مَا الحُكمُ الشَّرعِيُّ لِلصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَت تَحِيَّةَ مَسجِدٍ أَو غَيرَهَا؟ مَثَلًا: لَو دَخَلَ الشَّخصُ المَسجِدَ أَثنَاءَ خُطبَةِ الجُمُعَةِ؟ وَهَل يَجُوزُ لِمَن فَاتَتهُ صَلَاةُ الصُّبحِ أَن يَقضِيَهَا فِي هَذَا الوَقتِ؟
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة: مكانة الصلاة في الإسلام
الصَّلَاةُ خَيرٌ مَوضُوعٌ، مَهمَا أَكثَرَ مِنهَا الإِنسَانُ فَإِنَّهُ يَزدَادُ ثَوَابًا بَعدَ ثَوَابٍ، وَهِيَ أَفضَلُ الأَعمَالِ البَدَنِيَّةِ، وَقَد وَعَدَ اللهُ المُصَلِّينَ بِالثَّوَابِ العَظِيمِ بِقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُوْنَ*الَّذِيْنَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وحَثَّ عَلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَثًّا شَدِيدًا وَأَوصَى بِهَا حَتَّى وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ، وَقَد كَانَت لَذَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُرُورُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ يَمحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا وَيُكَفِّرُ بِها السَّيِّئَاتِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرَأَيتُم لَو أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُم يَغتَسِلُ مِنهُ كُلَّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ هَل يَبقَى مِن دَرَنِهِ شَيٌء» قَالُوا: لَا يَبقَى مِن دَرَنِهِ شَيٌء قَالَ ﷺ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ يَمحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا».
لَكِن هُنَاكَ حَالَاتٌ تُكرَهُ أَو حَتَّى تَحرُمُ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَمَا هَذَا إِلَّا لِأَنَّ المَطلُوبَ فِي بَعضِ هَذِهِ الحَالَاتِ أَن يَنشَغِلَ الإِنسَانُ بِأُمُورٍ مُهِمَّةٍ وَضَعَهَا الشَّارِعُ فِي هَذِهِ الأَوقَاتِ، وَمِنَ المَسَائِلِ الَّتِي وَقَعَ الكَلَامُ فِيهَا بَينَ العُلَمَاءِ مَسأَلَةُ الصَّلَاةِ أَثنَاءَ خُطبَةِ الجُمُعَةِ.
الصلاة أثناء خطبة الجمعة: أحكام وتفصيلات
يَختَلِفُ حُكمُ الصَّلَاةِ أَثنَاءِ خُطبَةِ الجُمُعَةِ بِاختِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُصَلِّيهَا الشَّخصُ، وَفِيمَا يَلِي تَفصِيلُ ذَلِكَ:
تحية المسجد أثناء الخطبة
يُسَنُّ لِمَن دَخَلَ المَسجِدَ وَالإِمَامُ يَخطُبُ أَن يُصَلِّيَ استِحبَابًا رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ بِنِيَّةِ تَحِيَّةِ المَسجِدِ، لَكِن يَجِبُ عَلَيهِ فِي هَذِهِ الحَالِ التَّخفِيفُ فِي الرَّكعَتَينِ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَا سُلَيكُ قُم فَاركَع رَكعَتَينِ وَتَجَوَّز فِيهِمَا»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَالمُرَادُ بِالتَّخفِيفِ الِاقتِصَارُ عَلَى الوَاجِبَاتِ لَا الإِسرَاعُ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ المُخِلُّ بِالشُّرُوطِ وَالأَركَانِ.
أَمَّا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ يُفَوِّتُ بِصَلَاةِ التَّحِيَّةِ تَكبِيرَةَ الإِحرَامِ مَعَ الإِمَامِ فَلَا تُسَنُّ لَهُ الرَّكعَتَانِ، وَيَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَقعُدُ لِئَلَّا يَكُونَ جَالِسًا فِي المَسجِدِ قَبلَ التَّحِيَّةِ.
سنة الجمعة القبلية
إِن كَانَ الدَّاخِلُ إِلَى المَسجِدِ أَثنَاءَ الخُطبَةِ لَم يُصَلِّ سُنَّةَ الجُمُعَةِ القَبلِيَّةِ فَيُسَنُّ لَهُ أَن يُصَلِّيَهَا مُخَفَّفَةً عِندَ دُخُولِهِ، وَتَحصُلُ بِهَا تَحِيَّةُ المَسجِدِ، فَيَجلِسُ مِن دُونِ أَن يُصَلِّيَ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، فَإِن صَلَّى صَلَاةً أُخرَى لَم تَنعَقِد.
قضاء الفائتة أثناء الخطبة
لَو أَرَادَ الدَّاخِلُ إِلى المَسجِدِ قَضَاءَ صَلَاةٍ فَاتَتهُ كَالصُّبحِ مَثَلًا أَثنَاءَ خُطبَةِ الجُمُعَةِ، فَهَل يَصِحُّ ذَلِكَ وَتَحصُلُ بِهَا التَّحِيَّةُ كَسُنَّةِ الجُمُعَةِ؟ هُنَاكَ قَولَانِ، صَرَّحَ بِالمَنعِ مِن ذَلِكَ بَعضُ العُلَمَاءِ كَالخَطِيبِ الشِّربِينِيِّ، وَأَجَازَهُ عِدَّةٌ ءَاخَرُونَ كَالرَّملِيِّ وَالسُّيُوطِيِّ.
صلاة النفل المطلق أثناء الخطبة
لَا يَجُوزُ أَن يُصَلِّيَ الشَّخصُ صَلَاةً نَافِلَةً بَعدَ صُعُودِ الخَطِيبِ المِنبَرَ وَجُلُوسِهِ عَلَيهِ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ حَتَّى لَو لَم يَسمَعِ الخُطبَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ إِعرَاضٌ عَنِ الخَطِيبِ بِالكُلِّيَّةِ، وَنَقَلَ المَاوَردِيُّ وَغَيرُهُ الإِجمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
فَخُرُوجُ الإِمَامِ وَصُعُودُهُ عَلَى المِنبَرِ وَجُلُوسُهُ عَلَيهِ يَقطَعُ الصَّلَاةَ، وَابتِدَاءُ الإِمَامِ بِالخُطبَةِ يَقطَعُ الكَلَامَ، لَكِن لَم يَحرُمِ الكَلَامُ هُنَا عَلَى قَولِ بَعضِ العُلَمَاءِ وَإِن صَعِدَ الخَطِيبُ المِنبَرَ لِأَنَّ قَطعَ الكَلَامِ هَيِّنٌ إِذَا ابتَدَأَ الخَطِيبُ الخُطبَةَ، لَكِنَّ الكَلَامَ أَثنَاءَ الخُطبَةِ يُفَوِّتُ الثَّوَابَ لِحَدِيثِ: مَن قَالَصَه -أُي اسكُتْ-، فَقَد لَغَا، وَمَن لَغَا، فَلَا جُمُعَةَ لَهُ” رَوَاهُ أَحمَدُ، وَأَبُُو دَاوُدَ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَد يَفُوتُهُ بِهَا سَمَاعُ أَوَّلِ الخُطبَةِ، بَل صَرَّحَ العُلَمَاءُ أَنَّهُ لَو تَذَكَّرَ هُنَا فَرضًا لَا يَأتِي بِهِ، فَالنَّافِلَةُ بِالأَولَى.
هل الحكم خاص بالمسجد أم لا؟
إِنَّ الأَحكَامَ الَّتِي ذُكِرَت كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ بِالمَسجِدِ المَوقُوفِ لِلصَّلَاةِ، أَمَّا لَو كَانَتِ الجُمُعَةُ تُقَامُ فِي مُصَلًّى أَو سَاحَةٍ غَيرِ المَسجِدِ فَمَن دَخَلَهُ وَالإِمَامُ عَلَى المِنبَرِ لَم يُصَلِّ شَيئًا، بَل يَجلِسُ فَورًا.
هل يتناول الحكم من كان حاضرا في المسجد؟
إِنَّ الأَحكَامَ الَّتِي مَرَّت كُلُّهَا تَتَعَلَّقُ أَيضًا بِشَخصٍ كَانَ خَارِجَ المَسجِدِ وَدَخَلَ أَثنَاءَ الخُطبَةِ، فَيُفهَمُ مِنهُ أَنَّ الحَاضِرَ لَا يُنشِئُ صَلَاةً بَعدَ جُلُوسِ الخَطِيبِ عَلَى المِنبَرِ، لَا فَرضًا وَلَا نَفلًا وَلَو سُنَّةَ الجُمُعَةِ، قَالَ فِي المَجمُوعِ: إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنبَرِ امتَنَعَ ابتِدَاءُ النَّافِلَةِ، وَنَقَلُوا الإِجمَاعَ فِيهِ.اهـ
الخاتمة: أهمية العلم بأحكام الصلاة
تَأَمَّل أَخِي المُسلِمَ كَيفَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ أَفضَلُ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ صَارَت مَكرُوهَةً فِي أَوقَاتٍ بَل وَمُحَرَّمَةً فِي أَوقَاتٍ أُخرَى لِحِكَمٍ شَرعِيَّةٍ، فَإِذَا عَرَفتَ هَذَا عَرَفتَ أَنَّ الحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرعُ وَالقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرعُ، وَإِذَا عَرَفتَ هَذَا عَلِمتَ عِلمَ يَقِينٍ أَنَّ العَبدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ العِلمِ حَتَّى يَعبُدَ اللهَ تَعَالَى عِبَادَةً صَحِيحَةً، فَكَم مِنَ النَّاسِ اليَومَ يَغفُلُ عَن مِثلِ هَذِهِ الأَحكَامِ وَغَيرِهَا لِأَنَّهُ مَا تَعَلَّمَ، نَسأَلُ اللهَ التَّوفِيقَ وَالسَّدَادَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- أَسنَى المَطَالِبِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- الحَاوِي الكَبِيرِ لِلمَاوَردِيِّ.
- كِفَايَةِ النَّبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.