِمَوتِ حَمَلَتِهِ)، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ (بِسَبَبِ كَثرَةِ القَتلِ وَالفِتَنِ) حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ» (أَي يَأتِيَ وَقتٌ بِسَبَبِ كَثرَةِ عَدَدِ النِّسَاءِ وَقِلَّةِ عَدَدِ الرِّجَالِ تَجِدُ أَنَّ رَجُلًا وَاحِدًا يَقُومُ بِتَدبِيرِ نَفَقَةِ خَمسِينَ امرَأَةً وَيَتَوَلَّى رِعَايَتَهُنَّ، وَيُنفِقُ عَلَيهِنَّ، لَيسَ المَعنَى أَنَّهُ يَحِلُّ أَن يَتَزَوَّجَ خَمسِينَ امرَأَةً)

(66) بَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ

الشَّرحُ: (66) بَابُ فَضْلِ الْعِلْمِ (الْفَضْلُ هُنَا بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ، أَيْ مَا فَضَلَ عَنْهُ، وَالْفَضْلُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِلْمِ بِمَعْنَى الْفَضِيلَةِ، فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ كَرَّرَهُ)

82- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ».

الشَّرحُ: 82- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ (أَي أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ فِي المَنَامِ، وَرُؤيَا الأَنبِيَاءِ وَحيٌ) أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ (أَي حَلِيبٍ) فَشَرِبْتُ حَتَّى أَنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي (فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ: مِنْ أَظْفَارِي وَهُوَ أَبْلَغُ، وَفِي التَّعْبِيرِ: مِنْ أَطْرَافِي وَهُوَ بِمَعْنَاهُ)، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي (أَي مَا زَادَ فِي القَدَحِ مِنَ الحَلِيبِ بَعدَ أَن  شَرِبَ مِنهُ) عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ (أَي بِمَاذَا عَبَّرتَ هَذَا المَنَامَ) قَالَ: «الْعِلْمَ» (وَوَجهُ تَفسِيرِ اللَّبَنِ بِالعِلمِ لِاشتِرَاكِهِمَا فِي كَثرَةِ الِانتِفَاعِ بِهِمَا).

(67) بَابُ الْفُتْيَا وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا

الشَّرحُ: (67) بَابُ الْفُتْيَا وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا (أَي رَاكِبٌ، فَلَو بَقِيَ عَلَى الدَّابَّةِ وَأَجَابَ النَّاسَ هَذَا لَا يُنَافِي الأَدَبَ)

83- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ.

الشَّرحُ: 83- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ (أَي وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى الدَّابَّةِ)، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ (أَي لَم أَنتَبِه) فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ (أَي مِن أَعمَالِ يَومِ النَّحرِ أَي يَومِ العِيدِ، الَّتِي هِيَ رَميُ الجَمَرَاتِ وَحَلقُ شَعَرِ الرَّأسِ وَالنَّحرُ أَي ذَبحُ الهَديِ) قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ (أَي أَجَازَ ذَلِكَ، أَي أَنَّهُ لَا يُشتَرَطُ التَّرتِيبُ فِي هَذِهِ الأَعمَالِ، فَلَو قَدَّمَ الحَاجُّ مِنهَا شَيئًا عَلَى الآخَرِ صَحَّ مِنهُ ذَلِكَ، وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ الإِفتَاءَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى الدَّابَّةِ لَا يُنَافِي الأَدَبَ).

السُّؤَالُ الفِقهِيُّ

كَيفَ رَجَعَ بَصَرُ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَيهِ؟

الجَوَابُ: مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الأَنبِيَاءِ مَا حَصَلَ مَعَ نَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ وَأَبِيهِ نَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ، فَسَيِّدُنَا يُوسُفَ لَمَّا أَلقَاهُ إِخوَتُهُ فِي البِئرِ غَابَ عَن أَبِيهِ نَحوَ الْأَربَعِينَ سَنَةً قَبلَ أَنْ يَلقَاهُ فِي مِصرَ وَمِنْ شِدَّةِ حُزنِ يَعقُوبَ عَلَى ابْنِهِ يُوسُفَ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ أَعْمَى مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَلا كَانَ بِهِ عَمًى قَبْلَ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ بِفَقْدِ ابْنِهِ يُوسُفَ. فَالنَّبِيُّ فِي الْبَدْءِ أَوَّلَ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَى لِمُدَّةٍ كَمَا حَصَلَ لِنَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَلَمَّا عَلِمَ يُوسُفُ بِذَلِكَ أَرسَلَ قَمِيصَهُ الَّذِي كَانَ عَلَى جَسَدِهِ المُبَارَكِ إِلَى أَبِيهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى إِخبَارًا عَن سَيِّدِنَا يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلقُوهُ عَلَى وَجهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾. ثُمَّ لَمَّا وَضَعَ يَعقُوبُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلَى وَجهِهِ رَجَعَ إِلَيهِ بَصَرُهُ بِبَرَكَةِ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَبِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى لِأَنَّ القَمِيصَ لَا يَنفَعُ وَلَا يَضُرُّ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَرُّكَ لَيسَ شِركًا وَلَا عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى.

مختارات من الأدعية والأذكار

كتب شيخنا رحمه الله بخطّه:

للأمْن مِن المكروه يُصلّي ركعتين ثم يُصلّي على النبيّ صلى الله عليه وسلم أربع عشْرة مرّةً (14)، ثُمّ يطلُب مِن الله أن يُؤمِّنَه مِن المكروه الذي يَتخوَّفُه، ثمّ يقرأ: *(لإيلافِ قُرَيشٍ) (أي السُّورة) إحدى ومائة مرّة (101)، ثم يُصلّي بلا حصرٍ بعددٍ معيَّن.

الدُّعَاءُ الخِتَامِيُّ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي رَسُولِ اللهِ….

اللهم رَبَّ جِبرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهدِنَا إِلَى الحَقِّ إِنَّكَ تَهدِي مَن تَشَاءُ إِلَى صَرَاطٍ مُستَقِيمٍ.

اللهم اجعَلنَا مِنَ العُلَمَاءِ الحُلَمَاءِ البَرَرَةِ الأَتقِيَاءِ، اللهم فَقِّهنَا فِي الدِّينِ، وَاجعَلنَا مِنَ الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ النَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، اللهم أَكرِمنَا بِحِفظِ القُرآنِ العَظِيمِ، وَارزُقنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ، وَاحفَظنَا بِبَرَكَتِهِ وَبَرَكَةِ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاجعَلنَا مِنَ العَامِلِينَ بِأَحكَامِهِ، وَمِنَ الوَقَّافِينَ عِندَ حُدُودِهِ، وَاجعَلهُ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَينَا، وَاجعَلهُ نُورًا لَنَا فِي الدُّنيَا وَالقَبرِ وَالآخِرَةِ.

اللهم اجعَل فِى قَلبِنَا نُورًا، وَفِى لِسَانِنَا نُورًا، وَاجعَل فِى سَمعِنَا نُورًا، وَاجعَل فِى بَصَرِنَا نُورًا، وَاجعَل مِن خَلفِنَا نُورًا، وَمِن أَمَامِنَا نُورًا، وَاجعَل مِن فَوقِنَا نُورًا، وَمِن تَحتِنَا نُورًا، اللهم أَعطِنَا نُورًا.

اللهم اجعَلنَا مِنَ الطَّائِرِينَ فَوقَ الصِّرَاطِ، اللهم نَجِّنَا يَومَ الحَسرَةِ وَالنَّدَامَةِ، اللهم لَا تُخَيِّب رَجَاءَنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، اشرَح صُدُورَنَا، وَنَوِّر قُلُوبَنَا وَصُدُورَنَا، وَافتَح عَلَينَا فُتُوحَ العَارِفِينَ يَا اللهُ.

اللهم إِنَّا نَسأَلُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمنَا مِنهُ وَمَا لَم نَعلَم وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمنَا مِنهُ وَمَا لَم نَعلَم وَنَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ وَعَمَلٍ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ وَعَمَلٍ وَنَسأَلُكَ مِنَ خَيرِ مَا سَأَلَكَ مِنهُ عَبدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَنَستَعِيذُكَ مِمَّا استَعَاذَكَ مِنهُ عَبدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَنَسأَلُكَ مَا قَضَيتَ لَنَا مِن أَمرٍ أَن تَجعَلَ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللهم إِنَّا نسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ، وَنسأَلُكَ أَن تَجعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ تَقضِيهِ لنا خَيرًا، اللهم عَلِّمنَا ما جَهِلنَا وذَكِّرنَا مَا نَسِينَا وَانفَعنَا بِمَا عَلَّمتَنَا وَزِدنَا عِلمًا

اللهم انصُر أَهلَ فِلَسطِينَ نَصرًا مُؤَزَّرًا وَأَرِنَا قُدرَتَكَ وَغَضَبَكَ عَلَى اليَهُودِ اللهم أَرسِل عَلَيهِم طَيرًا أَبَابِيل تَرمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ تَجعَلُهُم كَعَصفٍ مَأكُولٍ. يَا رَبَّ العَالَمِينَ، يَا مَن لَا يَخِيبُ عِندَهُ الرَّجَاءُ ارزُق أَهلَ غَزَّةَ الخَلَاصَ يَا اللهُ، وَصُبَّ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِم صَبًّا، وَهَيِّء لَهُم قُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِم. اللهم انصُر أَهلَ غَزَّةَ بِقُوَّتِكَ وَحَولِكَ وَجُنُودِكَ، اللهم سَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَالسَّمَاءَ لِنَصرِهِم. يَا رَبِّ يَا جَبَّارَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ أَنزِل رَحمَتَكَ بِأَهلِ غَزَّةَ، وَقَوِّهِم وَكُن لَهُم عَونًا وَنَصِيرًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللهم ارفَعِ البَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالأَمرَاضَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِكرَامًا لِوَجهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم تَوَفَّنَا عَلَى كَامِلِ الإِيمَانِ وَارزُقنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَمَوتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَاحشُرنَا عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِن ذَهَبٍ آمِنِينَ مُطمَئِنِّينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللهم انصُر عِبَادَكَ فِي فِلَسطِينَ وَسَخِّر لَهُمُ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا وَالسَّمَاءَ وَمَن فِيهَا. اللهم بِقُوَّتِكَ نَسأَلُكَ يَا اللهُ يَا سَمِيعُ يَا قَرِيبُ، يَا مُجِيبُ يَا مُنتَقِمُ يَا جَبَّارُ، يَا قَهَّارُ يَا عَظِيمَ القَهرِ أَن تَجعَلَ كَيدَ المُحتَلِّينَ فِي نَحرِهِم، وَاجعَل مَكرَهُم عَائِدًا إِلَيهِم. 

رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللهم أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ

اللهم أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَقَبَّل مِنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم اجعَلنَا مِن عُتَقَاءِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيمِ وَمِنَ المَقبُولِينَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ، اللهم أَعتِقنَا فِيهِ مِنَ النِّيرَانِ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا اللهُ، اللهم أَرِنَا لَيلَةَ القَدرِ المُبَارَكَةَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَارزُقنَا فِيهَا دَعوَةً مُجَابَةً بِجَاهِ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَا اللهُ. اللهم ارزُقنَا حُسنَ الخِتَامِ وَالمَوتَ عَلَى دِينِكَ دِينِ الإِسلَامِ وَرُؤيَةَ سَيِّدِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. 

اللهم إِنَّا دَعَونَاكَ فَاستَجِب لَنَا دُعَاءَنَا وَاغفِرِ اللهم لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسرَافَنَا فِي أَمرِنَا وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنَّا وَارزُق كُلَّ مَن حَضَرَ وَاستَمَعَ لِلدَّرسِ سُؤلَهُ مِنَ الخَيرِ وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ وَسَلِّم تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الدِّينِ.

وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ….