الخطبة الاولى
إن الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد إخوة الإيمان: فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السرِّ والإعلانِ فلا تتركوا فعلَ الواجباتِ واجتنابَ المعاصي والنواهي فقد أمرَنَا ربُّنا تبارك وتعالى بالعمل الصالح قال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التوبة:105]، فكلُّ عملٍ فيهِ طاعةٌ للهِ تعالى فهو عملٌ صالحٌ ينفعُ العبدَ في الدنيَا والآخرةِ إذا اقترنَ عملُهُ بالنيةِ الصحيحةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى خلقَ الجنَّ والإنسَ لعبادتِهِ أي ليأمرهم بعبادته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58] ويقول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46].
فالباقيات الصالحاتُ هي الأعمالُ الصالحة التي يقومُ بها العبدُ طاعةً لربِّه سبحانه وتعالى فيَجِدُ أثرَهَا يومَ القيامة من الثوابِ الجزيلِ الباقِي وقد جاء كذلك في الحديث الشريف عن أبي هريرة قال: قال رَسولُ الله ﷺ: “خُذُوا جُنَّتَكُم” قالوا: يا رَسولَ الله، أَمِن عَدُوٍّ قد حَضَر؟ قال: “لا، ولكن جُنَّتُكم مِن النارِ قَولُ: سُبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهُنَّ يأتِينَ يومَ القيامة مُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ، وهُنَّ الباقِياتُ الصَّالِحات”. رواه النسائي في السنن الكبرى. في الحديث أربع كلمات فالكلمةُ الأولى “سبحانَ الله” تنزيهٌ لله عمَّا لا يليقُ، لفظٌ فيه معنَى تنزيهِ اللهِ عن صفاتِ المخلوقاتِ والأجسامِ، فاللهُ منزَّهٌ عن النقائصِ، غنيٌّ عن العالمينَ لا يسكُنُ الأرضَ ولا السماءَ، غنيٌّ عن الأماكنِ لا يسكنُهَا ولا يجرِي عليهِ زمانٌ، مهما تصوَّرتَ ببالك فاللهُ لا يشبه ذلك. “والحمد لله”، أي الثناءُ باللسانِ على النِّعَمِ التي أعطانَا اللهُ إياها من غيرِ وجوبٍ عليه سبحانَه وتعالى، “ولا إله إلا الله” أي لا خالقَ إلا اللهُ، فاللهُ خالقُ الخيرِ والشرِّ وكلِّ ما دخلَ في الوجودِ، ما مِن مستَحِقٍّ للعبادةِ غيرُه سبحانَه وتعالى، “والله أكبر” أي الله تعالى عظيمٌ وأعظمُ من كلِّ عظيمٍ، فالله هو الخالقُ الرازقُ المحيي المميتُ القاهرُ الجبارُ المتكبرُ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم:76]. وكذلك الاستغفار من الباقياتِ الصالحاتِ فهو عملٌ صالحٌ تَجِدُ نفعَهُ دائمًا في الدنيَا والآخرةِ ومن القصصِ التِي تُروَى في ذلكَ أن الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ كان يريدُ أن يقضِيَ ليلتَهُ في المسجدِ ولكن مُنعَ من المبيتِ في المسجدِ بواسطةِ حارسِ المسجدِ، حاول معَهُ الإمامُ ولكن لا جدوَى، فقال له الإمامُ سأنام موضِعَ قدمَي، وبالفعلِ نامَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ مكانَ موضِعِ قدمَيهِ فقامَ حارسُ المسجدِ بجرِّهِ لإبعادِهِ من مكانِ المسجدِ، وكانَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ شيخًا وَقُورًا تبدُو عليهِ ملامحُ الكِبَرِ، فرآهُ خبازٌ فلما رآهُ يُجَرُّ بهذه الهيئةِ عَرَضَ عليهِ المَبيتَ، وذهبَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ مع الخبازِ، فأكرَمَهُ ونعَّمَه، وذهب الخبازُ لتحضيرِ عجينِهِ لعملِ الخبزِ، ثم إنَّ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ سمعَ الخبازَ يستغفرُ ويستغفر، ومضى وقتٌ طويلٌ وهو على هذه الحالِ فتعجَّبَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل، فلما أصبحَ سألَ الإمامُ أحمدُ الخبازَ عن استغفاره في الليل:
فأجابه الخبازُ: أنه دائمُ الاستغفارِ
فسأله الإمام أحمد: وهل وجدتْ لاستغفارِكَ ثمرَةً؟
والإمام أحمد سأل الخباز هذا السؤال وهو يعلم ثمراتِ الاستغفارِ ويعلمُ فضلَ الاستغفارِ وفوائدَهُ.
فقال الخباز: نعم، والله ما دعوتُ دعوةً إلا أُجيبَتْ، إلا دعوةٌ واحدةٌ!
فقال الإمام أحمد: وما هي؟
فقال الخباز: رؤيةُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ!
فقال الإمام أحمد: أنا أحمد بن حنبل والله إني جُررت إليك جراً!!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْبَشَرِ، عِبَادَ اللهِ اتَّقُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوْهُ.
أما بعد عباد الله: جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَتَقُولُ فَعَلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ” رواه الحاكم.
واعلموا إخوة الإيمان أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قدْ أمركمْ بأمرٍ عظيمٍ قد أمركُم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهمّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ اتقوا اللهَ عبادَ اللهِ إنِّي داعٍ لعلها تكونُ ساعةَ إجابةٍ: اللهم اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ، اللهم عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمَّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ ﷺ اللهم أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ اللهم اجعلْ هذا البلدَ ءامنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ.