أريد أن أتعلم العلم الشرعي، من أين أبدأ؟ – توجيهات نبوية

أريد أن أتعلم العلم الشرعي، من أين أبدأ؟ - توجيهات نبوية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:

روى البخاري عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا بَعثَ مُعاذًا رضيَ اللهُ عنهُ على اليمنِ قال:

قال رسول الله ﷺ

إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَومٍ أَهلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدَعُوهُم إِلَيهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخبِرْهُم أَنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِهِم وَلَيلَتِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخبِرهُم أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً مِن أَموَالِهِم وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنهُم، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَموَالِ النَّاسِ

رواه البخاري

من أين يبدأ الشخص في تعلم علم الدين؟

هذا الحديثُ يدلُّ على أمورٍ كثيرةٍ نتناول منها أمرا يهم المسلم كثيرا ولا يُستَغنَى عنهُ، وهُوَ من أين يبدأ الشخص في تعلم علم الدين بتوجيهٍ من النبي ﷺ.

أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث سيدَنا معاذ بن جبل إلى الأمور التي ينبغي أن يبدأ فيها مع أناس كانوا أهلَ جهلٍ يعبدون غير الله تعالى وهذا له اعتبار مهم في هذه المسألة نبينها في هذا المقال لاحقا.

معرفة الله ومعرفة رسوله، وتعلم العقيدة

قولُهُ ﷺ: فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدَعُوهُم إِلَيهِ عِبَادَةُ الله، أي إلى توحيدِ اللهِ تعالى، وهذا يكون بتعليمهم:

  • معنى الشهادتين
  • وأن الله واحد لا شريك له ولا زوجة ولا ولد ولا شبيه ولا مِثل له
  • وبتعليمهم صفات الخالق سبحانه وتعالى بمعرفة ما يجب لله تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز عليه فبهذا يعرفون خالقهم لِيُؤمنوا به على ما يليق به سبحانه
  • وبتعليمهم صفات الأنبياء كذلك لِيُؤمنوا بهم على الوجه المطلوب

فإذا هم عبدوا اللهَ وتَرَكُوا الكفرَ وَدَخَلُوا الإيمانَ صَارُوا عَابدين للهِ بالنطقِ بالشهادتينِ معَ اعتقادِ معناهما.

الدليل على أهمية علم التوحيد وأفضليته

هذا توجيه وتعليم من النبي ﷺ لنا أن أول واجب على الإنسان عبادة الله تعالى وحده، كما قال ﷺ في حديث البخاري:

قال رسول الله ﷺ

أَفضَلُ الأَعمَالِ إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ

رواه البخاري
لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود

عبادة الله لا تصح مع الجهل به سبحانه كما قال الإمام الغزالي: (لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود)، أي معرفة ما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه، حتى لا ينفي عنه صفة هي واجبة له وحتى لا ينسب له ما لا يليق به سبحانه.

الأمور على حسب أولوياتها في الشرع

الأصلُ الأوَّلُ هُوَ عبَادَةُ الله وحدَه، فالأمورُ على حسبِ أولوياتِها في الشرعِ ليس على ما يَظُنُّهُ بعض الناس، يقولون لا تتكلم في علم التوحيد، أو لِمَ تُكَلِّم العوامَّ بأمور علم التوحيد وعلم العقيدة هؤلاء ليسوا متخصصين فلا تُكَلِّمهُم، فالرسول ﷺ في هذا الحديث أمر سيدنا معاذا بأن يبدأ معهم بمعرفة الله ورسوله وقد كانوا جهالا غير متخصصين.

قال جندب بن عبد الله فيما رواه البيهقي

كنا مع النبي فتيانا حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرءان ثم تعلمنا القرءان فازددنا به إيمانا

قال الحافظ البوصيري في الزوائد هذا الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات ورواه ابن ماجه في سننه
  • الفتيان الحزاورة: أي الذين في مُقتَبَلِ العُمُر
  • أخبر هذا الصحابي الجليل أن النبي كان يعلمهم الإيمان أي التوحيد وكانوا صغارا ثم علمهم القرءان أي الأحكام.
  • هذا يدل على أن أول ما ينبغي أن يتعلمه الكبير والصغير هو علم العقيدة، وليس المعنى أننا نحتاج لتعلم العقيدة لأننا غير مؤمنين، بل نتعلمها لنحافظ على إيماننا لأن الشيطان يتربص بنا يريد أن يضلنا

فمن هنا نعلمُ أنَّ الأولوياتِ على حسبِ ما قرَّرَهُ الرسولُ ﷺ ليس على ما يَظُنُّهُ هؤلاء، بعضُ الناسِ يقولُ لكَ أهمُّ شيءٍ أن أَعرِفَ تلاوةَ القرآنِ أو أن أحفظَ القرآنَ أو أن أشتغلَ بقيامِ الليلِ أو بالذكرِ اللسانيِّ ونحوِ ذلك، هذا الحديثُ يبينُ الأولوياتِ ويردُّ على كلِّ هؤلاء، ممن لم يَعرِفُوا الأولوياتِ في دينِ اللهِ فالذي يقرِّرُ الأولوياتِ هو النبيُّ ﷺ لا الهَوَى والتَّشَهِّي وماذا يريدُ فلانٌ وماذا يُريد فلانٌ.

دليل آخر على أن علم العقيدة (التوحيد) هو أول هذه الأولويات

عندما بُعِثَ الرسولُ ﷺ في مكةَ كم كان هناك من عاداتٍ خبيثةٍ فاسدةٍ انتشرت بين الناسِ مثلُ وَأْدِ البناتِ والزِّنَا والرِّبا وغيرِها، أولُ ما بَدَأَهُم الرسولُ ﷺ بالتوحيدِ لم يقل لهم تعلموا الاستنجاءَ أو فرائضَ الغسلِ أو الحجابَ، بل بدأهم بالعقيدةِ، بل الأحكام لم تكن نزلت عليه ﷺ بعد فماذا كان يعلمهم الرسول ﷺ غير التوحيد، ثم بعدَ ذلك صارت الأحكامُ تَنزِلُ تِباعًا وغالبُ الأحكامِ نَزَلَت في المدينةِ وفي مكةَ كان التركيزُ على توحيدِ اللهِ، والنبيُّ كان يَمُرُّ بهم وهُم مُجتَمِعُونَ بالمَوسِمِ فيقولُ لهم: أيها الناسُ قولوا لا إله إلا الله تُفلِحُوا.

فنلاحظ أن النبي ﷺ أولا أمر بتعليم العقيدة لأناس جهال يعبدون غير الله ولم يقل هؤلاء جهال كيف أبدأ معهم بهذا وهم جهال غير متخصصين في العقيدة، وهو نفسه ﷺ بدأ مع أهل مكة بالتوحيد وكانوا أهل جاهلية.

فمعرفةُ اللهِ والرسولِ ﷺ هي الأساسُ، ومن الأساسِ بل أعظمُ ما يجبُ التحذيرُ منه هو الكفرُ باللهِ لأنه سبب للخلود في النار وعدم الخروج منها، وهذا هو نَهجُ محمدٍ ﷺ.

تعلم أحكام الطهارة والصلاة

بين رسول الله ﷺ ما هي الخطوة الثانية في تعلم أمور الدين بقوله: “فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخبِرْهُم أَنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِهِم وَلَيلَتِهِم“، وهذا لأهمية الصلاة فهي عمود الدين وأفضل عبادة بدنية، ولا بد أن يتعلم الشخص أيضًا أحكام الطهارة كالوضوء والغُسل والتيمم وإزالة النجاسة وغير ذلك، لأن هذا لا بد منه لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بلا طهارة فعلمنا أن تعلم الطهارة واجب.

ولا تقل أخي المسلم أنني أعرف الطهارة والصلاة، ومن لا يعرف الوضوء أو الغسل أو الصلاة أو نحو ذلك؟ لكن الصلاة والوضوء والغسل كل هذا له أركان وشروط ومبطلات وتفاصيل كثيرة قد تكون علمت بعضها لكن ينبغي منك أن تزداد في تعلمها، وأي شيء أهم من الصلاة؟ أفلا ينبغي أن توليَها اهتماما وتتعلم أحكامها، وقد قال رسول الله ﷺ: “لَا يَشبَعُ مُؤمِنٌ مِن خَيرٍ يَسمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنتَهَاهُ الجَنَّة“.

تعلم باقي أحكام العبادات التي يحتاجها المسلم

بعد ذلك ينبغي على المسلم تعلم باقي العبادات لأنه يحتاجها للنجاة في الآخرة ولا يستغني عنها كالصيام فيتعلم ما يجب فيه من الأركان وما هي المفطرات وما الذي لا يجوز فعله فيه، والزكاة فيتعلم متى تجب عليه الزكاة وفي أي الأموال تجب وكم مقدارها ولمن يعطيها، والحج فيتعلم أركانه وواجباته وشروطه ومحرماته وغير ذلك، كل هذا لا سبيل لمعرفته إلا بالتعلم من أهل العلم الثقات الشفوقين عليه وعلى دينه.

الفرض العيني من علم الدين

قال رسول الله ﷺ

طَلَبُ العِلمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ

رواه البيهقي وحسنه الحافظ المِزِّيّ

في هذا الحديث فرض رسولنا الكريم ﷺ على كل مسلم تعلم قدر من علم الدين، وهو القدر الذي لا يستغني عنه المسلم لأداء عباداته ويحتاجه للنجاة يوم القيامة.

وهذا القدر يشمل مسائل في:

  • علم العقيدة أولا
  • ثم مسائل في الأحكام كمعرفة الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، لأن الشخص يحتاج إلى هذا لأداء الواجبات
  • معرفة أحكام المعاملات التي يتعامل بها مع الناس من بيع وشراء وإجارة ورهن وقرض وغير ذلك مما يحتاجه في حياته اليومية، لأن هذه المعاملات منها الصحيح ومنها الفاسد ومنها الجائز ومنها المحرم، فحتى يعلم ما أحل الله منها وما حرم يجب عليه أن يتعلم أركانها وشروط صحتها وغير ذلك من أحكامها.
  • أن يتعلم المحرمات حتى لا يقع فيها

كان بعض الصحابة يسأل النبي ﷺ عن المحرمات والشر فسُئل لماذا تكثر من السؤال عن المحرمات فقال: (تعلمت الشر لا للشر ولكن لتوقيه فإن من لم يعرف الشر يقع فيه) أي أن الذي لا يعرف ما حرمه الله عليه يسهل أن يقع فيه بسبب هذا.

لا يؤخذ العلم إلا من أفواه العلماء

مطالعة الكتب بدون تعلُّم لا تكفي فهذه الأمور لا تؤخذ بالمطالعة من الكتب، لأنه قد يكون في هذه الكتب التي يطالعها الشخص دسٌّ وافتراء على الدين، فكم من الكتب وجدت لبعض العلماء فيها افتراء عليه وكلام مخالف للدين هو لم يقل به بل دسه عليه بعض أعداء الدين، أو قد يفهم منها أشياء على خلاف ما هي عليه عند السلف والخلف على ما تناقلوه جيلا عن جيل فيؤدي إلى عبادة فاسدة، أو يقع في تشبيه الله بخلقه والتمثيل والكفر والضلال.

وعلى كلّ فليس ذلك سبيل التعلّم الذي نهَجَه السلف والخلف، قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي أحد كبار المحدّثين: (لا يؤخذ العلم إلا من أفواه العلماء)، وقال رسول الله ﷺ: “مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ، إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالفِقهُ بِالتَّفَقُّهِ“، أي بالتعلم من أفواه العلماء، رواه البخاري.

الأدعية المختارة-أذكار النوم

الأدعية المختارة: أذكار النوم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد: منافع…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share