حكم قراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة

حكم قراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة عند المذاهب الأربعة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

البَسْمَلَةُ آيةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِيهَا مِنَ الأَسْرَارِ وَالبَرَكَاتِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ، تَنْفَعُ لِلْرِزْقِ وَالشِّفَاءِ مِنَ الأَمْرَاضِ، وَهِيَ آيةٌ مِنْ سُورَةِ الفَاتِحَةِ، وَآيَةٌ مِن كُلِّ سُوَرِ القُرْءانِ مَا عَدَا سُورَة التَّوْبَةِ عِندَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَتُشْرَعُ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ ذِي شَأْنٍ وَشَرَفٍ، كَوُضُوءٍ، وغُسلٍ، وتَيَمُّمٍ، وَذَكَاةٍ، وَابْتِدَاءِ طَوَافٍ، وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ وَلَو مِنْ أَثْنَاءِ سُورةٍ، فِي صَلَاةٍ أَوْ خَارِجَهَا، وَتَألِيفٍ، وَسِوَاكٍ، وَنَومٍ، وَاكْتِحَالٍ، وَأَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَوَطءٍ مُبَاحٍ، وَصُعُودِ خَطِيبٍ مِنْبَرًا، وَرُكُوبِ دَابَّةٍ وَسَفِينَةٍ، وَدُخُولِ مَسْجِدٍ وَمَنْزِلٍ وَخُرُوجٍ مِنْهُمَا، وَدُخُولِ الخَلَاءِ، ولُبسِ ثَوْبٍ وَنَزْعِهِ، وَغَلْقِ بَابٍ، وَإِطْفَاءِ مِصْبَاحٍ، وَتَغْمِيضِ مَيِّتٍ، وَوَضْعِهِ بِلَحْدِهِ، وَنَحوِ ذِلِكَ.

رَوَى الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالثَّعْلَبِيُّ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ‌لَمَّا ‌نَزَلَتِ ﴿‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾، هَرَبَ الْغَيْمُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَسَكَنَتِ الرِّيحُ، وَهَاجَ الْبَحْرُ، وَأَصْغَتِ الْبَهَائِمُ بِآذَانِهَا، وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ السَّمَاءِ.

وَقَالَ اﻹِمَامُ المُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ الكَبِيرِ عَلَى الجَامِعِ الصَّغِيرِ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ البَسْمَلَةُ الشَّرِيفَةُ اهْتَزَتِ الجِبَالُ لِنُزُولِهَا.

تفسير البسملة

  • مَعْنَى «بِسْمِ اللهِ»: أَيْ أَبْتَدِئُ بِاسْمِ اللهِ
  • وَلَفْظُ الجَلَالَةِ «اللهِ»: عَلَمٌ لِلْذَاتِ المُقَدَّسِ المُسْتَحِقِّ لِنِهَايَةِ التَّعْظِيمِ وَغَايَةِ الخُضُوعِ، وَمَعْنَاهُ مَنْ لَهُ الإِلَهِيَّةُ وَهِيَ القُدْرَةُ عَلَى الاخْتِرَاعِ أَيْ إِبْرَازِ المَعْدُومِ إِلَى الوُجُودِ.
    • وَاسْمُ اللهِ عَلَمٌ غَيرُ مُشْتَقٍّ، قَالَ الخَلِيلُ بنُ أحمدَ الفَرَاهِيدِيُّ: اسمُ الذَّاتِ المُقَدَّسِ «الله» لَيسَ مُشْتَقًّا بَلْ مُرْتَجَلٌ، وحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيهِ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الأَكَابِرُ مِنَ اللُغَوِيِّينَ.
  • و«الرَّحْمَنِ»: مَعْنَاهُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ فِي الدُّنيَا، وَبِالمُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ، فَرَحْمَةُ اللهِ خَاصَةٌ بِالمُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ
  • أَمَّا «الرَّحِيمُ»: فَمَعْنَاهُ الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ بِالمُؤمِنِينَ.

حكم قراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة عند المذاهب الأربعة

أَصلُ اختِلَافِ الأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ يَرجِعُ إِلَى اختِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَيثُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ ‌اللهِ ‌الرَّحْمَنِ ‌الرَّحِيمِ﴾، ورُوِيَ بِلَفْظِ كَانُوا يَجْهَرُونَ، وَبِرِوَايَةِ كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ، وَفِي مُوَطَأِ مَالِكٍ قَالَ كَانُوا لَا يَقْرَأُونَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَصَحِيحِ ابنِ خُزَيْمَةَ قَالَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِـ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ وَلَا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بَأَوَّلِ القِرَاءَةِ وَلَا بِآخِرِهَا، فَلِذَلِكَ اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذَا الحُكمِ فَقَالَ كُلٌّ مِنهُم بِقَولٍ، رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَأَرضَاهُم، وَفِي مَا يَلِي تَفصِيلُ حُكمِ المَسأَلَةِ فِي المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ.

الحكم عند الحنابلة والحنفية

قَالَ الحَنَفِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ: تُقْرَأُ البَسْمَلَةُ فِي الفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الفَرْضِ سِرًا، ثُمَّ يَجْهَرُ بِـ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.

دليل الحنفية والحنابلة

رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ‌صَلَّيْتُ ‌خَلْفَ ‌رَسُولِ ‌اللهِ ﷺ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.

الحكم عند المالكية

قَالَ المَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي صَلَاةَ الفَرْضِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالاسْتِعَاذَةِ كَذَلِكَ، بَلِ السُّنْةُ أَنْ يَقْرَأَ: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالِمِينَ﴾ بَعْدَ التَكْبِيرِ، فَعِنْدَهُمْ لَا يُسْنُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ دُعَاءَ التَّوَجُّهِ وِالاسْتِعَاذَةَ والبَسْمَلَةَ، إِذْ البَسْمَلَةُ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ آيةً مِنَ الفَاتِحَةِ، بَل هِيَ لِلْفَصْلِ بَينَ السُّوَرِ، وَهَذَا الحُكْمُ فِي صَلَاةِ الفَرْضِ، أَمَّا فِي السُّنَةِ قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِنَّ.

دليل المالكية

رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: ﴿‌بِسْمِ ‌اللهِ ‌الرَّحْمَنِ ‌الرَّحِيمِ﴾، وَهَذَا الحَدِيثُ وَمِثْلُهُ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي ثُبُوتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَهَذَا لِأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا الْأَحَادِيْثَ، فَظَنُّوْا أَنَّ الرَّسُوْلَ مَا كَانَ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ فِيْ فَاتِحَةِ صَلَاةِ الْفَرْضِ.اهـ

الحكم عند الشافعية

قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجْبُ قِرَاءَةُ البَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الكِتَابِ عِنْدَهُمْ، وَيُسَنُّ الجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ الجَهْرِيَّةِ.

دليل الشافعية

رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي السُنَنِ الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: “﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، سَبْعُ آيَاتٍ إِحْدَاهُنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهِيَ السَّبْعُ االْمَثَانِي وَالْقِرَانُ الْعَظِيمُ، وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ“.

فَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَّا بِقِرَاءَةِ البَسمَلَةِ فِي الفَاتِحَةِ.

وَأَمَّا الدَلِيلُ عَلَى سُنِّيَّةِ جَهْرِهَا مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِـ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.

وَعَنِ ابنِ جُرَيحٍ عَن أَبِيهِ عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ وَقَرَأَ السُّورَةَ، قَالَ ابنُ جُرَيحٍ: فَقُلتُ لِأَبِي: لَقَد أَخبَرَكَ سَعِيدٌ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةٌ؟ قَالَ: نَعَم.

حكم حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

قَد ذَكَرنَا أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ رُوِيَ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهَا، وَالحَدِيثُ المُضْطَرِبُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، فلذلك فإن جُمْهُورَ المُحَدِّثِينَ وَالحُفَّاظِ حَكَمُوا عَلَى هَذَا الحَدِيثِ بِالإضطِرَابِ، كَالحَافِظِ العِرَاقِيِّ، فَقَد عَمِلَ أَلْفِيَّةً فِي الحَدِيثِ تَتَجَاوَزُ الأَلْفَ بَيْتٍ، يَذْكُرُ فِي أَلْفِيَّتِهِ مِثَالًا عَلَى الحَدِيثِ المُضْطَرِبِ فَيَقُولُ:

وَعِلَّةُ المَتْنِ كَنَفْيِ البَسْمَلَةْ
إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَهــا فَنَقَلَـــهْ

يَعْنِي هَذَا مِثَالٌ عَلَى الحَدِيثِ المُضْطَرِبِ الَّذِي عِلَّتُهُ الإضْطِرَابُ فِي المَتْنِ، لِأَنَّ الاضطِرَابَ قَد يَكُونُ فِي السَّنَدِ، فَالرَّاوِي هُنَا ظَنَّ أَنَّ الرَسُولَ مَا قَرَأَ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مَا قَرَأُوا، فَقَالَ لَا تُقْرَأُ.

وَقَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ:

وَصَحَّ أنَّ أَنَسًا يَقُوْلُ: (لَا  … أَحْفَظُ شَيْئًا فِيهِ) حِيْنَ سُئِلَا

وَالحَافِظُ العِرَاقِيُّ كَانَ شَافِعِيًا، فَيَنْتَصِرُ لِمَذْهَبِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُ الجَهْرُ بِالبَسْمَلَةِ وَيَجِبُ قِرَاءَتُهَا لِأَنَهَا آيةٌ مِنَ الفَاتِحَةِ.

وَقَد رَوى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ القُرءَانِ، بَابِ مَدِّ القِرَاءَةِ:  قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ.

وَصَرَّحَ الحَافِظُ ابنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ «مَعرِفَةِ أَنوَاعِ عِلمِ الحَدِيثِ» وَفِي كِتَابِهِ «مُقَدِّمَةِ ابنِ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ» بِأَنَّ الرِّوَايَةَ المُصَرِّحَةَ بِنَفيِ القِرَاءَةِ بِالبَسمَلَةِ فِيهَا عِلَّةٌ فِي المَتنِ، كَمَا أَنَّ الَّذِي اتَّفَقَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَلَى إِخرَاجِهِ فِي الصَّحِيحِ رِوَايَةُ: فَكَانُوا يَستَفتِحُونَ القِرَاءَةَ بِـ﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، مِن غَيرِ تَعَرُّضٍ لِذِكرِ البَسمَلَةِ، وَرَأَوا أَنَّ مَن رَوَاهُ بِاللَّفظِ المَذكُورِ رَوَاهُ بِالمَعنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ، فَفَهِمَ مِن قَولِهِ: كَانُوا (يَستَفتِحُونَ بِـ﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾) أَنَّهُم كَانُوا لَا يُبَسمِلُونَ، فَرَوَاهُ عَلَى مَا فَهِمَ، وَأَخطَأَ، لِأَنَّ مَعنَاهُ أَنَّ السُّورَةَ الَّتِي كَانُوا يَفتَتِحُونَ بِهَا مِنَ السُّوَرِ هِيَ الفَاتِحَةُ وَلَيسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذِكرِ التَّسمِيَةِ، كَمَا يَقُولُونَ قَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فَيُسَمُّونَ السُّورَةَ بِاسمِ أَوَّلِهَا وَلَا يَقُولُونَ الإِخلَاصُ أَو نَحوُ ذَلِكَ، وَهَكَذَا هُنَا، سَمَّى الرَّاوِي السُّورَةَ بِـ﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وَلَم يَقُلِ الفَاتِحَةُ، وَانضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَن أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِافتِتَاحِ بِالتَّسمِيَةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَحفَظُ فِيهِ شَيئًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ.

خاتمة فيها خلاصة المسألة

أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الأَئِمَّةَ الأَرْبَعَةَ الشَّافِعِيَّ وَمَالِكًا وَأَحْمَدَ وَأَبَا حَنِيفَةَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ، إِذْ هُمْ أَهْلُ الاجْتِهَادِ، فَهُم كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ ‌فَلَهُ ‌أَجرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَخطَأَ فَلَهُ أَجرٌ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَلِكُلٍّ دَلِيلُهُ، حَيْثُ إِنَّ اِخْتِلَافَهُمْ لَيْسَ فِي أَصْلِ العَقِيدَةِ، بَلْ فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، وَأَمَّا العَامِيُّ فَمَذْهَبُهُ مَذْهَبُ شَيْخِهِ وَإِمَامِهِ، وَلَا بَأْسَ بَأَنْ يُقَلِّدَ أَيًّا شَاءَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَئِمَةِ الْأَعْلَامِ، وَاللهُ أَرْشَدَنَا أَنَّ نَرْجِعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَخُصُوْصًا عِنْدَ الاخْتِلَافِ، فَلَا حَرَجَ شَرْعِيٌّ بِاتِّبَاعِ أَيِّ مَذْهَبٍ مِنْ هَذِهِ المَذَاهِبِ المُعْتَبَرَةِ.

لَكِنِ الأَولَى بِالإِنسَانِ أَن يَستَبرِئَ لِدِينِهِ وَيَأخُذَ بِالأَحوَطِ فِي أَمرِهِ، وَالأَحوَطُ هُنَا هُوَ العَمَلُ بِالمَذهَبِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ ‌استَبرَأَ ‌لِدِينِهِ وَعِرضِهِ“، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:

  1. الفِقهِ عَلِى المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ لِلجَزِيرِيِّ.
  2. المَجمُوْعِ بِشَرحِ المُهَذَّبِ للنَّوَوِيِّ.
  3. البَيَانِ لِلعِمرَانِيِّ.
  4. أَسنَى المَطَالبِ لِزَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
معركة حطين

معركة حطين

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share